يستغل صناع المحتوى على الإنترنت موجة غير مسبوقة من المعلومات المضللة المُولّدة بالذكاء الاصطناعي حول الحرب الإيرانية لتحقيق أرباح، مستفيدين من تزايد الوصول إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي، وفقًا لما قاله خبراء لخدمة التحقق "بي بي سي فيريفي"، التابعة لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي).
وقد كشف تحليل لـ"بي بي سي فيريفي" عن أمثلة عديدة لمقاطع فيديو مُولدة بالذكاء الاصطناعي وصور أقمار صناعية مُفبركة تُستخدم لنشر ادعاءات كاذبة ومضللة حول الصراع، والتي حصدت مجتمعةً مئات الملايين من المشاهدات على الإنترنت.
وقال تيموثي غراهام، خبير الإعلام الرقمي في جامعة كوينزلاند للتكنولوجيا: "إن حجم الظاهرة مثير للقلق حقًا، وقد جعلت هذه الحرب من المستحيل تجاهل الأمر الآن"، بحسب تقرير لـ"بي بي سي"، اطلعت عليه "العربية Business".
وأضاف: "ما كان يتطلب في السابق إنتاج فيديو احترافيًا يمكن إنجازه الآن في دقائق باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي. لقد انهار عمليًا الحاجز الذي كان يعيق إنتاج لقطات مصطنعة مقنعة للصراع".
بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل شن ضربات على إيران في 28 فبراير، وردت طهران بشن هجمات بطائرات مسيرة وصواريخ على إسرائيل، بالإضافة إلى عدد من دول الخليج ومواقع عسكرية أميركية في المنطقة.
وقد لجأ كثيرون إلى وسائل التواصل الاجتماعي للبحث عن أحدث المعلومات ومشاركتها، وكذلك لمحاولة فهم أسبوع سريع التطور من الصراع.
وأعلنت منصة إكس هذا الأسبوع أنها ستعلق مؤقتًا صُنّاع المحتوى من برنامج تحقيق الدخل الخاص بها إذا نشروا مقاطع فيديو مُولدة بالذكاء الاصطناعي عن صراعات مسلحة دون وضع علامة توضح أنها مولدة بالذكاء الاصطناعي.
ويكافئ هذا البرنامج المستخدمين المؤهلين الذين تحظى منشوراتهم بعدد كبير من المشاهدات والإعجابات والمشاركات والتعليقات، بمدفوعات من المنصة.
قالت مهسا عليمرداني، الباحثة المتخصصة في الشأن الإيراني بمعهد أكسفورد للإنترنت: "إنها إشارة ملحوظة على أنهم أدركوا أن هذه مشكلة كبيرة".
يُظهر مثال نموذجي لفيديو مُولّد بالذكاء الاصطناعي، رصدته "بي بي سي فيريفي" صواريخ تضرب مدينة تل أبيب في إسرائيل، مصحوبة بأصوات انفجارات في الخلفية.
وقد ظهر هذا الفيديو في أكثر من 300 منشور، جرى بعد ذلك مشاركتها عشرات الآلاف من المرات عبر منصات التواصل الاجتماعي.
ولجأ بعض مستخدمي منصة إكس إلى روبوت الدردشة "غروك" للتحقق من صحة الفيديو. لكن في كثير من الحالات التي رصدها فريق " بي بي سي فيريفي" أصر "غروك" بشكل خاطئ على أن الفيديو المُولَّد بالذكاء الاصطناعي حقيقي.
ويزعم مقطع فيديو مزيف آخر، شوهد عشرات ملايين المرات، أنه يُظهر برج خليفة في دبي وهو يشتعل، بينما يبدو حشد من الناس وكأنهم يركضون نحوه.
انتشرت هذه اللقطات المُولدة بالذكاء الاصطناعي على نطاق واسع عبر الإنترنت في وقتٍ يسوده قلق بالغ بين السكان والسياح إزاء هجمات الطائرات المسيرة والصواريخ على المدينة.
وقالت عليمرداني: "لفيديوهات كهذه تأثير سلبي على ثقة الناس بالمعلومات الموثوقة التي يرونها على الإنترنت، وتجعل توثيق الأدلة الحقيقية أكثر صعوبة".
ومن السمات الجديدة لهذا النزاع، التي حللتها "بي بي سي فيريفي"، ظهور صور الأقمار الصناعية المُولدة بالذكاء الاصطناعي.
وتحقق فريق الخدمة من عدة مقاطع فيديو حقيقية تُظهر غارات جوية إيرانية بطائرات مسيرة وصواريخ على مقر قيادة الأسطول الخامس التابع للبحرية الأميركية في البحرين في اليوم الأول من النزاع.
وفي اليوم التالي، انتشرت صورة مفبركة، نشرتها صحيفة "طهران تايمز" الموالية للدولة على منصة إكس، زاعمةً أنها تُظهر أضرارًا جسيمة لحقت بقاعدة أميركية.
ويبدو أن الصورة المزيفة استندت إلى صورة حقيقية التقطها قمر صناعي لقاعدة بحرية أميركية في البحرين في فبراير 2025، وهي متاحة علنًا على الإنترنت.
وبحسب أداة كشف العلامة المائية "SynthID" التابعة لشركة غوغل، فقد جرى إنشاء الصورة المزيفة أو تعديلها باستخدام إحدى أدوات الذكاء الاصطناعي الخاصة بغوغل.
كما أن ثلاث مركبات متوقفة خارج الموقع تظهر في المكان نفسه تمامًا في كل من صورة القمر الصناعي الأصلية والصورة المُولدة بالذكاء الاصطناعي، رغم أن الصورتين يُفترض أنهما التُقطتا بفاصل عام كامل.
تُعد أدوات الذكاء الاصطناعي من غوغل، بما في ذلك مولّد الفيديو "Veo"، من بين القائمة المتزايدة للمنصات الشهيرة للذكاء الاصطناعي، مثل نموذج "سورا" التابع لشركة أوبن إيه آي، وتطبيق الذكاء الاصطناعي الصيني "Seedance"، و"غروك" المدمج في منصة إكس.
وقال هنري أجدر، خبير الذكاء الاصطناعي التوليدي إن "عدد الأدوات المتاحة حاليًا لإنشاء مجموعة واسعة من التلاعبات الواقعية للغاية بالذكاء الاصطناعي غير مسبوق".
وأضاف: "لم نرَ هذه الأدوات متاحة بهذا الشكل من قبل، سهلة الاستخدام وبتكلفة منخفضة إلى هذا الحد".
وأدى ذلك إلى طفرة في المحتوى المُولد بالذكاء الاصطناعي على الإنترنت، "لأن عملية نشره على وسائل التواصل الاجتماعي يمكن الآن أن تصبح شبه مؤتمتة بالكامل"، حسب قول فيكتوار ريو، المديرة التنفيذية لمنظمة "What To Fix" غير الربحية المعنية بسياسات التكنولوجيا.
قال خبراء لـ "بي بي سي فيريفي" إنه على الرغم من أن العديد من شركات التواصل الاجتماعي تدعي أنها تحاول تغيير أنظمة الإشراف والكشف لديها لمعالجة حجم وسرعة انتشار المحتوى المُولد بالذكاء الاصطناعي، فلا يوجد حل بسيط لهذه المشكلة.
وأشار غراهام إلى أن "المشكلة الأعمق هي أن تحقيق الربح القائم على التفاعل والمعلومات الدقيقة يتعارضان جوهريًا، ولم تتمكن أي منصة من حل هذا التعارض بالكامل، وربما لن تتمكن من ذلك أبدًا".
المصدر:
العربيّة