قبل أقل من ربع قرن، كانت كاميرا الهاتف الذكي مجرد إضافة بسيطة تلتقط صورا متواضعة الجودة لا يمكن مقارنتها بالكاميرات الرقمية. أما اليوم، فقد أصبحت الهواتف الذكية قادرة على إنتاج صور وفيديوهات تنافس في كثير من الظروف كاميرات احترافية يفوق حجم مستشعراتها عشرات المرات.
هذا التحول لم يكن نتيجة زيادة عدد العدسات أو رفع دقة المستشعرات فحسب، بل جاء نتيجة ثورة تقنية تُعرف باسم التصوير الحسابي (Computational Photography)، حيث أصبحت الخوارزميات والذكاء الاصطناعي جزءا أساسيا من عملية التقاط الصورة.
اعتمدت الهواتف الأولى المزودة بكاميرا على عدسة واحدة ومستشعر صغير للغاية، وكانت جودة الصور تتأثر بشدة بالإضاءة المحدودة وصغر حجم البكسلات. ومع تطور الهواتف الذكية، بدأت الشركات بإضافة عدسات متعددة تشمل العدسة الواسعة (Wide)، والعدسة فائقة الاتساع (Ultra-Wide)، وعدسات التقريب البصري (Telephoto)، إضافة إلى مستشعرات العمق والماكرو.
في الكاميرات الاحترافية، يعتمد تحسين الصورة غالبا على مستشعرات كبيرة وعدسات عالية الجودة تسمح بجمع كمية أكبر من الضوء. أما الهواتف الذكية، فتعتمد على معالجة الصورة بعد التقاطها.
وتوضح شركة كوالكوم (Qualcomm) الأمريكية أن معالج إشارة الصور (Image Signal Processor – ISP) يمثل "العقل" الحقيقي للكاميرا، إذ يحول البيانات الخام القادمة من المستشعر إلى صورة نهائية عبر تنفيذ عشرات العمليات في أجزاء من الثانية، مثل تصحيح الألوان، وتقليل الضوضاء، وضبط التعريض، وتحسين التركيز التلقائي.
كما تؤكد الشركة أن تطور معالجات سبيكترا آي إس بي (Spectra ISP) أسهم في وصول الهواتف إلى تصوير بدقة تصل إلى 200 ميغابكسل وتسجيل فيديو بدقة 8 كيه، مع تحسينات كبيرة في التصوير الليلي.
يشير الباحثان ماوريسيو ديلبراسيو وبيمان ميلانفار وزملاؤهما في ورقة بحثية نُشرت عام 2021 بعنوان التصوير الحسابي المحمول: جولة (Mobile Computational Photography: A Tour) إلى أن الهواتف الذكية تحولت من مجرد أجهزة اتصال إلى منصات تصوير متكاملة بفضل التقدم في الخوارزميات والتعلم الآلي، وأن جودة الصور الحديثة أصبحت تعتمد بدرجة كبيرة على البرمجيات وليس العتاد فقط.
ويعتمد التصوير الحسابي على فكرة بسيطة ظاهريا لكنها معقدة تقنيا، فبدلا من التقاط صورة واحدة، يلتقط الهاتف عدة صور خلال أجزاء من الثانية بتعريضات وإعدادات مختلفة، ثم يستخدم الذكاء الاصطناعي لدمجها في صورة واحدة أكثر وضوحا وتوازنا.
كان تطوير تقنية "إتش دي آر+" (+HDR) من قبل باحثي غوغل أحد أهم التحولات في تصوير الهواتف الذكية. ففي ورقة علمية نُشرت خلال مؤتمر سيغراف آسيا (SIGGRAPH Asia) نهاية عام 2025 في هونغ كونغ، أوضح الباحثون أن الهواتف تلتقط سلسلة من الصور المتتابعة ذات التعريض نفسه ثم تدمجها بعد محاذاتها بدقة، ما يؤدي إلى تقليل التشويش وزيادة النطاق الديناميكي دون الحاجة إلى تعريضات طويلة تسبب اهتزاز الصورة. وبالتالي أصبحت هذه الفكرة أساسا لمعظم أوضاع التصوير الليلي الحديثة.
كان التصوير في الإضاءة المنخفضة يمثل التحدي الأكبر أمام الهواتف الذكية، لكن بفضل التصوير متعدد الإطارات (Multi-frame Photography)، أصبح الهاتف يلتقط عدة صور متتابعة ثم يدمجها معا، مع تعويض اهتزاز اليد وإزالة الضوضاء رقميا.
كما أن أوضاع التصوير الليلي تعتمد أساسا على دمج عدة صور طويلة التعريض، ثم تستخدم الخوارزميات لتعويض الحركة والمحافظة على التفاصيل، وهو ما يفسر قدرة الهواتف الحديثة على إنتاج صور ليلية كانت قبل سنوات حكرا على الكاميرات الاحترافية.
لم يعد دور الذكاء الاصطناعي يقتصر على إزالة التشويش، بل أصبح يفهم محتوى الصورة نفسها. فالهاتف يستطيع اليوم التعرف على الوجوه، والسماء، والنباتات، والطعام، والمباني، ثم يطبق معالجة مختلفة لكل عنصر داخل الصورة.
كما أن معالجات الصور الحديثة أصبحت قادرة على فهم المشهد لحظيا وتطبيق تحسينات مخصصة لكل جزء منه، وهو ما يجعل الصورة النهائية أكثر واقعية وجودة. إضافة لذلك، تستفيد هذه الأنظمة من الشبكات العصبية لتحديد أفضل درجة ألوان، وأفضل توازن أبيض، وأفضل مستوى حدة لكل لقطة.
قدمت آبل مفهوما مختلفا مع تقنية ديب فيوجن (Deep Fusion)، التي تعتمد على التقاط عدة صور قبل الضغط على زر الالتقاط وبعده، ثم يقوم المحرك العصبي (Neural Engine) بتحليل ملايين البكسلات ودمج أفضل التفاصيل في صورة واحدة.
ووفقا لما أعلنته الشركة خلال إطلاق هواتف آيفون الحديثة، فإن ديب فيوجن تعالج الصور غير المضغوطة في مرحلة مبكرة من خط المعالجة، مما يسمح بالحفاظ على تفاصيل أكثر وألوان أدق، خاصة في ظروف الإضاءة المتوسطة والمنخفضة.
أصبحت الهواتف اليوم تحمل مستشعرات بدقة 50 و108 و200 ميغابكسل، لكن معظم الصور لا تُحفظ بهذه الدقة. ويرجع ذلك إلى تقنية بكسل بينينغ (Pixel Binning) التي تدمج عدة بكسلات صغيرة في بكسل واحد أكبر، ما يزيد كمية الضوء التي يستقبلها المستشعر ويحسن الأداء في الإضاءة الضعيفة، مع تقليل التشويش وتحسين النطاق الديناميكي.
ولهذا السبب، فإن جودة الصورة تعتمد على طريقة معالجة البيانات أكثر من اعتمادها على عدد الميغابكسلات وحده.
شهد العقد الماضي سباقا محموما في عدد العدسات ودقة المستشعرات، لكن المنافسة اليوم انتقلت إلى البرمجيات. فأصبحت شركات مثل غوغل وآبل وسامسونغ وشاومي تستثمر بكثافة في تطوير خوارزميات الذكاء الاصطناعي أكثر من التركيز على زيادة عدد العدسات فقط.
ولهذا قد تنتج هواتف مختلفة صورا متباينة رغم استخدام المستشعر نفسه، لأن الاختلاف الحقيقي يكمن في خوارزميات المعالجة.
تشير أحدث الأبحاث إلى أن مستقبل التصوير الحسابي يتجه نحو استخدام نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي والشبكات العصبية المتقدمة لإعادة بناء التفاصيل وتحسين العمق والإضاءة بصورة أكثر دقة، مع الاعتماد على البيانات الخام القادمة من المستشعر بدلا من الصور المعالجة تقليديا.
كما يعمل الباحثون على تطوير تقنيات إتش دي آر أكثر ذكاء تقلل التشوهات وتزيد النطاق الديناميكي مع الحفاظ على واقعية المشهد.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة