لم يعد الفضاء مجالا حصريا لعدد محدود من القوى الكبرى؛ إذ تكشف بيانات حديثة أن 109 دول أصبحت تملك قمرا صناعيا واحدا على الأقل في مدار حول الأرض، أي أكثر من ضعف العدد المسجل مع بداية الألفية، في مؤشر واضح على اتساع النشاط الفضائي وانتشار استخدام الأقمار الصناعية في أنحاء العالم.
وتأتي هذه الأرقام في تقرير "اقتصاد الفضاء في لمحة " الصادر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، الذي يرصد أيضا تنامي الاستثمارات الفضائية وارتفاع عدد الأجسام الاصطناعية في المدار.
ويعني هذا التوسع أن الوصول إلى الفضاء لم يعد مرتبطا فقط بالدول التي تمتلك صواريخ قادرة على إطلاق المركبات من أراضيها؛ فامتلاك قمر صناعي أصبح أكثر انتشارا بكثير من امتلاك القدرة المستقلة على تنفيذ عمليات الإطلاق المدارية. وبذلك تغيرت خريطة النشاط الفضائي من سباق تقوده مجموعة صغيرة من الدول إلى منظومة عالمية تشارك فيها عشرات الدول بطرق مختلفة.
خلال السنوات الأخيرة لم يزد عدد الدول المالكة للأقمار الصناعية فحسب، بل ارتفع أيضا عدد الأجسام الاصطناعية التي تصل إلى المدار بوتيرة متسارعة.
وتوضح بيانات "الفهرس العام للأجسام الفضائية الاصطناعية "، الذي يشرف عليه عالم الفلك "جوناثان ماكدويل "، الزيادة الكبيرة في عدد الأجسام التي تدخل المدار، ولا سيما الحمولات الفضائية التي تشمل الأقمار الصناعية عادة.
وهذا النمو يحمل نتيجة جانبية مهمة هي أن كل عملية إطلاق لا تنقل بالضرورة أقمارا عاملة فقط، بل يمكن أن تسهم أيضا في تراكم الحطام الفضائي، ما يجعل المدار الأرضي أكثر ازدحاما ويزيد أهمية إدارة البيئة الفضائية.
ومن هنا تظهر المفارقة التي يشير إليها التقرير، وهي أن الفضاء أصبح أكثر إتاحة أمام الدول والشركات، لكنه في الوقت نفسه أصبح أكثر ازدحاما.
لا يقتصر التحول على الأقمار الصناعية، بل يمتد إلى الميزانيات الحكومية المخصصة للفضاء. ويشير التقرير إلى أن الولايات المتحدة خفضت ميزانيتها الفضائية بصورة كبيرة خلال السنوات الـ15 الماضية، في حين رفعت دول أخرى من منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية استثماراتها في هذا المجال.
وتبرز اليابان وإيطاليا بصورة خاصة، بعدما ضاعفت كل منهما ميزانيتها الفضائية كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي لتصل إلى نحو 0.1%، بينما شهدت دول في أوروبا الشرقية زيادات كبيرة أيضا، إذ بلغت حصة الإنفاق الفضائي نحو 0.03% إلى 0.04% من الناتج المحلي الإجمالي في بولندا والتشيك.
يكشف التقرير في جوهره عن تحول تاريخي في علاقة البشر بالفضاء، فبعد عقود كان فيها الوصول إلى المدار حكرا عمليا على عدد محدود من الدول، أصبح امتلاك قمر صناعي ظاهرة عالمية تشمل 109 دول. وفي المقابل، فإن النمو السريع في عدد الأجسام الفضائية يفرض تحديا جديدا يتعلق بالحفاظ على المدار صالحا للاستخدام.
وتوضح هذه الصورة لماذا لا يمكن النظر إلى التوسع الفضائي باعتباره مجرد زيادة في عدد الأقمار الصناعية؛ فكل قمر جديد هو جزء من بنية اقتصادية وتقنية متنامية، وكل عملية إطلاق تضيف إلى بيئة مدارية تحتاج إلى إدارة أكثر دقة.
فالقيمة الحقيقية لهذا التوسع لا تكمن في الوصول إلى الفضاء فحسب، بل في قدرة الإنسان على استخدام العلم والتقنية بصورة مسؤولة، والاستثمار في البحث الذي يوسع حدود المعرفة، مع حماية البيئة الفضائية التي أصبحت موردا مشتركا للبشرية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة