"بحرنا جميل"، بهذه الكلمات البسيطة يلخص رئيس فريق الغوص الكويتي وليد الفاضل ثلاثة عقود من العمل في أعماق الخليج؛ التزام تجاه بحر ورثه عن الأجداد، ويسعى للحفاظ عليه للأجيال القادمة.
تحت مياه بحر الكويت، حيث تتجاوز درجات الحرارة صيفا حدود نمو المرجان، وتنخفض شتاء إلى مستويات قاسية، تنمو اليوم مدن بحرية كاملة صنعها متطوعون من الخرسانة، قبل أن تتحول مع الوقت إلى موائل تعج بالحياة.
لم تكن هذه المدن نتاج الطبيعة وحدها، بل بدأت ككتل صناعية أُنزلت إلى البحر قبل عقود، ثم تحولت تدريجياً إلى بيئات تستقطب المرجان والأسماك والكائنات البحرية.
يقول وليد للجزيرة نت إن الفريق، الذي تأسس عام 1986، بدأ نشاطه بعد تحرير الكويت بعمليات انتشال السفن والقوارب الغارقة، ورفع المخلفات من الشعاب المرجانية والجزر الكويتية.
ويضيف أن الشعاب المرجانية في الكويت لا تتجاوز 35 نوعا، مقارنة بنحو 650 نوعا عالميا، رغم أهميتها الكبيرة في دعم التوازن البيئي واحتضان جزء كبير من الكائنات البحرية.
لكن هذه النظم البيئية كانت تتعرض لضغوط مستمرة، من مراسي القوارب وشباك الصيد إلى الردم والمخلفات الصناعية، ما دفع الفريق إلى إنشاء مرابط بحرية والقيام بحملات تنظيف واسعة للقاع.
وفي أولى حملات التنظيف في جزر كبر وقاروه وأم المرادم، رفع الفريق نحو 80 طنا من المخلفات، بينها شباك صيد ومخلفات بحرية متنوعة، في مشهد يعكس حجم الضغط البشري على هذه البيئات.
ويشير إلى أن الشعاب المرجانية ليست مجرد تكوينات بحرية جميلة، بل تمثل موطنا رئيسياً لربع الكائنات البحرية تقريباً، وتؤدي دوراً أساسياً في التوازن البيئي داخل البحار والمحيطات.
مع مرور الوقت، انتقل الفريق من تنظيف قاع البحر من المخلفات والسفن الغارقة إلى محاولة استعادة الحياة البحرية بشكل نشط.
يشرح وليد أنهم درسوا تجارب عالمية في زراعة المرجان وإنشاء بيئات صناعية صديقة للنمو، قبل التوجه إلى إنشاء مستعمرات خرسانية في قاع البحر تكون نواة لتشكل الشعاب.
ويقول: "فكرنا في توفير سطح صلب تستقر عليه اليرقات المرجانية بدل أن تموت في المياه".
سافر عدد من أعضاء الفريق إلى المالديف للحصول على تدريب متخصص، قبل أن يبدأ تنفيذ المشروع عملياً في الكويت.
على مدى ثلاثة عقود، أنزل الفريق أكثر من 20 مدينة مرجانية اصطناعية، بمئات الأطنان من الخرسانة، في أعماق تتراوح بين 6 و22 متراً، وصولاً إلى مناطق تبعد عشرات الكيلومترات مثل جزيرة قاروه.
لم تكن العمليات سهلة؛ فبعض القطع الخرسانية يزن بين 6 و7 أطنان، فيما تُعد التيارات البحرية في الكويت من الأقوى إقليمياً، ما جعل عمليات النقل والإنزال تتطلب تجهيزات معقدة وأياما من العمل المتواصل.
وساهمت جهات عدة في إنجاح المشروع، بينها وزارة الدفاع الكويتية في عمليات النقل البري، وشركة نفط الكويت في الدعم البحري عبر ميناء الأحمدي.
يقول مسؤول المشاريع العلمية في فريق الغوص الكويتي محمود أشكناني للجزيرة نت إن نتائج المشروع فاقت التوقعات، إذ بدأت الشعاب بالنمو على المستعمرات الخرسانية خلال نحو أربع سنوات فقط، مقارنة بمدد قد تصل إلى سبع أو ثماني سنوات في بيئات أخرى.
ويضيف أن مواقع كانت في السابق شبه خالية من الحياة البحرية، أصبحت اليوم موائل تضم أكثر من تسعة أنواع من المرجان الصلب، إضافة إلى المرجان الرخو والقواقع والمحاريات والشوكيات البحرية.
كما رُصدت أنواع مختلفة من الأسماك، بينها الهوامير والشعري والشعم، إلى جانب ظهور أنواع جديدة من المرجان في بعض المواقع لم يكن موجودا في السابق في الكويت، مثل "الريش الناري"، وهو مرجان رخو يتميز بمظهر يشبه الريش ويعيش على أعماق تتراوح بين 8 و12 متراً.
وامتدت التجربة الكويتية لتُلهم دولاً خليجية وعربية أخرى، بنت مدناً مائية مشابهة على غرار التجربة الكويتية التي وصفها الفاضل بـ"تجربة ناجحة في بيئة صعبة".
رغم النجاحات، لا تزال الشعاب المرجانية في الكويت تواجه تحديات متزايدة، من ارتفاع درجات الحرارة والتلوث البحري، إلى قلة العوالق الغذائية وكثافة الأنشطة البشرية في بعض المواقع.
ويشير خبراء من معهد الكويت للأبحاث العلمية إلى أن الشعاب المرجانية في المنطقة بطيئة النمو وقد تمتد أعمارها لأكثر من مئة عام، ما يجعلها شديدة الحساسية لأي تغيير بيئي أو تدخل بشري.
كما أن طبيعة جون الكويت شبه المغلق تزيد من تأثير الملوثات، خصوصاً مع ارتفاع درجات الحرارة وانخفاض مستويات الأكسجين في بعض الفترات.
فيما أشار مركز التواصل الحكومي الكويتي إلى أن المحميات البحرية الاصطناعية شهدت نموا واسعا للكائنات البحرية، من بينها الإسفنجيات، والمرجان، والمحار، والشوكيات البحرية، إضافة إلى أنواع متعددة من الأسماك والطحالب.
وبين أن مشروع المحميات البحرية انطلق عام 1996، وانتشرت المحميات في أكثر من 20 موقعا بحريا وتتراوح أعماقها ما بين 7 إلى 17 مترا، ويمتد طول أكبر محمية إلى نحو 300 متر، وتضم المحمية الكبرى في بنيدر أكثر من 90 مجسما خرسانيا في حين يصل ارتفاع بعض المجسمات إلى 3 أمتار.
يقول وليد مختتما: "الآباء والأجداد أعطونا بحرا جميلا، وحلمنا أن نتركه للأبناء والأحفاد كما كان".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة