في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
إذا تخيلنا نشوب حريق في غرفة مليئة بالنوافذ، سيكون هناك فرصة للنجاة لمن يوجد فيها، لكن ماذا لو كان بتلك الغرفة نافذة واحدة؟ هنا تكون فرص النجاة محدودة.
هذان المشهدان المتناقضان، يلخصان المقارنة بين وقوع كارثة بيئية في بحار مفتوحة وأخرى شبه مغلقة، حيث تكون فرص التخلص الطبيعي من تداعيات الكارثة في الأولى "ممكنة" بينما تكون "صعبة" في الثانية، وهذا ما عبرت عنه دراسة بريطانية، نشرت مؤخرا في دورية "أَمبيو" (Ambio).
وقبل التحول الدراماتيكي في مسار الحرب المشتعلة بالمنطقة الآن، واتجاهه نحو استهداف ناقلات النفط كما حدث خلال الأيام الأخيرة، حذرت الدراسة المنشورة في مايو/أيار من أن خطورة هذا السيناريو تنبع من طبيعة نظام الخليج العربي.
والخليج العربي نظام شبه مغلق، حيث لا يوجد اتصال واسع بالمحيط، فمعظم تبادل المياه مع خليج عُمان وبحر العرب يتم عبر مضيق هرمز، لذلك فإن تجدد المياه ليس بالسرعة نفسها الموجودة في البحار المفتوحة، كما أنه بحر ضحل جدا، حيث إن متوسط عمقه نحو 35-36 مترا فقط، مع أعماق أكبر قرب مضيق هرمز، وهذا يجعله أكثر تأثرا بالتغيرات في الحرارة والرياح وحركة المياه، مقارنة بالأحواض البحرية العميقة.
وإضافة إلى ذلك، فإنه نظام بيئي يعيش أصلا تحت ضغط شديد، إذ تتعرض مياهه لدرجات حرارة مرتفعة جدا وملوحة عالية، فيما سجلت الدراسات خلال العقود الأخيرة توسعا في نقص الأكسجين قرب القاع في بعض مناطقه.
لكن هل يجعل هذا النظام البيئي الهش الخليج العربي غير قادر على تنظيف نفسه، عندما يحدث تلوث بالنفط ناتج عن الحرب؟ تقول الدراسة إن الخليج يستطيع التخلص من التلوث النفطي السطحي تلقائيا، عبر آليات طبيعية معروفة، لكنه لا يستطيع "تنظيف نفسه" كليا، بسبب طبيعته شبه المغلقة.
والآليات الطبيعية المعروفة وهي: "التبخر" حيث تتبخر بعض مكونات النفط الخفيفة إلى الغلاف الجوي، و"التشتت" بواسطة الأمواج والرياح التي تحول جزءا من النفط إلى قطرات أصغر، و"التحلل البيولوجي" بواسطة بكتيريا وكائنات دقيقة تستطيع تفكيك بعض الهيدروكربونات، و"الأكسدة الضوئية" عن طريق أشعة الشمس التي تغير بعض المركبات النفطية وتساعد في تفكيكها.
لكن المشكلة أن اختفاء البقعة من سطح البحر بتلك الآليات الطبيعية لا يعني اختفاء التلوث من البيئة، حيث حذرت الدراسة من أن طبيعة الخليج تزيد من إمكانية تراكم النفط والمعادن الثقيلة والملوثات الأخرى في الرواسب والكائنات الحية، بما يؤدي إلى تلوث مزمن طويل الأمد.
وتُقدر مدة مكوث المياه في الخليج بين 1-5 سنوات، لذلك لا يعني خروج جزء من المياه عبر مضيق هرمز أن الملوثات تختفي سريعا، فجزء منها يبقى داخل النظام لفترات طويلة.
كما تبرز الدراسة خطرا إضافيا يتعلق باعتماد المنطقة الكبير على تحلية مياه البحر، إذ يمكن أن يؤدي تلوث المياه الساحلية إلى تهديد البنية التحتية التي تعتمد على مياه الخليج كمصدر للمياه الخام.
ولم تغفل أيضا الطبيعة العابرة للحدود للتيارات البحرية، والتي تعني أن آثار التلوث الناتج عن حادث أو صراع في دولة واحدة قد لا تظل محصورة داخل مياهها الإقليمية، وإنما يمكن أن تنتقل إلى مناطق ودول أخرى.
ومن الرؤية العامة التي قدمتها تلك الدراسة استنادا إلى طبيعة الخليج شبه المغلقة، ننتقل إلى رؤية أكثر تفصيلا تطرحها دراسات أخرى تناولت تأثير تسربات النفط التي حدثت في أنظمة شبيهة بالخليج العربي في سياقات غير عسكرية، والتي يمكن الاستفادة منها في استنتاج التداعيات البيئية لاستهداف ناقلات النفط خلال الحرب.
ومن أبرز الدراسات تلك التي تناولت تأثر الأسماك نتيجة الحادثة الشهيرة لتسرب النفط من منصة "ديب ووتر هورايزن" في خليج المكسيك قبالة سواحل ولاية لويزيانا الأمريكية في 20 أبريل/نيسان 2010.
وقد فحصت دراسة منشورة بدورية "إنفايرونمنتل ساينس أند تكنولوجي" (Environmental Science & Technology) -باستخدام تقنية كروماتوغرافية عالية الأداء مع الكشف الفلوري- 271 عينة من 3 أنواع من الأسماك، هي سمك القد الذهبي وثعبان البحر الملكي والنهاش الأحمر، بحثا عن نواتج أيض مركبات "الهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات" النفطية المتراكمة في العصارة الصفراوية للأسماك.
وأظهرت الدراسة التي أجريت بعد عام من الحادثة خلال الفترة من 2011 إلى 2013، وجود نواتج للأيض خاصة بتلك المركبات بنسب مختلفة، إذ سجل القد الذهبي متوسط تركيز لنواتج أيض مادة النفثالين بلغ 240 ميكروغراما لكل غرام، وهو مستوى أعلى بكثير من ذلك المسجل لدى النهاش الأحمر الذي بلغ 61 ميكروغراما لكل غرام، وثعبان البحر الملكي الذي سجل 38 ميكروغراما لكل غرام.
وفي دراسة أخرى نشرت بدورية "ساينس أوف ذا توتال إنفايرونمنت" (Science of The Total Environment) -وشملت 584 سمكة من 10 أنواع من الهامور في خليج المكسيك- ظلت مستويات "الهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات" مرتفعة في بعض المناطق بعد سنوات من حادث "ديب ووتر هورايزن" مع دلائل على تعرض مزمن.
والمشكلة الأكبر كانت في تأثير التلوث على الأجيال القادمة من السمك، حيث كشف تقرير للإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي بأمريكا أن مركبات "الهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات" تؤثر خصوصا في الأسماك خلال مراحل البيض واليرقات، وتستهدف نمو القلب ووظيفته، وقد يؤدي ذلك إلى اضطراب ضربات القلب والدورة الدموية وتشوهات في القلب وأعضاء أخرى، وهذا يجعل الأسماك الصغيرة والأجنة من أكثر المراحل حساسية للتلوث النفطي.
ومن حادث تسرب منصة "ديب ووتر هورايزن" إلى التلوث الناتج عن الأنشطة المرتبطة بصناعة النفط، حيث كشفت دراسة إيرانية كيف تؤثر هذه الأنشطة على صحة الشعاب المرجانية، وهو يعطي مؤشرا لحجم التأثير الذي سيحدث في حالات التسرب النفطي الكبير الناتج عن استهداف ناقلات النفط.
وركز الباحثون خلال الدراسة المنشورة بدورية "جورنال أوف هازردس ماتيريالز" (Journal of Hazardous Materials) على جزيرتين متجاورتين شمال غرب الخليج العربي، إحداهما متأثرة بشدة بالأنشطة المرتبطة بالنفط، بينما تمثل الأخرى موقعا غير متأثر نسبيا، بهدف تقييم مدى قدرة مجموعة من المؤشرات البيئية على الكشف عن آثار الأنشطة البشرية في النظم البيئية للشعاب المرجانية.
واعتمدت الدراسة على مجموعة من المؤشرات لقياس الحالة الصحية للشعاب، شملت تراكم الملوثات النفطية داخل أنسجة المرجان، ونسبة الغطاء الحي للشعاب المرجانية، إلى جانب مؤشر مكونات الرواسب المعروف باسم "SEDCON" الذي يستخدم لتقييم خصائص الرواسب وتأثيرها في البيئة البحرية.
وأظهرت النتائج أن الجمع بين هذه المؤشرات الثلاثة كان الأكثر قدرة على الكشف عن الفروق بين المناطق المتأثرة وغير المتأثرة بالأنشطة البشرية.
وكان من أبرز المؤشرات تراكم الملوثات العضوية التي ترتبط بالأنشطة النفطية وعمليات الاحتراق وهي "الهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات".
ومن جانبه، يصف الدكتور محمد سلامة عبد الهادي أستاذ الكيمياء بالجامعة الألمانية في القاهرة هذه التأثيرات التي رصدتها الدراسات بأنها يمكن أن تكون "الأرشيف الكيميائي للحرب" الذي يمكن للعلماء الرجوع إليه ومعرفة مجموعة الملوثات والمواد الكيميائية التي خلفتها العمليات العسكرية وتسربات النفط والوقود.
ويقول للجزيرة نت إن "انتهاء الحرب واختفاء التسربات النفطية من سطح المياه لا يعني انتهاء المشكلة، فالجريمة البيئية التي خلفتها الحرب لا تسقط بالتقادم، وقد تستمر بصمتها لسنوات في قاع البحر، وهو ما حدث في حرب الخليج عام 1991، ومن المتوقع تكراره إذا استمر نهج استهداف ناقلات النفط في الحرب الحالية".
ويؤيد هذه الرؤية ما ذهبت إليه دراسة علمية أجريت بعد حرب الخليج عام 1991، ونشرت في دورية "مارين بولوشن بولتن" (Marine Pollution Bulletin) وأكدت أن التسرب النفطي الهائل وحرائق حقول النفط في الكويت تركا بصمة واضحة في البيئة البحرية امتدت آثارها إلى الرواسب والكائنات الحية على طول أجزاء من سواحل الخليج، مع تسجيل أعلى مستويات التلوث في المناطق الساحلية السعودية، حيث كانت الأكثر تعرضا للتلوث النفطي.
كما كشفت دراسة أخرى نشرت في الدورية نفسها عن ارتباط بين شدة التلوث النفطي الناتج عن الحرب، وارتفاع تركيزات مجموعة من المعادن النزرة في رواسب منطقة جزيرة أبو علي في الخليج العربي، قبالة الساحل الشرقي للسعودية، حيث تحرك جزء كبير من النفط المتسرب جنوبا بمحاذاة الساحل السعودي، ثم تراكم خلف الجزيرة بسبب طبيعة الساحل والتيارات وحركة المياه.
وأظهرت النتائج أن تركيزات المعادن النزرة كانت أعلى في المواقع التي تعرضت لتلوث نفطي شديد مقارنة بالمواقع التي تعرضت لتلوث نفطي متوسط، مما يشير إلى وجود علاقة بين شدة التلوث النفطي ومستويات بعض المعادن في الرواسب.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة