آخر الأخبار

أخطبوط البيانات.. منظومة خفية تتاجر بأدق تفاصيل حياتك!

شارك
هي البيانات التي تجمعها التطبيقات على هواتفنا الذكية في الواقع؟ ولماذا تجمعها؟صورة من: Jeremy Piper/REUTERS

كل شخص لديه أسراره الخاصة. أشياء لن يخبر بها أحدًا بسهولة. ولكن ربما يكشف عنها لتطبيق المواعدة الذي يستخدمه. مثلًا يخبره بنوع الشريك الذي يرغب في إيجاده. والأماكن التي يحب زيارتها؟ وربما يكشف للتطبيق أيضًا عن ميوله الجنسية أو حالته الصحية.

وفي الواقع من المفترض أن يستخدم التطبيق هذه المعلومات لمساعدة المستخدمين في العثور على أشخاص يشاركونهم نفس الاهتمامات. وفي المقابل ليس من مصلحة المستخدمين أن يبيع التطبيق معلوماتهم الخاصة لشركات أخرى.

ولكن من المفترض أن هذا بالذات قد حدث في تطبيق "غريندر" (Grindr)، وهو تطبيق للمواعدة والتعارف مخصص بوضوح لمجتمع الميم . لذلك رفع في بريطانيا نحو 12 ألف شخص يستخدمون تطبيق غريندر دعوى قضائية على شركة التطبيق لأنها نقلت معلومات شخصية حساسة جدًا عنهم إلى عملاء إعلانات - وكشفت في بعض الحالات حتى عن حالة الإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية ( الإيدز ).

وانتهى هذا النزاع القانوني في بداية هذا الأسبوع بتسوية بلغت قيمتها الإجمالية 26 مليون جنيه إسترليني. ومع ذلك فقد نفت شركة غريندر تحملها أية مسؤولية، ولم يصدر أي اعتراف رسمي بالذنب - ولا حتى إدانة.

وهذه القضية الأخيرة ليست سوى وحلقة جديدة في سلسلة من حوادث تسرب البيانات وسء استخدامها، وهي تطرح سؤالا أكثر إلحاحا: ماذا يحدث غعلا للمعلومات الشخصية التي نشاركها يوميا مع تطبيقاتنا ومنصاتنا الرقمية؟ وأين تنتهي رحلة البيانات التي نكشفها طوعا مقابل خدمات تبدو مجانية؟

هل قام تطبيق المواعدة "غريندر" (Grindr) بنقل معلومات صحية حساسة جدًا عن مستخدميه إلى شركات إعلان؟صورة من: Andre M. Chang/ZUMAPRESS.com/picture alliance

موافق، ولكن على ماذا؟

تعتبر التطبيقات في الأساس أدوات مفيدة للمستخدمين. لكن خلفها غالبا منظومة معقدة تضم خدمات سحابية وأدوات تحليل وشبكات إعلانية ومزودي خدمات آرين. وتقوم هذه الجهات بتخزين بياناتنا ونقلها وربطها وتحليلها - وهو ما لا يصب دائما في مصلحة المستخدمين.

وحول ذلك يقول خبير السياسة الرقمية جان بنفرات إن العديد من شركات التكنولوجيا الكبرى تريد أن "تُصعّب بقدر الإمكان على المستخدمين والسلطات الرقابية فهم ما هي البيانات التي يتم جمعها على أجهزتنا وما هي الجهة التي تجمعها ولأي غرض". ويعمل الخبير بنفرات مستشارًا في السياسات الرقمية لدى منظمة الحقوق الرقمية الأوروبية (EDRI)، وهي شبكة أوروبية تضم منظمات غير حكومية وخبراء للدفاع عن الحقوق والحريات الأساسية في الفضاء الرقمي.

وجميعنا نعرف هذا: يتم تثبيت تطبيق ما - مثل خدمة المراسلة - بسرعة على أجهزتنا، وعند السؤال إن كان بإمكان التطبيق استخدام بياناتنا الشخصية، غالبًا ما ينقر المستخدمون ببساطة على "نعم". فمن يرغب يا ترى في قراءة صفحات طويلة عن سياسة الخصوصية ولوائح حماية البيانات؟

صور من محادثات خاصة

ولكن المشكلة تكمن في التفاصيل. ومثلًا يصل تطبيق واتسآب أثناء تثبيته إلى جهات الاتصال الموجودة على الهاتف الذكي . وينقل خلال ذلك إلى الخوادم أيضًا أرقام هواتف الأشخاص الذين لا يستخدمون واتسآب ولم يوافقوا قط على نقل أرقام هواتفهم.

وكذلك يجمع تطبيق المراسلة "ديسكورد" (Discord) حتى جميع الرسائل النصية والصور والروابط التي يرسلها مستخدموه - حتى في الدردشات الخاصة - طالما لم يعترضوا بالفعل على هذه الممارسة باختيارهم رفضها. وبعد سنين من الشكاوى أدخل تطبيق ديسكور في أيار/مايو 2026 على الأقل خاصية تشفير التسجيلات الصوتية والفيديو. ويوجد الكثير من هذه الأمثلة.

وكلما كانت الشركة أكبر وأكثر تشابكًا وتعقيدًا، يقل اهتمامها بنقاط البيانات الفردية - وتهتم بالأنماط. ومثلًا في موقع غوغل : "تسيطر غوغل على جوانب كثيرة مختلفة من حياتنا الرقمية وقد أدخل تقريبًا مجموعات بيانات ومراقبة على جميع المستويات"، كما يقول بنفرات.

مراقبة الموقع وأجندة المواعيد

و"هذا يبدأ من الأجهزة، أي عندما تنتج غوغل بنفسها هواتفها وتعتمد فيها على نظام التشغيل أندرويد ، يكون كل جهاز مزود بمُعرّف إعلاني فردي يتيح تتبعه وتمييزه طوال فترة استخدامه"، بحسب بنفرات.

ويضاف إلى ذلك التطبيقات التي تشغلها غوغل نفسها وغالبًا ما تكون مُثبّتة على الجهاز مسبقًا. مثل Gmail ودفتر العناوين وجهات الاتصال والتقويم، فضلا عن خرائط Google، "حيث يمكن متابعة أماكن تواجود الأشخاص وتسجيلها كل دقيقة. وكل هذه البيانات تتدفق إلى ملف تعريف ضخم".

وبناء على هذه البيانات، تُقدّم بعد ذلك شركات مثل غوغل ما يعرف باسم "الاستهداف التسويقي". ويقول بنفرات: "هذا يعني أن بإمكان أية شركة تصنع سيارات أو ملابس أن تقول بعد ذلك: 'أود توجيه إعلاناتي إلى هذه الفئة المستهدفة، ويجب عرض إعلاناتي في بحث غوغل أو في Gmail أو على أي من مئات ملايين المواقع الشريكة التي تتضمن إعلانات غوغل".

"عرض ملفات بيانات المستخدمين للبيع"

وغوغل هنا ليست سوى واحدة من بين العديد من الجهات الفاعلة في هذا المجال، ويقول بنفرات: "إنها سوق عالمية ضخمة تقدر قيمتها بمليارات الدولارات، حيث تعرض ملفات المستخدمين الشخصية وتتداول للبيع ببساطة."

وهذه الملفات الشخصية تحصل على المعلومات من نوعين من البيانات. أولًا من البيانات التي يكشف عنها كل مستخدم طوعا، مثل المعلومات التي يضيفها إلى ملفه الشخصي أو الصور التي يرفعها. أما النوع الثاني، فيستند إلى الاستنتاجات والافتراضات التي تبنتها شركات التكنولوجيا استنادا إلى البيانات التي تجمعها، وهي ممارسة تتبعها العديد من الشركات الكبرى منذ سنوات لتكوين صورة أكثر تفصيلا عن المستخدمين.

ويقول جان بينفرات موضحًا: "عندما تكون لديهم إمكانية الوصول إلى بيانات موقعي ويعرفون أين أتواجد عادة أثناء الليل، فعندئذ يمكنهم افتراض أن هذا هو عنوان بيتي. وعندما يكون هذا العنوان في حي ثري جدًا، فيمكنهم على الفور وضع افتراضات تتعلق براتبي. وعندما يلاحظون أن المستخدم ترك خاصية تحديد الموقع الجغرافي مُفعّلة في جهازه وهو يتردد بانتظام على نادٍ للمثليين، فعندئذ يفترضون أنه على الأرجح من أفراد مجتمع الميم. وكل هذه المعلومات تضاف مباشرة إلى الملف الشخصي".

المتحدث باسم المفوضية الأوروبية، توماس رينييه، أثناء إعلانه عن فرض غرامة مالية قدرها 890 مليون يورو على شركة غوعل في تموز/يوليو 2026صورة من: Virginia Mayo/AP Photo/dpa/picture alliance

قوانين صارمة في أوروبا

ومع ذلك تعتبر القوانين السارية في الاتحاد الأوروبي من أكثر قوانين حماية البيانات صرامة في العالم. فقد تم وضع القانون الأساسي لحماية البيانات (GDPR) بهدف حماية البيانات الشخصية وخصوصية الأفراد.

وكذلك تهدف قوانين الاتحاد الأوروبي الرقمية الأخرى، مثل قانون الأسواق الرقمية وقانون الخدمات الرقمية، إلى منع شركات التكنولوجيا الكبرى من إساءة استخدام سلطتها تجاه الشركات والمستخدمين. ويجب أن تلتزم بهذه القوانين أيضًا الشركات الأمريكية إذا كانت تُقدّم خدماتها لأشخاص في أوروبا أو تراقب سلوكهم.

وفي الواقع لقد فرضت المفوضية الأوروبية غرامات متكررة بسبب انتهاكات للوائحها؛ ومثلًا فرضت على شركة آبل في عام 2025 غرامة مالية قدرها 500 مليون يورو، وفرضت أيضًا غرامة مالية أخرى قدرها 200 مليون يورو على شركة ميتا، الشركة الأم التي تملك فيسبوك .

وكذلك اضطرت شركة غوغل هذا العام إلى دفع غرامات مالية قدرها 890 مليون يورو. ربما يبدو هذا المبلغ ضخمًا من الوهلة الأولى، ولكن الصورة تتضح بسرعة عند النظر إلى صافي أرباح شركة ألفابت، الشركة الأم التي تملك شركة غوغل: فقد بلغ صافي أرباحها في عام 2025 ما يعادل نحو 117 مليار يورو.

وحول حجم الغرامات يقول بينفرات: "هذه مبالغ تكسبها شركات مثل غوغل أو أمازون خلال أيام قليلة. وهذه الشركات تخصم هذه المبالغ ببساطة من ميزانياتها".

رسائل جديدة؟ يعتبر الهاتف الذكي بالنسبة لمعظم المراهقين جزءًا لا يتجزأ من حياتهم اليومية، ورفيقًا يبوحون له بالكثير من معلوماتهم السريةصورة من: Pond5 Images/IMAGO

الاعتماد على خدمات سحابية في الولايات المتحدة الأمريكية

وبالتالي فإن الرقابة الفعّالة حقًا من قبل الاتحاد الأوروبي ليست بهذه السهولة: إذ إن عمالقة التكنولوجيا يمتلكون بنى تحتية عالمية وموارد مالية هائلة ونماذج أعمال معقدة. بينما يجب على السلطات الأوروبية أن تخترق هذه الإمكانات أولًا.

ويضاف إلى ذلك اعتماد أوروبا الخاص على الشركات الأمريكية التي ما تزال تقدّم - على الأقل حتى الآن - معظم الخدمات السحابية وأنظمة التشغيل والمنصات وكذلك بشكل متزايد أيضًا البنية التحتية للذكاء الاصطناعي .

وينتقد بنفرات لهذا السبب أيضًا عدم وجود إرادة سياسية في بروكسل لاتخاذ إجراءات أشد ضد هذه الشركات، ولتجهيز سلطات حماية البيانات الأوروبية بأدوات أفضل.

أما ما الذي يمكن للمستهلك فعله لحماية بياناته، فيشير بنفرات إلى قاعدتين أساسيتين: "أولًا، ينبغي أن أسأل نفسي دائمًا: ما هو نموذج العمل الذي يعتمده التطبيق؟ وكيف يحقق أرباحه؟ وهنا تنطبق القاعدة الذهبية: 'إذا لم تدفع مقابل الخدمة، فغالبا ما تكون أنت المُنتَج‘".

ومن ناحية أخرى يجب علينا أن نبحث دائمًا عن بدائل جديرة أكثر بالثقة، كما يقول الخبير بنفرات: "هاك شركات تتنتج هواتف ذكية ينتجون هواتف تراعي المعايير الأخلاقية وتحمي خصوصية المستخدمين وبياناتهم، مع بقائها متوافقة مع التطبيقات المستخدمة في الحياة اليومية. ويمكننا أن نستخدم حتى الشبكات الاجتماعية الأكثر مراعاة للخصوصية وحماية البيانات".

"لكن في النهاية لا يوجد أي بديل لحقيقة أننا بحاجة إلى قوانين أكثر صرامة، وأننا بحاجة إلى المزيد من الشجاعة السياسية لمواجهة هذه الانتهاكات القانونية المُرتكبة من قبل شركات كثيرة جدًا. لأننا يجب أن نواجه هنا أكبر وأقوى الشركات التي عرفتها البشرية على الإطلاق - وهذه الشركات للأسف لا تقف إلى جانبنا"، كما يقول بنفرات.

أعده للعربية: رائد الباش

مراجعة: طارق أنكاي



DW المصدر: DW
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار