لا يصل آندي بورنهام إلى رئاسة الحكومة البريطانية محاطا بهالة الزعماء الشعبويين، ولا باعتباره سياسيا صنع مجده عبر الخطابات الصاخبة. فالرجل القادم من رئاسة بلدية مانشستر الكبرى بنى مكانته على الإدارة الهادئة، والاقتراب من هموم الناس، والبحث عن حلول عملية أكثر من صناعة المواجهات السياسية. واليوم، يجد نفسه أمام اختبار مختلف تماما، حيث لا تقاس كفاءة رئيس الوزراء بما ينجزه محليا، بل بقدرته على إدارة دولة تواجه تحديات داخلية وخارجية متشابكة.
ينتمي بورنهام إلى المدرسة العمالية التقليدية التي تؤمن بدور الدولة في حماية الخدمات العامة، لكنها لا تميل إلى المغامرات الاقتصادية أو الصدامات الأيديولوجية. ويصفه مقربون بأنه سياسي يفضل التوافق على الاستقطاب، والإصلاح التدريجي على القرارات الصادمة.
هذه البراغماتية قد تمنحه مرونة في إدارة الحكومة، لكنها قد تتحول إلى نقطة ضعف إذا واجه أزمات تتطلب قرارات سريعة وحاسمة، في وقت أصبح فيه المزاج السياسي البريطاني أقل صبرا وأكثر ميلا إلى محاسبة الحكومات.
سيكون الاقتصاد أول امتحان حقيقي لرئيس الوزراء الجديد. فتباطؤ النمو، وارتفاع تكاليف المعيشة، والضغوط على الخدمات العامة، كلها ملفات تنتظر حلولا سريعة. ولن يكون أمام بورنهام ترف إطلاق الوعود، إذ يدرك أن الناخب البريطاني يقيس نجاح الحكومات بما ينعكس على حياته اليومية، لا بما يقال في المؤتمرات الصحفية.
ولهذا سيحاول تحقيق توازن دقيق بين تحسين الإنفاق على الخدمات العامة والحفاظ على الانضباط المالي، وهي معادلة لطالما شكلت تحديا لحكومات حزب العمال.
لا يوجد ملف يختبر أي حكومة بريطانية اليوم مثل الهجرة فالقضية لم تعد مرتبطة فقط بضبط الحدود، بل أصبحت عنوانا للنقاش السياسي وصعود اليمين الشعبوي.
ومن المرجح أن يتبنى بورنهام سياسة تجمع بين تشديد الرقابة على الحدود، وتسريع إجراءات اللجوء، وملاحقة شبكات تهريب البشر، مع تجنب الخطاب المتشدد الذي يخلط بين الهجرة النظامية وغير النظامية.
ينتمي بورنهام إلى المدرسة العمالية التقليدية التي تؤمن بدور الدولة في حماية الخدمات العامةصورة من: Victoria Jones/Shutterstock/PA ROTA/Avalon/IMAGO
في السياسة الخارجية، لا يتوقع أن يحدث بورنهام تحولا جذريا في نهج بريطانيا تجاه الشرق الأوسط. فالعلاقات مع دول الخليج ستبقى ركيزة أساسية، بحكم المصالح الاقتصادية والاستثمارات والتعاون الأمني، بينما ستواصل لندن اهتمامها بأمن الملاحة ومكافحة الإرهاب.
أما الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، فسيضعه أمام معادلة معقدة. فمن جهة، تتمسك بريطانيا بعلاقاتها التقليدية مع إسرائيل، ومن جهة أخرى يواجه حزب العمال ضغوطا داخلية لاتخاذ موقف أكثر توازنا تجاه الفلسطينيين. لذلك يرجح أن يواصل الدعوة إلى وقف التصعيد، وزيادة المساعدات الإنسانية، وإحياء مسار حل الدولتين، من دون الخروج عن الإطار التقليدي للسياسة البريطانية.
من المتوقع أن ينظر بورنهام إلى العالم العربي بوصفه شريكا اقتصاديا واستراتيجيا أكثر منه ساحة أزمات. وستسعى حكومته إلى تعزيز التعاون مع الدول العربية في مجالات الاستثمار والطاقة والتكنولوجيا، إلى جانب استمرار التنسيق الأمني في ملفات الإرهاب والهجرة.
وفي النهاية، لا يدخل آندي بورنهام داونينغ ستريت بوصفه زعيما يسعى إلى تغيير وجه بريطانيا، بل باعتباره رجل إدارة يحاول إعادة الاستقرار إلى دولة أنهكتها الأزمات. غير أن التاريخ البريطاني يثبت أن الاستقرار لا يصنعه الهدوء وحده، بل القدرة على اتخاذ القرار في اللحظة المناسبة. وهذا هو الامتحان الحقيقي الذي ينتظر رئيس الوزراء الجديد في السنوات المقبلة.
تحرير: عبده جميل المخلافي
المصدر:
DW