ليمور "الإندري".. أعجوبة الخلق الذي يغنّي كنجوم الأوبرا في غابات مدغشقر
في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
كشفت دراسة جديدة أن حيوان الإندري، أحد أشهر حيوانات الليمور المغنّية في مدغشقر، يفتح فمه بدرجة أكبر كلما ارتفعت نبرة صوته، في سلوك يشبه إحدى التقنيات التي يستخدمها المغنون البشر مثل مغني الأوبرا عند أداء النغمات العالية، وقد يساعد الحيوان على تقوية صوته وإسقاطه عبر الغابات الكثيفة.
تقدم الدراسة التي نُشرت في 21 سبتمبر/أيلول في مجلة "بلوس كومبيوتاشيونال بيولوجي"، أول دليل مباشر على أن الإندري البري ينسق مقدار فتح فمه مع تردد الأغنية التي يصدرها.
قصص مقترحة
list of 2 items* list 1 of 2 العطش يهدد واحات الجنوب الليبي.. هل ينضب خزان مرزق الصامت؟
* list 2 of 2 من جبل شمس إلى السماء.. عُمان تدشن مرصدا فلكيا يدار عن بعد end of list
وتظهر النتائج أن هذه الحركة ليست عشوائية، بل تتغير بصورة منتظمة مع ارتفاع النبرة، في نمط يتوافق مع ما يُعرف بـ"ضبط القناة الصوتية"، وهي عملية يغير فيها الحيوان شكل الفم والحلق بحيث تساعد تجاويف القناة الصوتية على تعزيز بعض الترددات.
مصدر الصورة
رصد نغمات الليمور
ويقول فيليبو كاروجاتي، الباحث في العلوم البيولوجية في جامعة تورينو والمؤلف الأول للدراسة، إن استخدام تقنية لتتبع حركة الوجه من مقاطع مصورة في البرية أتاح للباحثين النظر ليس فقط إلى الأصوات التي يصدرها الإندري، بل أيضا إلى الحركات الجسدية التي تصاحبها. وسمحت لهم الطريقة بمتابعة حركة الوجه والفم شبه إطار بإطار، ثم ربطها مباشرة بالتغيرات في طبقة الصوت، وهو ما لا يمكن استخلاصه من التسجيل الصوتي وحده.
جمع الباحثون 83 مقطعا مرئيا لـ19 حيوانا من حيوانات الإندري البرية، بينها 11 أنثى وثمانية ذكور، تنتمي إلى مجموعات عائلية جرى تتبعها خلال بعثات ميدانية امتدت من عام 2008 حتى عام 2024 في شرق مدغشقر، خاصة في غابة ماروميزاها ومحمية ميتسينجو.
ويوضح فيليبو في تصريحات للجزيرة نت أن الإندري يستخدم أغاني طويلة ومعقدة في التواصل بين أفراد المجموعة وفي الإعلان عن المنطقة التي تعيش فيها المجموعة أمام المجموعات المجاورة.
ولأن قياس حركة فم حيوان يغني بين الأغصان وعلى ارتفاعات كبيرة ليس مهمة سهلة، استخدم الفريق برنامجا يعتمد على التعلم العميق لتحديد نقاط مختلفة على وجه الإندري تلقائيا، بينها الشفتان والعينان والأنف وزوايا الفم.
ثم قاس الباحثون المسافة بين الشفة العليا والسفلى في كل لحظة، وربطوا هذه الحركة بالتردد الأساسي للصوت في اللحظة نفسها.
وبعد تنقية التسجيلات واستبعاد اللقطات التي حجبت فيها الأوراق أو الأغصان أجزاء من الوجه، انتهى الباحثون إلى 3598 لقطة قابلة للتحليل، مأخوذة من 23 مقطعا مرئيا لـ12 حيوانا.
بعد ذلك، قارنوا مقدار فتح الفم بالتردد الأساسي للصوت، وهو المقياس الفيزيائي المرتبط بما ندركه بوصفه ارتفاع النبرة أو انخفاضها.
ووفقا للباحث، أظهرت النتائج علاقة واضحة بين المتغيرين: كلما ارتفع التردد الأساسي اتسعت فتحة الفم. ولم يجد الباحثون اختلافا مهمّا بين الذكور والإناث في هذه العلاقة، ما يشير إلى أن النمط ليس مقصورا على جنس واحد.
حيلة صوتية تشبه ما يفعله المغنون
يرى فيليبو أن هذه التقنية التي يتبعها حيوان الإندري تشبه ما يحدث لدى المغنين المدرَّبين، وخاصة عند أداء النغمات المرتفعة، عندما يغير المغني شكل الفم والقناة الصوتية بحيث تتوافق ترددات الرنين بصورة أفضل مع النغمة التي تنتجها الحنجرة.
ويقول الباحث: "لكنّ هذا التشابه لا يعني أن الإندري تعلم تقنية الغناء البشرية نفسها أو يستخدمها بوعي؛ بل يشير إلى أن نوعين تفصل بينهما عشرات الملايين من السنين ربما وصلا بصورة مستقلة إلى حل صوتي متشابه".
لكنّ الدراسة لا تثبت أن الإندري يقوم بهذا الضبط بصورة واعية أو مقصودة. فقد رصد الباحثون ارتباطا واضحا بين فتح الفم وارتفاع تردد الصوت، وأظهرت نماذج المحاكاة التي صممها الفريق أن هذا التغير يمكن أن يؤثر في رنين القناة الصوتية، لكنّ ذلك لا يثبت أن الحيوان يتعمد تعديل فمه لتحقيق نتيجة صوتية معينة.
كما أن القياسات اعتمدت على تسجيلات ثنائية الأبعاد لحركة تحدث في 3 أبعاد، ما يعني أن زاوية الرأس والمسافة عن الكاميرا قد تؤثران في تقدير مقدار فتح الفم.
وسببت الأوراق والأغصان وتغير الإضاءة أخطاء في بعض اللقطات، لذلك اضطر الباحثون إلى فحص البيانات واستبعاد أجزاء غير موثوقة.
ويؤكد الفريق أيضا أن فتح الفك ليس العامل الوحيد القادر على تغيير الصوت، لأن الشفتين والبلعوم وأجزاء أخرى من القناة الصوتية قد تسهم في تشكيل الرنين. ويصعب اختبار بعض هذه العوامل مباشرة، خصوصا أن الإندري من الأنواع المهددة بشدة بالانقراض ولا يمكن إجراء تجارب تشريحية واسعة عليه.
ولم تتلق الدراسة أي تمويل مخصص، بحسب الباحث، كما أعلن المؤلفون عدم وجود تضارب مصالح.