من الحظر الكامل إلى تحديد ساعات الاستخدام، ومن التحقق من العمر إلى غرامات بمليارات الدولارات، تتسع دائرة القيود المفروضة على استخدام الأطفال والفتيان لوسائل التواصل الاجتماعي في أنحاء العالم، وسط ضغوط متزايدة على شركات التكنولوجيا لتحمل مسؤولية أكبر عن الأضرار المرتبطة بمنصاتها.
ففي الولايات المتحدة، دفعت هذه الضغوط شركة ميتا إلى تسوية تتجاوز قيمتها الإجمالية 18 مليار دولار، تتضمن إلى جانب المدفوعات المالية تغييرات واسعة على حسابات الفتيان في فيسبوك وإنستغرام.
لكن التحول لا يقتصر على الولايات المتحدة، إذ تتسع عالميا موجة فرض الحظر والقيود على استخدام صغار السن لمواقع التواصل.
فمن أستراليا وماليزيا إلى تركيا وبريطانيا وفرنسا، أقرت حكومات أو اقترحت قيودا متفاوتة، في وقت تكشف بعض التجارب عن صعوبات في التطبيق والحد من الالتفاف عليها.
وبينما تتسع هذه الموجة، تسلط تقارير أمريكية الضوء على ثلاثة أبعاد رئيسية: كيف انتقلت حماية الأطفال من المطالبات الطوعية إلى القوانين والحظر والغرامات؟ وما القيود التي ستغيّر فعليا تجربة الفتيان على المنصات؟ وإلى أي مدى تستطيع الحكومات والشركات تطبيقها ومنع الالتفاف عليها؟
وبدأت هذه الضغوط تتحول إلى التزامات مباشرة على شركات التكنولوجيا، إذ توصلت شركة ميتا إلى تسوية تاريخية مع مدّعين عامّين في أنحاء الولايات المتحدة، ستدفع بموجبها أكثر من 18 مليار دولار للولايات، إلى جانب إجراء تغييرات على فيسبوك وإنستغرام لتعزيز حماية الأطفال والفتيان، وفق موقع "ذا هيل".
وتنهي التسوية فعليا محاكمة في ولاية كاليفورنيا، دارت بشأن اتهامات بأن الشركة الأم لفيسبوك وإنستغرام تعمدت تصميم منصاتها بما يدفع المستخدمين القاصرين إلى إدمانها، إلى جانب تضليل الجمهور بشأن المخاطر المرتبطة بتطبيقاتها.
وكانت الدعوى قد رُفعت في عام 2023 من جانب مجموعة تضم مدّعين عامّين في 29 ولاية، قبل أن تتسع التسوية لتشمل 47 ولاية و3 أقاليم أمريكية ومقاطعة كولومبيا، بعدما قالت ميتا إنها تواصلت مع "كل ولاية تقريبا" للتعاون على وضع إطار لحماية صغار السن.
وبموجب الاتفاق، ستدفع ميتا ما يصل إلى 17 مليار دولار موزعة على الولايات على مدى العقد المقبل، لتوجيهها إلى جهود الوقاية من الأضرار المرتبطة باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي أو الحد منها، بما في ذلك الأضرار المتعلقة بالصحة النفسية. وبشكل منفصل، ستدفع الشركة أكثر من مليار دولار لولاية تكساس على خلفية اتهامات مماثلة.
وجاءت التسوية بعد أشهر فقط من خسارة ميتا محاكمتين أخريين تتعلقان بسلامة الأطفال على الإنترنت، ويقول الموقع إن الحكمين المتتاليين شكّلا إنذارا لشركات التكنولوجيا الكبرى، إذ كانت تلك المرة الأولى التي تحمل فيها هيئات محلفين منصات التواصل المسؤولية عن تأثيرها في الأطفال والفتيان.
ومنذ صدور تلك الأحكام، اتجهت شركات عدة إلى تسوية قضايا مماثلة قبل وصولها إلى المحاكمة. فقبل أسابيع من محاكمة كانت مقررة في يونيو/حزيران الماضي، توصلت ميتا ويوتيوب و تيك توك وسناب شات إلى تسوية في دعوى اتهمتها بتعمد تصميم منصاتها لإبقاء الأطفال منخرطين فيها، مما يؤدي إلى مشكلات تتعلق بالصحة النفسية.
ورغم أن هذه المدفوعات تمثل جزءا صغيرا من إيرادات ميتا البالغة 201 مليار دولار العام الماضي، فإن الأثر الأبرز للتسوية يكمن في التغييرات التي ستشمل تجربة صغار السن على منصاتها.
وعند إعلان التسوية، دعت الشركة يوتيوب وتيك توك إلى الانضمام إليها في تبني ما وصفته بـ"معيار جديد" لسلامة الأطفال على الإنترنت.
وإلى جانب التكلفة المالية للتسوية، ستنعكس بنودها مباشرة على تجربة الفتيان في فيسبوك وإنستغرام، إذ ستطبق ميتا خلال الأشهر الستة المقبلة القيود التالية تلقائيا على حسابات المستخدمين بين 13 و17 عاما، حسب ما نقلت صحيفة "وول ستريت جورنال".
لكن بعض هذه الإجراءات يثير تساؤلات بشأن مدى فاعليتها، إذ يرى جوش غولين -المدير التنفيذي لمنظمة "فيربلاي" المعنية بسلامة الأطفال- أن إتاحة المجال أمام صغار السن لطلب تخفيف القيود من والديهم قد تخلق صراعا بين الطرفين.
كما تلفت كاثرينا كوب -نائبة مدير مركز الديمقراطية الرقمية- إلى محدودية الاعتماد على الرقابة الأبوية، إذ تتطلب وجود بالغ لديه الوقت والمعرفة التقنية وهاتف ذكي وحساب على المنصة، ويتقن اللغة التي تتوفر بها أدوات الرقابة، فضلا عن تمتعه بعلاقة مستقرة مع الطفل.
ومع انتقال هذه الموجة من دولة إلى أخرى، واجهت ميتا وغيرها من عمالقة التكنولوجيا خلال العام الماضي سلسلة من إجراءات الحظر والقيود الرامية إلى حماية صغار السن من الأضرار المحتملة لوسائل التواصل، لكن تطبيقها اصطدم بعقبات وانتكاسات، وفق صحيفة نيويورك تايمز.
وتكشف تجارب دول عدة تفاوت هذه الإجراءات، وكذلك التحديات التي تواجه تطبيقها، من بينها التالي:
دخل أول حظر في العالم على استخدام صغار السن لوسائل التواصل الاجتماعي حيز التنفيذ في أستراليا في ديسمبر/كانون الأول الماضي، ضمن إجراءات واسعة لحماية الأطفال من أضرارها المحتملة، إذ مُنع من هم دون 16 عاما من استخدام منصات بينها فيسبوك وإنستغرام وتيك توك ويوتيوب وإكس وسناب شات.
لكن الفتيان سرعان ما وجدوا طرقا للالتفاف عليه، إذ أظهرت استطلاعات بحلول الربيع أن نحو 70% من آباء الأطفال دون 16 عاما الذين كانت لديهم حسابات قبل الحظر قالوا إن أبناءهم لا يزالون قادرين على الوصول إلى إحدى الخدمات المشمولة بالقيود.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة