تواصل شركة روبلوكس توسيع حضورها في مجال الذكاء الاصطناعي، لكن هذه المرة بخطوة تستهدف تغيير الطريقة التي تصنع بها الألعاب، فقد أعلنت الشركة إطلاق أداة جديدة تحمل اسم "بيلد" (Build)، تتيح للمستخدمين إنشاء ألعاب وتجارب تفاعلية مباشرة من هواتفهم الذكية بالاعتماد على الذكاء الاصطناعي، دون الحاجة إلى تعلم البرمجة أو استخدام برنامج "روبلوكس ستوديو" (Roblox Studio) المخصص لتطوير الألعاب على الحواسيب.
وتعكس هذه الخطوة توجها متناميا داخل قطاع الألعاب نحو ما يعرف بـ "البرمجة بالوصف"، حيث يكتفي المستخدم بكتابة وصف لفكرته بلغة طبيعية، بينما يتولى الذكاء الاصطناعي تنفيذ الجوانب التقنية وتحويلها إلى تجربة قابلة للعب.
وبحسب ما أعلنته روبلوكس في مدونتها الرسمية، تعتمد أداة "بيلد" على واجهة محادثة بسيطة تشبه تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي، إذ يستطيع المستخدم كتابة وصف مثل: "أنشئ لعبة مغامرات داخل جزيرة مليئة بالألغاز والكنوز"، ليبدأ النظام تلقائيا في إنشاء نموذج أولي للعبة.
ولا يقتصر دور الأداة على إنشاء البيئة ثلاثية الأبعاد، بل يشمل أيضا بناء الشخصيات، وإضافة العناصر التفاعلية، ووضع القواعد الأساسية للعبة، وإدراج المؤثرات الصوتية والبصرية الأولية، ما يمنح المستخدم تجربة يمكن اختبارها وتعديلها خلال دقائق.
وأوضحت الشركة أن الهدف من الأداة ليس استبدال المطورين المحترفين، وإنما خفض الحواجز التقنية أمام ملايين المستخدمين الذين يمتلكون أفكارا إبداعية لكنهم يفتقرون إلى مهارات البرمجة.
ظل تطوير ألعاب روبلوكس طوال السنوات الماضية يعتمد بصورة رئيسية على برنامج "روبلوكس ستوديو" الذي يعمل على أجهزة الحاسوب، وهو ما كان يفرض على المبتدئين تعلم أدوات تصميم متعددة قبل إنتاج أول لعبة لهم.
أما مع "بيلد"، فتسعى الشركة إلى جعل الهاتف الذكي منصة تطوير متكاملة، بحيث يصبح بالإمكان إنشاء الألعاب وتعديلها ومشاركتها مباشرة من التطبيق.
ويرى مراقبون أن هذه الخطوة قد توسع قاعدة صناع المحتوى داخل المنصة، خاصة أن غالبية مستخدمي روبلوكس يعتمدون على الهواتف الذكية في الوصول إلى الخدمة، لا سيما في الأسواق الناشئة.
فبدلا من كتابة الأكواد البرمجية أو تصميم المجسمات يدويا، يستطيع المستخدم وصف البيئة المطلوبة، بينما يقوم الذكاء الاصطناعي بإنشاء التضاريس، وترتيب العناصر، وربطها بقواعد لعب أولية قابلة للتعديل لاحقا.
وبحسب موقع "ذا فيرج" الأمريكي، فإن الشركة تصف هذه التجربة بأنها انتقال من مرحلة "إنشاء اللعبة يدويا" إلى مرحلة "التعاون مع الذكاء الاصطناعي"، بحيث يصبح المستخدم مخرجا للأفكار أكثر منه منفذا للتفاصيل التقنية.
لا تقتصر إستراتيجية روبلوكس على أداة "بيلد" وحدها، بل أعلنت الشركة أيضا تطوير مجموعة من وكلاء الذكاء الاصطناعي لمساندة المطورين في مختلف مراحل الإنتاج.
ومن بين هذه الأدوات وكيل لاختبار الألعاب تلقائيا واكتشاف الأخطاء قبل النشر، وآخر لتحليل أداء اللعبة وسلوك اللاعبين، إضافة إلى مساعد يقدم اقتراحات لتحسين تجربة المستخدم وزيادة معدلات الاحتفاظ باللاعبين.
وتأتي هذه الأدوات ضمن رؤية أوسع لتحويل الذكاء الاصطناعي إلى شريك دائم في دورة تطوير الألعاب، بدءا من الفكرة وحتى الإطلاق والتحسين المستمر.
وأعلنت روبلوكس أن أداة "بيلد" ستدخل مرحلة "ألفا العامة" (Public Alpha) اعتبارا من 28 يوليو/تموز الحالي، على أن يبدأ الإطلاق في نيوزيلندا قبل التوسع تدريجيا إلى أسواق أخرى.
وسيتمكن من استخدامها المستخدمون الذين تبلغ أعمارهم 9 سنوات فأكثر بعد التحقق من العمر، بينما سيقتصر نشر الألعاب للعامة على الحسابات التي تعود لمستخدمين يبلغون 16 عاما أو أكثر.
وتعكس هذه القيود اهتمام الشركة بالحد من إساءة استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، خاصة في ظل اعتماد المنصة بشكل كبير على الأطفال والمراهقين.
ويأتي إطلاق "بيلد" في وقت تتسابق فيه شركات التكنولوجيا على دمج الذكاء الاصطناعي في أدوات البرمجة والإنتاج الرقمي.
فقد أطلقت شركات مثل مايكروسوفت وغوغل وأوبن إيه آي أدوات تساعد على كتابة الأكواد وإنشاء التطبيقات بالاعتماد على اللغة الطبيعية، بينما تتجه شركات الألعاب إلى توظيف التقنيات نفسها لتقليص الزمن اللازم لإنتاج الألعاب.
لكن روبلوكس تتميز بتركيزها على المستخدم العادي، وليس المطور المحترف فقط، وهو ما قد يمنحها أفضلية في سوق تضم عشرات الملايين من صناع المحتوى الشباب.
قد تفتح "بيلد" الباب أمام جيل جديد من مطوري الألعاب الذين لم يسبق لهم تعلم البرمجة، إذ يصبح التركيز منصبا على الفكرة والإبداع بدلا من الجوانب التقنية.
ويرى محللون أن هذا التحول قد يؤدي إلى زيادة كبيرة في عدد الألعاب المنشورة على المنصة، كما قد يخلق فرصا اقتصادية جديدة للمستخدمين، خاصة أن روبلوكس تتيح للمطورين تحقيق دخل من الألعاب الناجحة عبر نظامها الاقتصادي الداخلي.
وفي المقابل، يثير الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي تساؤلات حول جودة المحتوى، واحتمال تشابه الألعاب المنتجة، وحقوق الملكية الفكرية للعناصر التي ينشئها الذكاء الاصطناعي، وهي قضايا ما تزال محل نقاش واسع داخل صناعة التقنية.
يمثل إطلاق "بيلد" خطوة جديدة في مسار تحويل الذكاء الاصطناعي من أداة مساعدة إلى شريك إنتاج متكامل، فبدلا من أن يقتصر دوره على تسريع كتابة الأكواد، أصبح قادرا على المشاركة في تصميم العوالم، وبناء الشخصيات، وصياغة قواعد اللعب، واختبار التجربة وتحسينها.
وإذا نجحت روبلوكس في تعميم هذه التجربة عالميا، فقد يصبح إنشاء لعبة رقمية متكاملة أمرا لا يتطلب أكثر من هاتف ذكي وفكرة مبتكرة، وهو تحول قد يعيد رسم ملامح صناعة الألعاب، ويمنح ملايين المستخدمين فرصة الانتقال من استهلاك المحتوى إلى صناعته.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة