قبل أن تصبح صور رواد الفضاء ببدلاتهم البيضاء مشهدا مألوفا، وقبل أن تتردد أصداء جملة نيل أرمسترونغ الشهيرة على سطح القمر، كانت الفراغات السوداء وراء غلافنا الجوي تمثل "المجهول العظيم". ففي تلك الحقبة، كان العلماء يرتجفون أمام تساؤلات وجودية: هل سيتجمد الدم في العروق؟ أم هل ستنفجر الرئتان في غياب الضغط؟ وهل يمكن لعقل كائن حي أن يحتفظ بوعيه وهو يسبح في عدم الجاذبية؟
لم يكن البشر مستعدين بعد للمخاطرة، لذا التفتت البشرية إلى "إخوتنا الصغار" في كوكب الأرض. لقد أرسلنا سفراء صامتين، لا يحملون جوازات سفر أو طموحات سياسية، بل يحملون فقط نبضات قلوبهم وأنفاسهم ليختبروا لنا قسوة الكون.
هؤلاء هم الرواد الحقيقيون الذين خطوا ببراثنهم وأجنحتهم وقواقعهم أولى السطور في كتاب المجد الفضائي.
وبحسب الحقيقة العلمية المرة، فإن رحلة لايكا كانت "تذكرة ذهاب بلا عودة"؛ إذ لم تكن تكنولوجيا استعادة المركبات قد ابتُكرت بعد.
ولسنوات، قيل إنها نفقت بسلام بعد أسبوع، لكن الوثائق المسربة لاحقا كشفت أنها صمدت لبضع ساعات فقط قبل أن تفتك بها الحرارة المرتفعة والإجهاد.
ومع ذلك، فإن تضحية لايكا لم تذهب سدى؛ فبيانات معدل ضربات قلبها وتنفسها أثناء الانطلاق أثبتت للعلماء السوفييت أن الكائن الحي يمكنه تحمل ضغط الإقلاع والبقاء حيا في المدار، مما فتح الباب رسميا لمهمة " يوري غاغارين" التاريخية.
بينما كان السوفييت يركزون على قدرة البقاء، كان تركيز وكالة الفضاء الأمريكية ( ناسا) منصبا على "الأداء". فهل يمكن للكائن الحي أن يعمل في الفضاء؟
في عام 1961، انطلق الشمبانزي "هام" (Ham) في رحلة شبه مدارية، ولم يكن "هام" مجرد راكب سلبي، بل كان رائدا مدربا بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
عاد "هام" بسلام، وقفز من كبسولته بصحة جيدة، ليعيش بعدها 20 عاما في حديقة الحيوان، حاملا لقب "أول رائد فضاء تفاعلي" في التاريخ.
في عام 1963، أرادت فرنسا أن تضع بصمتها في سباق الفضاء، فكانت "فيليسيت" (Félicette) هي المختارة. كانت قطة هادئة من شوارع باريس، خضعت لتدريبات قاسية شملت غرف الطرد المركزي والضوضاء العالية. لتنطلق بعدها على متن الصاروخ "فيرونيك" (Véronique) ولتصل إلى ارتفاع 157 كيلومتراً.
تميزت رحلة "فيليسيت" بزرع أقطاب كهربائية في دماغها لمراقبة النشاط العصبي لحظة بلحظة، ثم عادت القطة بسلام، وقدمت بيانات لا تقدر بثمن عن تأثير الرحلات الفضائية على الجهاز العصبي المركزي. وللأسف، طغى نسيان التاريخ على قصتها لعقود مقارنة بـ"لايكا" و"هام"، حتى أُعيد الاعتبار لها مؤخرا بنصب تذكاري يخلد ذكراها كأول "قطة فضائية" في تاريخ العلم.
هل تتغير غريزة البناء في غياب الجاذبية؟ هذا السؤال قاد العنكبوتين "أرابيلا" و"أنيتا" إلى محطة "سكاي لاب" (Skylab) عام 1973. ففي الأيام الأولى، كانت العناكب تبدو مشوشة، ولم تكن الشباك التي تغزلها سوى خيوط عشوائية لا معنى لها.
لكن المذهل علميا كان قدرة "التكيف المداري"، فبعد فترة وجيزة، طورت العناكب أسلوبا جديدا للتحرك في الهواء، وبدأت في غزل شباك دقيقة ومنتظمة تماما كما تفعل على الأرض، بل كانت الخيوط في الفضاء أكثر رقة وتساويا.
هذه التجربة علمت العلماء أن "النظام الحيوي" يمتلك مرونة مذهلة لإعادة برمجة نفسه بما يتوافق مع البيئات الجديدة، وهو درس جوهري لرواد الفضاء الذين يقضون فترات طويلة في المحطات الدولية.
قد يظن الكثيرون أن البشر هم أول من دار حول القمر، لكن الحقيقة أن هذا الشرف يعود لسلاحف سوفيتية صغيرة كانت على متن المركبة "زوند-5" (Zond 5) في سبتمبر/أيلول 1968. فقد أُرسلت السلاحف في مهمة انتحارية للدوران حول القمر والعودة للأرض لاختبار تأثير الإشعاع الكوني العميق.
عادت السلاحف بعد رحلة استمرت أسبوعا، ورغم أنها فقدت نحو 10% من وزنها، إلا أنها ظلت تتمتع بشهية جيدة ونشاط ملحوظ.
علماء سوفيات مع السلاحف التي سافرت على متن المركبة الفضائية "زوند 5" (متحف غاغارين)كانت هذه السلاحف هي الدليل القاطع على أن الكائنات المعقدة يمكنها السفر إلى "الفضاء العميق" والعودة دون أن تصاب بخلل بيولوجي فوري، مما مهد الطريق لرحلة "أبولو 8" البشرية الأولى التي دارت حول القمر بعد ذلك بشهور قليلة.
إن قصص هؤلاء الرواد من مملكة الحيوان ليست مجرد هوامش في كتب التاريخ، بل هي دروس في الإصرار والمحاولة المستمرة. لقد كانوا الجسر الذي عبرت عليه البشرية من جهل الأرض إلى معرفة السماء. وبينما ننظر اليوم إلى المريخ وما وراءه، يجب ألا ننسى تلك النبضات الصغيرة التي تسارعت في ظلام المدار لتمحضنا الأمان.
إن العلم لا ينقطع، والتواصل بين الأنواع في سبيل البحث عن الحقيقة يظل أسمى صور الوجود. فقد قدمت هذه الكائنات حياتها أو مجهودها دون أن تطلب مجدا، وظل صمتها أبلغ رسالة تحثنا على الاستمرار في المحاولة، فالفضاء الذي فتحه لنا "هام" ولايكا، لا يزال ينتظر منا أن نكون جديرين بتضحياتهم، وأن نحافظ على هذا الكوكب الذي يجمعنا جميعا تحت سماء واحدة مهما ابتعدت بنا المسافات.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة