آخر الأخبار

الآبري… تقليد رمضاني يصمد في وجه حرب السودان

شارك
أثّرت الحرب الدائرة في السودان، خصوصًا في مناطق النزاع، بشكل مباشر على تحضيرات رمضان، بما فيها صناعة الآبري. صورة من: Ashraf Shazly/AFP

يُعدّ الآبري، المعروف أيضا باسم "الحلو مُر"، أحد أبرز  المشروبات الرمضانية  التقليدية في السودان . وسُمّي "الحلو مُر” لأنه يجمع في مذاقه بين الحلاوة والمرارة، ويُقدّم عند الإفطار كجزء أصيل من المائدة السودانية الرمضانية.

يُحضَّر هذا المشروب من الذرة النابتة، وخاصة  نوع الفتريتة  ، حيث تُخمَّر الحبوب وتُمزج بتوابل خاصة، ثم تُفرد على شكل رقائق رقيقة تُجفف بعناية لتُذاب لاحقًا في الماء وتُحلّى بالسكر . لا يقتصر الآبري على كونه مشروبًا، بل يمثل طقسًا اجتماعيًا متوارثًا ورمزًا من رموز الهوية الرمضانية.

الحرب وتأثيرها على الطقوس الرمضانية

أثّرت الحرب الدائرة في السودان، خصوصًا في مناطق النزاع ، بشكل مباشر على تحضيرات رمضان، بما فيها صناعة الآبري. فقد أدت الاضطرابات الأمنية وارتفاع تكاليف النقل إلى نقص الحبوب المحلية مثل  الذرة والدخن  ، ما جعل توفير مكونات المشروب تحديًا كبيرًا لكثير من الأسر في ظل موجة غلاء واسعة.

يقول صالح مبارك من الخرطوم: "الأسعار مرتفعة جدًا خلال مواسم الذروة، و  السوق مزدحم  ، ويستغل التجار أوقات المناسبات الخاصة لرفع الأسعار".

بينما يرى عثمان يوسف، تاجر من الخرطوم، وجهة نظر مختلفة: " عدت إلى السوق وافتتحت متجري بعد ثلاثة أو أربعة أشهر من انحسار الحرب. هناك طلب كبير من الزبائن، والأسعار معقولة، ليست مرتفعة ولا منخفضة، بل معتدلة".

وفي مناطق مثل دارفور و كردفان ، غالبًا ما تضطر الأسر النازحة للاعتماد على المساعدات الغذائية، ما يقلّل من فرص تحضير المشروبات الرمضانية التقليدية.

وبين روايات المستهلكين والتجار، يظل الآبري أكثر من مجرد مشروب؛ إنه تقليد متجذّر يعكس تمسّك السودانيين بعاداتهم حتى في ظل الأزمات الاقتصادية وتداعيات الحرب.

التأثير النفسي والاجتماعي

في أوقات الحرب، يتحوّل رمضان إلى اختبار نفسي واجتماعي، إذ تثقل مشاعر الفقد والقلق والاغتراب كاهل كثير من الأسر، خاصة أولئك الذين اضطروا لمغادرة منازلهم. ومع ذلك، تبقى بعض الطقوس الصغيرة مصدر عزاء وأمل، ومن بينها مشروبات مثل الآبري، التي تتحوّل إلى رمز للاستمرارية وحفظ الهوية.

تقول هند حسن (اسم مستعار)، لاجئة سودانية في مصر منذ اندلاع الحرب: "كل رمضان صمناه في مصر كنا نشرب الآبري. أول ما جينا جبنا حاجتنا معانا، والسنة الفاتت ودي رسلت لينا جارتنا كرتونة. هي أصلًا كانت البِتْعَوِّس لينا. والدتي ما بتقدر تصوم رمضان من غيره".

وتضيف سلمى (اسم مستعار): " كانت والدتي تصنع  الحلو مُر  بكميات كبيرة وترسله لكل أهلها. هذا العام فقدنا تلك الرائحة الزكية واختفى المشروب المحبب إلى قلوبنا من مائدتنا الرمضانية ."

يبقى الآبري رمزًا للحفاظ على الروح المعنوية والشعور بالاستقرار الثقافي، حتى في الغربة، فهو يخفف وطأة البعد ويعيد وصل العائلات بجذورها، ويمنحها إحساسًا عميقًا بالانتماء والاستمرارية رغم كل ما تغيّر من حولها.

كيف يُحضَّر الآبري؟

يُحضَّر الآبري من الدخن عبر عملية تقليدية متقنة تبدأ بإنبات الحبوب، ثم تجفيفها وطحنها، قبل خلطها بعصيدة دافئة وتركها لتتخمّر. بعد ذلك، تُخبز العجينة على هيئة رقائق رفيعة تُجفف بعناية، ليعاد إذابتها لاحقًا في الماء وتُحلّى بالسكر، فينتج مشروب أحمر منعش غني بالمركّبات الغذائية ومضادات الأكسدة.

تشير د. الفلكور سلوى عبد المجيد أحمد المشلي لـDW إلى أن تاريخ  الحلو مُر  يمتدّ إلى قرون مضت، رغم ندرة التدوين في بداياته، فبينما تشير بعض المصادر إلى أن زراعة الذرة بدأ ت في بربر حوالي عام 1860، أشار الرحّال بركات في جبال النوبة إلى وجود الآبري منذ عام 1814.

وأضافت د. سلوى أن الآبري مشروب شعبي مميّز، يُقدَّم في كل بيت خلال رمضان، ويجمع بين الغني والفقيرصورة من: Ashraf Shazly/AFP

وأضافت د. سلوى أن الآبري مشروب شعبي مميّز، يُقدَّم في كل بيت خلال رمضان، ويجمع بين الغني والفقير، ويشتهر بالضيافة في القرى والشوارع وحتى للمحتاجين. له نوعان: أبري أبيض وأبري أحمر (الحلومر، يُحضَّران من الذرة أو الفتريتة الحمراء مع البهارات، ويتم تحضيرهما عن طريق عمل رقائق تُبل بالماء لصنع العصير.

وترى د. سلوى أن هذا المشروب لا يمكن الاستغناء عنه، فهو يرتبط بطقوس اجتماعية جميلة، ففي يوم تحضيره يجتمع الجيران والأهل، وتملأ رائحته الأجواء، لتصبح علامة على  اقتراب رمضان  . وتؤكد أن أي مائدة رمضانية تخلو من الحلو مُر تعتبر ناقصة، إذ يشكّل جزءًا أساسيًا من الثقافه السودانية والروحية للشهر الكريم.

الآبري رمز للمقاومة الثقافية

ورغم أهوال الحرب، ما يزال تحضير الآبري مستمرًا في كثير من المنازل والمدن، ليغدو رمزًا بسيطًا لكنه عميق الدلالة على المقاومة الثقافية. فالاستمرار في الطقوس الرمضانية يعكس تمسّك المجتمعات بهويتها وحرصها على حماية ذاكرتها الجماعية من التآكل.

كما يشكّل مناسبة للتواصل والتكافل بين الأسر والجيرانصورة من: Ashraf Shazly/AFP

ولا يقتصر دوره على كونه مشروبًا تقليديًا، بل يشكّل مناسبة للتواصل والتكافل بين الأسر والجيران في ظل ظروف معيشية صعبة.

يبقى الآبري أكثر من مجرد شراب يُقدَّم عند الإفطار؛ إنه جسر بين الماضي والحاضر، بين دفء الألفة ومرارة الغياب، ويمنح صورة حيّة عن قدرة الإنسان على صون  هويته الثقافية  والروحية حتى في أصعب الظروف.

DW المصدر: DW
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار