آخر الأخبار

"الحياة السابقة للكون".. ماذا حدث حقا قبل الانفجار العظيم؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

مقدمة الترجمة:

إذا ما أتيحت لنا فرصة العودة بالزمن إلى الوراء بمقدار 13.7 مليار عام تقريبا، إلى تلك اللحظة التي يُعتقد أنها شهدت الانفجار العظيم وولادة الكون، سنكتشف أن الوجود كله كان قابعا في نقطة شديدة الحرارة والكثافة، ومتناهية الصغر لدرجة أنها لا تُرى بالعين المجردة.

خلال أول جزء من الثانية بعد الانفجار العظيم، تضخم الكون من هذه النقطة الصغيرة إلى حجم ثمرة ليمون وفي غضون ثانية، بات أكبر من نظامنا الشمسي وخلال فترة قصيرة، صار أكبر من مجرة درب التبانة، ثم استمر في التمدد حتى وصل إلى شكله الحالي. ومنذ أن ترسخ نموذج الانفجار العظيم في علم الكونيات، اعتقد كثير من العلماء أن السؤال عما حدث قبله هو سؤال عبثي لا معنى له، باعتبار أن الزمن لم يكن موجودا قبل هذه اللحظة، وبالتالي لم يكن هناك ما يسبقها. وإذا انعدم وجود مكان يسمح بأي حركة، فلن يحدث أي تغيير، وإذا انعدم التغيير، فلن توجد أحداث ولا تاريخ.

لكن يبدو أن الانفجار العظيم لم يكن البداية، حيث افترض العلماء في السنوات الأخيرة أنه كان مجرد فصل في قصة أقدم بكثير. قصة لربما تشمل كونا سابقا انهار أو مرحلة غامضة سبقت ولادة الزمن كما نعرفه. وبات السؤال الذي لطالما اعتُبرت الإجابة عليه ضربا من المستحيل، مسألة علمية قابلة للنقاش حاليا. هذا ما تشرحه هذه المادة المترجمة من موقع "نيوساينتست".

مصدر الصورة خلال أول جزء من الثانية بعد الانفجار العظيم، تضخم الكون من هذه النقطة الصغيرة إلى حجم ثمرة ليمون (سيمونز فاونديشن ومرصد أتاكاما)

نص الترجمة:

تخيل لو استطعت – بطريقة ما – تصوير تاريخ الكون بأسره ثم شرعت في عرض هذا الفيلم معكوسا، أي من النهاية إلى البداية. سيتبدى أمامك الكون في صورته الحالية، شبكة فسيحة وآسرة من المجرات والسدم. لكن ما إن يرتد الشريط إلى الوراء، حتى يتقلص كل شيء تدريجيا ويؤول في النهاية إلى ومضة ضوئية متلاشية يكاد يطويها الفناء إلى الأبد، وهي النقطة التي يعرفها الجميع بالانفجار العظيم.

إعلان

عند هذه النقطة، يُسدِل الظلام ستاره على الشاشة ويركن كل شيء إلى الصمت. وإن صادف وتساءلت عما سبق تلك اللحظة، سيثير سؤالك هذا سخرية العلماء والفلاسفة على حد سواء. فالموضوع أشبه بالتساؤل عما يقع شمال القطب الشمالي، سؤال عبثي بالطبع، وعصي على الإجابة.

لكن السؤال هنا: هل كان الانفجار العظيم هو بداية كل شيء فعلا؟ أم أن الحقيقة مختلفة عما نظن؟ خلال الأعوام القليلة الماضية، اهتدى عدد من الفيزيائيين إلى وسيلة لإزاحة هذا الستار، وإلقاء نظرة خاطفة على ما قد يقبع وراءه. حتى وإن عجزنا عن حل المعادلات التي تصف هذه الحقبة الزمنية بدقة، يرى العلماء أن بوسعهم النفاذ إلى تلك المنطقة الغامضة ولو بصورة تقريبية. يعبر يوجين ليم من كلية كينغز في لندن، وأحد أبرز المهتمين بهذه المسألة، عن الأمر قائلا: "بدأت النسبية العددية (Numerical Relativity) في تقديم رؤى متعمقة حول تساؤلات لطالما استعصت على إدراكنا البشري".

وبجانب إسهامه في تبديد الغموض حول ما حدث قرب الانفجار العظيم، يقدم عمل ليم وآخرين مؤشرات أو دلائل مدهشة حول احتمالية وجود أكوان أخرى ربما سبقت كوننا، أو ربما تلاقت معه في تصادم غامض. لكن يبدو أن ما توصل إليه هذا العمل لم يكن سوى البداية فحسب.

"منذ أن ترسخ نموذج الانفجار العظيم في علم الكونيات، اعتقد العلماء أن السؤال عما حدث قبله لا معنى له، باعتبار أن الزمن لم يكن موجودا"

في عام 1927، بدأ وميض فكرة الانفجار العظيم يتبلور في ذهن الكاهن البلجيكي جورج لومتر، الذي افترض أن أفضل تفسير لابتعاد المجرات عنا هو تمدد الكون، مستنبطا فيما بعد أن هذا الكون الآخذ في الاتساع لا بد أنه بدأ كنقطة بدائية أو متفردة (Singularity) كما أطلق عليها.

ظل فتيل النقاش حول صحة هذه الفرضية مشتعلا حتى عام 1964. حينها اكتشف الفيزيائيان أرنو بنزياس وروبرت ويلسون إشعاع الخلفية الكونية الميكروي (CMB)، والذي يُطلق عليه غالبا اسم "شفق الانفجار العظيم" أو "التوهج اللاحق للانفجار العظيم" (وهو أول صورة للكون في مهده، وأول أثر مرئي من ماضينا السحيق)*. وما لبث أن احتل هذا النمط من الضوء كل ركن من أركان السماء. وبصورة لا يكاد يتطرق إليها التردد، أثبت وجوده أن الكون نشأ من بوتقة شديدة الحرارة والكثافة.

لمحات من الماضي السحيق

لكن ما إن نشد الرحال إلى الكون المبكر، حتى ندرك أن قوانين الفيزياء تظل رهينة حدود معينة لا يمكن تجاوزها. فبوسعنا ارتياد الماضي حتى نقطة زمنية تعود إلى 13.7 مليار عام، حين كان الكون مجرد كتلة طاقة موغلة في الكثافة عند لحظة الانفجار العظيم. أما إذا حاولنا تجاوز هذه النقطة لأبعد من ذلك، سنسقط في غياهب المجهول.

كما ذكرنا، تختزل التصورات الشائعة فكرة الانفجار العظيم في نقطة ذات كثافة لا نهائية وحجم يقترب من الصفر بدأ عندها فجر الزمان. ومع ذلك، لا نملك برهانا واحدا على وجود هذه المتفردة (Singularity) التي ظهر منها الكون، بل إننا نفتقر حتى إلى المعادلات الرياضية القادرة على تفسير تلك اللحظة.

ومن هنا يبزغ السؤال الأهم: لِمَ لا يمكننا العودة إلى ما قبل الانفجار العظيم؟ يكمن السر في معادلات نظرية ألبرت أينشتاين التي صاغت مفهومنا للزمان والمكان. فعلى الرغم من قدرة هذه المعادلات على وصف هندسة "الزمكان" بدقة، فإن استخراج حلول دقيقة منها هو أمر في غاية الصعوبة، ولا يحدث إلا في الحالات شديدة التبسيط. أما في الحالات التي تبلغ فيها الجاذبية أشد حالاتها تطرفا، كما هو الحال في الثقوب السوداء، أو في وقت الانفجار العظيم، تعجز معادلات أينشتاين عن تفسير ما يحدث.

"في الحالات التي تبلغ فيها الجاذبية أشد حالاتها تطرفا، كما هو الحال في الثقوب السوداء، أو في وقت الانفجار العظيم، تعجز معادلات أينشتاين عن تفسير ما يحدث"

ولأن فكرة حل هذه المعادلات أخذت تداعب خيال الفيزيائيين منذ أواخر الخمسينيات، قرروا تكريس جهودهم لذلك الأمر. لكن حينذاك، لم يتمحور هدفهم حول الدقة التامة، بقدر اهتمامهم بالتوصل إلى إجابات ولو تقريبية. في البداية، اتجهت مساعيهم إزاء تطويع هذه المعادلات لخدمتهم في التعرف على شكل موجات الجاذبية أو ما يعرف "بالموجات الثقالية" (gravitational waves)، تلك التموجات القاطنة في نسيج الزمكان. غير أنهم لم يتمكنوا من بلوغ هدفهم المنشود لفترة طويلة، حتى جاء عام 2016 الذي تمكن العلماء خلاله أخيرا من رصد هذه الموجات الثقالية.

إعلان

حينها، بدأ "ليم" يجمع شتات أفكاره حول استخدام الطريقة ذاتها لحل المعضلات الأعقد في علم الكونيات، معتمدا في خطته على إدراج شروط أولية محددة ضمن المعادلات، وتكليف حواسيب فائقة باستنباط حلول تقريبية لها، مع تكرار العملية بشروط مختلفة قليلا. وكان هدفه استخلاص معلومات دقيقة حول سلوك "الزمكان" في ظل ظروف معينة استعصت على الفهم سابقا.

في البداية، اعتقد "ليم" أن الأمر لا يتطلب سوى برمجيات بسيطة، لكن انتهى به المطاف إلى بناء نموذج حاسوبي ضخم ومتطور لحل هذه الحسابات المعقدة. وعن ذلك يقول معلّقا: "اجتاحتنا في البداية رغبة في تصميم أداة بسيطة للتنقيب عن جوهر المشكلة، لكننا انتهينا ببناء منظومة برمجية لا تقل تعقيدا وضخامة عن المشكلة ذاتها".

على مدار السنوات القليلة الماضية، انهمك "ليم" وباحثون آخرون في اختبار الفرضية الرئيسية حول ما حدث قبل الانفجار العظيم، وهي الفرضية المعروفة بـ "التضخم الكوني"، التي اقترحها لأول مرة آلان غوث بالتعاون مع أندريه ليندي وآخرين في ثمانينيات القرن الماضي، لتفسير ذلك التناغم المدهش في توزيع المادة والطاقة عبر أرجاء الكون الفسيح. ووفقا لهذا التصور، تمدد الكون بسرعة فائقة لدرجة أن أي تكتلات حتى وإن كانت ضئيلة، تلاشت في طيات هذا الاتساع العظيم.

ومع ذلك، لا تزال نظرية التضخم تعاني من عدة مشكلات تجلب لها نقدا لاذعا. أولها، عدم قدرتنا على تفسير كيف بدأ التضخم فجأة وبسرعة هائلة، ولماذا توقف لاحقا. ولحل هذه المعضلة، افترض الفيزيائيون وجود مجال طاقة افتراضي يسمى "حقل التضخم" أو "حقل الإنفلاتون" وفر كميات هائلة من الطاقة الكامنة التي تتغلب على الجاذبية وتعمل كقوة "تنافر" تدفع الفضاء للتوسع الأسي.

"افترض الفيزيائيون وجود مجال طاقة افتراضي يسمى حقل الإنفلاتون وفر كميات هائلة من الطاقة الكامنة التي تتغلب على الجاذبية"

ويكمن جوهر الفكرة في "جهد" هذا الحقل، والذي يمكننا تقريبه للذهن بمشابهته بـ"جهد الجاذبية" الذي يعني مقدار الطاقة اللازمة لرفع جسم إلى مكان أعلى (تخيل مثلا أنك تريد رفع كرة فوق كرسي ثم فوق طاولة ثم فوق دولاب، كلما ارتفع المكان زادت الطاقة المبذولة لرفعه وبالتالي المخزنة داخله بما يعني أن جهد الجاذبية صار أعلى)*. وعلى المنوال ذاته، تمتع حقل الإنفلاتون بجهد عال لبدء التضخم، ثم سرعان ما هوى هذا الجهد بسرعة فائقة، مما أدى إلى توقف التضخم تماما (الأمر أشبه بذات الكرة التي تقف الآن في مكان مرتفع، أي عند طاقة وضع – أي طاقة مخزنة – عالية، ثم تتدحرج إلى الأسفل، أي عند طاقة وضع منخفضة. وبالمثل، لكي يبدأ التضخم، كان حقل الإنفلاتون في حالة طاقة وضع عالية جدا، ولكي يتوقف، تعين أن تنخفض هذه الطاقة بسرعة كبيرة)*.

وفي غمرة هذا التشابك، لم يكن حقل الإنفلاتون يسير في خط مستقيم، بل اتخذ أشكالا مقعرة وأخرى محدبة بدرجات انحدار متفاوتة. لعب شكل هذا المنحنى الدقيق دورا في تحديد كيف تطور التضخم. تشير البيانات المستخلصة من تحليل "إشعاع الخلفية الكونية الميكروي (وهو الضوء المتبقي من أقدم حقبة كونية ويملأ الكون بأكمله)* إلى أن الحقل اتخذ شكل تقعر طفيف، غير أن قياساتنا الحالية لم تبلغ بعد مستويات من الدقة يمكن التعويل عليها.

في عام 2020، تعاون ليم مع كاتي كلوف من جامعة كوين ماري في لندن وانضم إليهما بعض الزملاء، للتدقيق في ذلك كله باستخدام النسبية العددية. صمم الفريق محاكاة حاسوبية دقيقة، ووضع فيها تصورا أوليا لشكل الكون ومادته في لحظاته الأولى، ثم تركها ترسم مسارها التطوري في المستقبل. وكان هدفهم من ذلك كله هو استنباط الظروف التي تسببت في هذا التمدد الكوني الهائل.

إعلان

أثارت نتائج المحاكاة اهتمام الجميع لغرابتها، إذ اتضح أن الحقول المحدبة بدت أكثر ميلا لإحداث التضخم من نظيرتها المقعرة. وعليه، بزغ تناقض واضح أمام تلك المؤشرات الخافتة التي التقطناها من إشعاع الخلفية الكونية الميكروي (التي رجحت كفة التقعر البسيط)*.

مصدر الصورة (الجزيرة)

فرضية الأكوان المرتدة

العجيب إذن أننا كلما تعمقنا أكثر، زادت الصورة التباسا وتعقيدا. إذ يشير هذا الاكتشاف الجديد إلى أن نظرية التضخم قد لا تكون التفسير القاطع للكون المبكر كما اعتقدنا. ومع ذلك، لم يُغلَق الباب أمام الباحثين تماما، فقد توصل ليم وكلوف إلى أن بعض النماذج المحدبة – المعروفة بـ "نماذج جاذب ألفا" (Alpha-attractor models) – يمكنها توليد التضخم.

في ورقة بحثية جديدة لا تزال قيد المراجعة، اتخذ ليم وزملاؤه خطوة أبعد من ذلك باستخدامهم أساليب النسبية العددية للتنبؤ بنوع من موجات الجاذبية التي قد تسفر عنها هذه النماذج المحدبة، في حين اتجهت آمال العلماء صوب مراصد موجات الجاذبية لاقتناص هذه الإشارات، لتغدو دليلا قاطعا يروي القصة الحقيقية لحقبة التضخم الكوني. وتعليقا على ذلك، يقول ليم: "لو توصلنا إلى طبيعة هذا الجهد، لتمكنا من حساب موجات الجاذبية، والعكس صحيح".

في السياق ذاته، يقول ديفيد غارفينكل من جامعة أوكلاند بولاية ميشيغان الأمريكية، والذي يعمل أيضا في مجال النسبية العددية: "يمكن اعتبار هذه المحاكاة بصمة إبداعية متقنة، لكنها مع ذلك تعجز عن تتبع عملية تشكل الكون بدءا من التضخم الكوني، وصولا إلى شكله الحديث. وعليه، لا يمكننا الجزم تماما بأنها أدت إلى تشكيل الكون على هيئته الحالية".

"ثمة فرضية بديلة مطروحة على الساحة تشير إلى أن الكون لم يبدأ بانفجار، بل بارتداد عظيم"

ولكن إذا ما أفضت أبحاث "النسبية العددية" في نهاية المطاف إلى إضعاف نظرية التضخم، فثمة فرضية بديلة مطروحة على الساحة تشير إلى أن الكون لم يبدأ بانفجار، بل بارتداد عظيم. واستنادا إلى هذا التصور، لن يكون هناك وجود لتلك المتفردة الغامضة ولا لحقبة التضخم، بل تفترض النظرية وجود كون سابق استمر بالانكماش على نفسه حتى بلغ حجما متناهي الصغر، قبل أن يرتد من جديد نحو الخارج ويصوغ ملامح كوننا الحالي.

شحذ غارفينكل وفريقه جهودههم لسبر أغوار هذه الفكرة عبر أدوات النسبية العددية، بالتعاون مع نخبة من العلماء، وفي مقدمتهم بول شتاينهاردت من جامعة برينستون بالولايات المتحدة، صاحب النموذج المقترح للكون الدوري (الارتدادي). ومن خلال ورقة بحثية حديثة، أثبت الفريق أن مرحلة الانكماش في هذا الكون الدوري تتمتع بقدرة على تسوية التكتلات القابعة بين ثنايا الكون وتحويله إلى كون متجانس، بشكل أفضل ربما مما تفعله نظرية التضخم.

حول ذلك، يعلّق غارفينكل قائلا: "يمكننا إيجاد سيناريوهات تجعل الكون منتظما ومتجانسا إذا بدأ بالانكماش، بينما لا يحدث هذا التجانس أثناء عملية التوسع". (تخيل أن الكون عبارة عن غرفة زاخرة بأوراق مبعثرة في كل مكان، وبطريقة ما ترتبت هذه الأوراق في كل مكان بالغرفة على نحو نجهله. هنا تفترض نظرية التضخم أن الغرفة اتسعت فجأة وبسرعة مهولة، وهو ما تسبب في تباعد الأوراق، ومن ثَم توزيعها في صورة متساوية وأنيقة. في حين تشير الأبحاث الجديدة إلى أن الغرفة انكمشت، فتساوت الأوراق وترتبت داخل هذا المكان الضيق)*.

في دراسة أخرى أجراها ويليام إيست من معهد بيريمتر في كندا بالتعاون مع زملائه، قرر الفريق التركيز على معضلة شائكة تتعلق بمصير الثقوب السوداء التي كانت تقطن الكون سابقا. وازداد قلقهم من احتمالية أن يكون هذا الارتداد العظيم قد ضغط على هذه الثقوب السوداء بشدة لدرجة أنه انتهك فرضية "الرقابة الكونية"، وهي نظرية فيزيائية وضعها "روجر بنروز" عام 1969، تفترض أن أي "متفردة" (Singularity) تنشأ في الكون -باستثناء لحظة الانفجار العظيم- يجب أن تختفي تماماً خلف "أفق حدث" (مثل الثقوب السوداء). (يعني هذا أن الرقابة الكونية تحمي القوانين الفيزيائية من خلال إخفاء النقاط التي تنهار فيها القوانين وتتوقف فيها إمكانية التنبؤ بالمستقبل)*.

"تفترض نظرية الرقابة الكونية أن أي متفردة تنشأ في الكون -باستثناء لحظة الانفجار العظيم- يجب أن تختفي تماما خلف الثقوب السوداء"

إلا أن أبحاث إيست عملت على تبديد هذه المخاوف بافتراضها أن أفق الحدث وإن انكمش بفعل الارتداد، سيظل صامدا، وبالتالي ستظل أي متفردة أخرى محتملة مخفية وفق الآلية التي يحمي بها الكون نفسه. بينما على الجانب الآخر، سنجد أن هذه النتائج المشجعة حول "الأكوان المرتدة" تنسجم تماما مع نتائج فيزيائية أخرى هامة.

إعلان

ففي مارس/آذار 2025، أظهرت بيانات أداة التحليل الطيفي للطاقة المظلمة "ديسي" (DESI)، أن معدل تمدد الكون بدأ يتباطأ. يُعتقد أن هذا التباطؤ يلعب دورا أساسيا في تشكيل الكون على هيئته الحالية، لأن الكون لو استمر في التوسع بنفس السرعة السابقة، لما أمكنه أبدا أن يتوقف أو يعود للانكماش من جديد.

على الرغم من هذه الاكتشافات، لا يزال الشك يساور الكثير من العلماء إزاء نظرية الارتداد. ويعود السبب في ذلك إلى أن هذه الفكرة تحتاج إلى أمور غريبة جدا، مثل الطاقة السالبة، وهي فكرة تبدو وكأنها تكسر قوانين الفيزياء المعروفة. لذلك، يرى العالم غارفينكل أن نظرية التضخم التقليدية لا تزال أقوى، لأنها لا تحتاج إلى هذه الأفكار الغريبة والمعقدة لتفسير كيف بدأ الكون.

بعيدا عن فكرة الارتداد الغريبة، أفضت تقنيات النسبية إلى فكرة مرتبطة بنظرية التضخم ولكنها متدثرة بحُلّة أكثر غرابة. في بدايات ظهور النظرية، زعم الباحثون إمكانية توقف حقل التضخم أو ما يسمى بحقل الإنفلاتون عن العمل في مناطق معينة بينما يستمر عمله في مناطق أخرى. وهو ما أدى إلى بزوغ فقاعات من الفضاء تتوسع ببطء نسبيا وسط عاصفة التضخم رغم أنها انفلتت جميعها من متفردة واحدة. ونظرا إلى السرعة الجنونية التي سلكها الكون أثناء توسعه، انفصلت هذه الفقاعات عن بعضها للأبد وصارت أكوانا مستقلة.

وإليك المثير في الأمر: إذا تشكلت هذه الأكوان الوليدة بالقرب من بعضها، فثمة احتمال كبير لاصطدامها ببعضها في الوقت الذي كان فيه الكون في حالة انفجار وتمدد. لاختبار ذلك قررت هيرانيا بيريس، عالمة الفيزياء الفلكية من جامعة كامبريدج في عام 2011، خوض غمار رحلة بحثية مختلفة بالتعاون مع فريقها الذي استخدم محاكاة حاسوبية معتمدة على النسبية العددية لرسم سيناريو لما قد يؤول إليه مصير كوننا إذا اصطدم بكون آخر.

"إذا تشكلت هذه الأكوان الوليدة بالقرب من بعضها، فثمة احتمال كبير لاصطدامها ببعضها في الوقت الذي كان فيه الكون في حالة انفجار وتمدد"

وقد أظهرت نتائجهم أن مثل هذه الاصطدامات العنيفة لا بد وأن تترك خلفها علامات دائرية واضحة في خريطة الإشعاع القديم للكون (إشعاع الخلفية الكونية الميكروي). وعند تنقيبهم في الفضاء بحثا عن هذه الآثار، كانت المفاجأة أنهم وجدوا أربع مناطق تتطابق تماما مع تلك التوقعات. فهل كانت تلك العلامات دليلا على أن أكوانا أخرى اصطدمت بكوننا في السابق؟

غير أن هذه النتائج تخللتها أطياف من الشكوك. فمن جهة، كانت النماذج التي اعتمدت عليها بيريس متخصصة للغاية، ولم تكن بشمولية وقوة البرمجيات التي طورها ليم ورفاقه مؤخرا. ومن جهة أخرى، لا يزال معدل تلك الفقاعات والظروف التي تشكلت فيها أثناء فترة التضخم غامضا، مما اضطر الفريق إلى الاتكاء على بعض الفرضيات التقديرية.

اليوم، تبذل بيريس قصارى جهدها لفهم لغز تصادم تلك الفقاعات بتفاصيل أدق، ويتمحور هدفها حول تطوير خوارزميات النسبية العددية لإضفاء طابع من الدقة على النتائج. وتقول في هذا الصدد: "إننا نسعى لترسيخ القواعد الفيزيائية التي تستند إليها تلك التوقعات، ولا أظن أن ذلك سيؤثر على صحة نتائجنا السابقة".

قطع الباحثون في كندا شوطا طويلا في تحديد الظروف التي تسمح بنشوء تلك الفقاعات الكونية. وتوضح أبحاثهم أن هذه الفقاعات تميل للنمو في المناطق ذات الكثافة العالية، وهو ما يعني أن فرص ظهورها تختلف من مكان لآخر في الفضاء. يمكن الاستفادة من هذه المعلومات لتغذية البرمجيات الحاسوبية لتتوقع بدقة أين ستولد الفقاعات، لأن المكان الذي ستنشأ فيه سيؤثر على احتمالية تصادمها. وبجانب ذلك، تشارك بيريس في تجربة مختبرية، تستخدم خلالها فقاعات داخل مادة سائلة غريبة (مكونة من ذرات بوتاسيوم شديدة البرودة) لمحاكاة تصادم الأكوان.

"الفقاعات تميل للنمو في المناطق ذات الكثافة العالية، وهو ما يعني أن فرص ظهورها تختلف من مكان لآخر في الفضاء"

وفي خطوة تهدف إلى تمكين العلماء من استكشاف الكون بأدوات أحدث، قدّم كل من ليم وكلوف وجوسو أوريكويتشيا من جامعة أكسفورد، مراجعة علمية شاملة لمجال النسبية العددية، آملين أن تفتح نافذة أمام علماء الكونيات لاستغلال هذه الأداة بأفضل طريقة ممكنة.

تصف كلوف هذه المرحلة بأنها لحظة استثنائية يشهدها المجال، إذ يحاول العلماء حاليا تطويع برامجهم لتشغيلها على رقائق إلكترونية أحدث وأسرع. تعلق على ذلك قائلة: "أصبح بإمكاننا الآن إنجاز عمليات المحاكاة التي كانت تستغرق أسبوعين من الانتظار، في غضون يوم واحد فقط تقريبا". ويأمل العلماء أن ترشدهم النسبية العددية إلى "نظرية كل شيء" (وهي الطموح الأكبر لعلماء الكونيات للوصول إلى إطار لتوحيد ميكانيكا الكم التي تفسر عالم الذرة الصغير مع النسبية العامة لأينشتاين التي تفسر الجاذبية وعالم الأجرام الكبيرة)*.

لطالما واجهت النظريات التي تفسر عمل الكون معضلة التعارض فيما بينها. مثلا إن تأملنا قليلا في العمل الذي أنجزه ليم ورفاقه حول ماهية حقل التضخم، سنكتشف أنهم توصلوا إلى أن معظم الأشكال الرياضية اللازمة لحدوث التضخم تتعارض مع نماذج نظرية الأوتار ذلك أن نظرية الأوتار تفترض أن أي فراغ يجب أن يضمحل بسرعة كبيرة، مما يمنع حدوث تضخم كوني مستقر ومستمر.

ومع ذلك، تلوح في الأفق بارقة أمل، فقد أثبتت النتائج أن نماذج جاذب ألفا، يمكن أن توفر المكابح اللازمة للتضخم الكوني بشكل يتلاءم مع افتراضات نظرية الأوتار. والسؤال الأهم هنا: هل يشير ذلك إلى اقترابنا من الوصول للتفسير الأشمل حول نشأة الكون؟ ربما نعم وربما لا أيضا، ولكن ما يمكننا تأكيده هو أن كشف النقاب عن حقبة الانفجار العظيم يمنحنا بالفعل الكثير من المفاجآت.

(*) ملاحظات المترجم

هذه المادة مترجمة عن ( نيو ساينتيست)

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار