أفادت مصادر مطلعة بأن رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، جياني إنفانتينو، يدرس مشروعاً يتيح بيع حصص في بطولات كأس العالم لمستثمرين من القطاع الخاص، في خطوة قد تعيد تشكيل النموذج الاقتصادي للعبة الأكثر شعبية في العالم، وتثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل إدارة كرة القدم العالمية.
وبحسب ما نقلته صحيفة The Times البريطانية، فإن الخطة، ، التي أدانها رئيس الوزراء البريطاني آندي بورنهام مساء الثلاثاء، تقوم على إنشاء شركة جديدة تتولى إدارة أبرز بطولات فيفا، بما في ذلك كأس العالم للرجال وكأس العالم للسيدات وكأس العالم للأندية، مع فتح الباب أمام مستثمرين خارجيين لشراء حصص فيها مقابل مليارات الدولارات.
ويرى منتقدون أن هذه الخطوة قد تمهد لمزيد من التوسع التجاري للبطولات، سواء عبر زيادة عدد المنتخبات المشاركة أو تنظيم المنافسات بوتيرة أعلى من النظام الحالي القائم على إقامة كأس العالم كل أربع سنوات.
بحسب الصحيفة البريطانية، فقد كشفت المصادر أن شخصيات مقربة من إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب جرى التشاور معها بشأن المشروع.
وأكدت الـ "فيفا" أن شركة "ثرايف كابيتال - Thrive Capital"، التابعة للمستثمر الأميركي جوشوا كوشنر، مرشحة لقيادة تحالف المستثمرين المحتملين، فيما يتولى بنك جي بي مورغان دور المستشار المالي للمشروع.
وجوشوا كوشنر، البالغ من العمر 41 عاماً، هو الشقيق الأصغر لجاريد كوشنر، صهر الرئيس الأميركي، إلا أن "فيفا" شدد على أن جاريد ليس من بين المستثمرين المشاركين في الخطة.
وتنص الرؤية المطروحة على منح كل واحد من الاتحادات الأعضاء البالغ عددها 211 اتحاداً حصة في الشركة الجديدة، قد تصل قيمتها إلى نحو 20 مليون دولار لكل اتحاد، مع إمكانية الاحتفاظ بها أو بيعها لتوفير موارد مالية إضافية.
وبحسب المصادر، فإن إنفانتينو، البالغ من العمر 56 عاماً، قد يتولى في المستقبل منصب مفوض أو رئيس تنفيذي للشركة الجديدة بعد انتهاء ولايته الرئاسية الأخيرة المتوقعة في عام 2031، وهو ما قد يفتح أمامه باباً لتحقيق عوائد مالية ضخمة.
وفي بيان رسمي، أكد الاتحاد الدولي أنه يدرس مقترحات جديدة تهدف إلى تعزيز تطوير كرة القدم عالمياً.
وقال "فيفا": "نحن نبحث دائماً عن مشروعات مبتكرة يمكن أن تدعم نمو اللعبة حول العالم، وبدأنا بالفعل عملية مشاورات في هذا الشأن".
وأضاف أن الأولوية بعد كأس العالم 2026 تتمثل في "تحرير الإمكانات والفرص التجارية التي يمتلكها فيفا"، مشيراً إلى أن أي مقترح سيُعرض على الاتحادات الأعضاء ومجلس فيفا، اللذين يملكان وحدهما سلطة اتخاذ القرار النهائي.
وأثارت الأنباء ردود فعل غاضبة داخل الأوساط السياسية والرياضية الأوروبية.
فقد اعتبر رئيس الوزراء البريطاني آندي بورنهام أن كرة القدم "لا تنتمي للمستثمرين بل للجماهير"، مضيفاً أن كأس العالم "ليس منتجاً تجارياً يمكن بيعه"، وأن أي عملية بيع جزئي للبطولة تمثل تخلياً عن جوهر اللعبة.
وقال بيرنام :"دعوني أقول هذا بوضوح تام. كرة القدم لا يملكها المستثمرون، بل يملكها الأشخاص الذين يملؤون المدرجات ويقفون على خطوط التماس أسبوعا بعد أسبوع، في المطر أو تحت أشعة الشمس".
وأضاف :"كأس العالم ليس منتجا تجاريا، بل هو أعظم بطولة في الرياضة العالمية، ولم يكن يوما ملكا لأحد حتى يبيعه. يمكنكم تجميل الصفقة كما تشاؤون، لكن بمجرد بيع جزء منها، تكونون قد بعتم اللعبة".
وتابع :" كرة القدم ملك للجماهير، وكانت دائما كذلك، وستظل كذلك دائما".
كما أبدى بلاتر، الذي ترأس فيفا حتى عام 2015 قبل أن يخلفه جياني إنفانتينو في 2016، معارضته للخطة.
وهاجم الرئيس السابق لـ"فيفا" سيب بلاتر المشروع، معتبراً أن العلاقة الوثيقة بين قيادة الاتحاد الدولي وبعض الدوائر السياسية الأميركية "وصلت إلى أبعاد مالية تضر بكرة القدم بشدة"، مؤكداً أن "لا أحد يملك الحق في بيع اللعبة".
وأوضح "فيفا" أن الكيان الجديد المقترح سيحمل اسم FIFA Forward Enterprise (FFE)، وسيتولى إدارة وتشغيل بطولات الاتحاد الدولي.
كما أعلن الاتحاد إعادة هيكلة برنامج التطوير FIFA Forward، مع رفع المخصصات المالية للاتحادات الأعضاء من 8 ملايين دولار إلى 20 مليون دولار خلال دورة 2027-2030، على أن ترتفع المبالغ تدريجياً في الدورات التالية.
ووفقاً لمصادر مطلعة، فإن التقييم الأولي للشركة الجديدة قد يصل إلى نحو 20 مليار دولار.
ويُنظر إلى كأس العالم باعتباره أحد أكثر الأصول الرياضية جاذبية للمستثمرين، نظراً لحجمه الجماهيري وعائداته الضخمة من حقوق البث والرعاية والتذاكر.
وتتوقع مصادر أن يسعى المستثمرون مستقبلاً إلى زيادة قيمة استثماراتهم من خلال توسيع البطولة أو تنظيمها بوتيرة أكثر تكراراً.
وكان إنفانتينو قد أشار في وقت سابق من هذا الشهر إلى أن مقترحاً من أميركا الجنوبية لزيادة عدد المنتخبات المشاركة إلى 64 منتخباً "سيتم النظر فيه بالتأكيد"، بعدما ارتفع العدد بالفعل من 32 إلى 48 منتخباً اعتباراً من نسخة 2026.
من جهته، أصدر الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (يويفا) بياناً شديد اللهجة اعتبر فيه أن المقترح "يتجاوز الخطوط الحمراء التي يجب ألا تعبرها مؤسسات إدارة كرة القدم".
وأضاف البيان: "روح اللعبة وحوكمتها ليستا أصولاً قابلة للتداول، خصوصاً في ظل غياب الشفافية حول الأطراف التي ستستفيد مالياً. لا أحد منا يملك كرة القدم، كما أنها ليست ملكاً لفيفا كي يبيعها".
وذكرت مصادر أن الاتحادات الأوروبية قد تعقد اجتماعاً طارئاً خلال الأيام المقبلة لبحث خيارات الرد، بما في ذلك التلويح بمقاطعة كأس العالم إذا مضت الخطة قدماً.
هيكل الملكية المقترح
وبحسب التصور الجاري تداوله، سيحتفظ "فيفا" بحصة الأغلبية في الشركة الجديدة، فيما يشتري المستثمرون الخواص ما بين 20 و30 بالمئة في المرحلة الأولى مقابل مليارات الدولارات، بينما تحصل الاتحادات الوطنية مجتمعة على نحو 20 بالمئة من الأسهم.
وتقول المصادر إن بعض المستثمرين المحتملين تحدثوا داخلياً عن فكرة "شراء فيفا"، وهو توصيف يعكس حجم التحول الذي قد يشهده الاتحاد الدولي في حال تنفيذ المشروع.
كما ترى مصادر أن توزيع الأسهم على الاتحادات الوطنية يمثل وسيلة لضمان تمرير الخطة داخل كونغرس فيفا ومجلسه، خاصة أن قيمة هذه الحصص قد تفوق الإيرادات السنوية للعديد من الاتحادات الصغيرة.
وتتزايد التساؤلات أيضاً حول احتمال تولي إنفانتينو منصباً تنفيذياً في الشركة الجديدة بعد انتهاء ولايته، لا سيما أن المقربون من المشروع يقارنون هذا المنصب بمفوض رابطة دوري كرة القدم الأميركية (NFL)، الذي يحصل على تعويضات سنوية تصل إلى نحو 64 مليون دولار.
ورداً على ذلك، نفى "فيفا" أن يكون هذا السيناريو قد نوقش رسمياً، لكنه أكد أن رئيس الاتحاد وإدارته سيضطلعان بأدوار قيادية في أي كيان تابع لفيفا لضمان استمرار السيطرة عليه بما يخدم مصالح الاتحادات الأعضاء.
ويرى معارضو المشروع أن دخول مستثمرين من القطاع الخاص قد يدفع باتجاه اختيار الدول المضيفة وفقاً للاعتبارات التجارية بالدرجة الأولى.
وتبرز مخاوف خاصة بشأن كأس العالم للأندية، إذ قد تُواجه البطولة ضغوطاً لنقلها إلى بعض الدول لتعظيم الإيرادات، مما قد يفرض تعديلات على تقويم البطولات الأوروبية، على غرار ما شهدته مسابقة مونديال قطر 2022 التي أُقيمت في الشتاء (في الفترة من 20 نوفمبر إلى 18 ديسمبر 2022).
ووصف أحد كبار مسؤولي كرة القدم الخطة بأنها "قد تكون أسوأ بكثير من مشروع دوري السوبر الأوروبي"، نظراً لتأثيراتها المحتملة على مختلف مستويات اللعبة حول العالم، فيما اعتبر مسؤول آخر أن تضارب المصالح المحتمل بين "فيفا" وإنفانتينو والشركة الجديدة "غير مقبول".
المصدر:
سكاي نيوز