في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
في عالمنا اليومي، تبدو الأشياء عادية ومنطقية، مثلا إذا تركت كرة لتسقط إلى الأرض فستفعل، ترى السيارة تسير في طريق واحد بشكل طبيعي، وكوكبنا يدور حول الشمس في مدار يمكن حسابه، إلخ.
ما سبق يمكن أن نسميه "مملكة الفيزياء الكلاسيكية"، عالم فيزياء نيوتن وما تلاها من شروح، حيث تتحرك الأجسام في مسارات واضحة، وتبدو الطبيعة كساعة دقيقة يمكن تتبعها خطوة بخطوة.
لكن ما إن ننزل إلى عالم الذرات والإلكترونات والفوتونات حتى تتغير القواعد، ففي هذا العالم الذي يمكن أن نسميه "مملكة فيزياء الكم"، يمكن لجسيم صغير أن يتصرف كأنه موجة، وأن يمر من طريقين في الوقت نفسه، وأن يعبر حاجزا كان يفترض أن يمنعه، إلخ.
لذلك، ومن الوهلة الأولى لابتكارها قبل أكثر من قرن مضى، بدت ميكانيكا الكم كأنها "لغة غريبة" تصف عالما لا يشبه خبرتنا اليومية، عالما منفصلا تماما، تحكمه قوانينه الخاصة.
غير أن دراسة حديثة من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، نشرت في دورية "بروسيدنجز أوف رويال سوسايتي إيه"، تقترح أن الفجوة بين العالمين ربما ليست واسعة كما كنا نعتقد. في هذا السياق، فإن بعض الظواهر الكمية الشهيرة يمكن حسابها بدقة باستخدام نسخة موسعة من أدوات الفيزياء الكلاسيكية، خصوصا ما يسمى "مبدأ الفعل الأصغر" و"معادلة هاملتون-جاكوبي".
عندما يتحرك جسم من نقطة إلى أخرى، فإن الطبيعة لا تختار أي طريق عشوائي، بل تختار المسار الذي يجعل كمية تسمى "الفعل" أصغر أو أكثر كفاءة.
لفهم الفكرة تخيل مثلا أنك تقف على تل، وتريد الوصول إلى بيت في الأسفل، وأمامك طرق كثيرة، فهناك طريق قصير لكنه شديد الانحدار ومتعب، وطريق طويل لكنه سهل، وطريق ثالث يوازن بين المسافة والجهد والزمن، هنا لن تختار بالضرورة أقصر طريق هندسيا، بل الطريق الذي يحقق أفضل توازن بين الطاقة والزمن والحركة.
هذا قريب من فكرة "أقل فعل" في الفيزياء، وهذا المبدأ ينجح في وصف أشياء مألوفة، مثل قذيفة في الهواء أو كوكب في مداره، لكنه لا يكفي لوصف جسيم كمي، لأن هذا الجسيم لا يسلك مسارا واحدا واضحا، بل عدة مسارات.
لحل مشكلة التباين بين المملكتين، أضاف الباحثان إلى الصورة مفهوما آخر هو الكثافة، حيث لم ينظرا إلى الجسيم وكأنه يسير في طريق واحد محدد، مثل كرة تتحرك في خط واضح، بل تعاملا معه كأنه يمكن أن يتوزع بين عدة طرق محتملة، كل منها له احتمال مختلف، ثم يقومان بحساب كثافة احتمالات وجوده وحركته بين الطرق الممكنة.
الجديد في الدراسة أن الباحثين وجدوا طريقة لحساب هذا السلوك باستخدام مسارات كلاسيكية متعددة، مع الكثافة المرتبطة بكل مسار، وبدلا من الحاجة إلى عدد هائل من المسارات، أمكن في بعض الحالات الوصول إلى "دالة موجية كمية" عبر مجموعة محددة من المسارات الكلاسيكية الموسعة.
لكن هذا لا يعني أن الدراسة "أثبتت أن عالم ميكانيكا الكم غير موجود"، أو أن الفيزياء الكلاسيكية القديمة عادت كما هي لتفسير كل شيء، لكن القدرة على إعادة كتابة بعض نتائج ميكانيكا الكم بلغة قريبة من الفيزياء الكلاسيكية تظل إنجازا كبيرا، إن تأكد الأمر بالطبع في سياق دراسات قادمة.
مستقبلا، قد تظهر أولى التطبيقات العملية لهذه النتائج في تبسيط حسابات بعض الأنظمة الكمية، وقد يفيد ذلك مستقبلا في تصميم أو فهم أجهزة كمية صغيرة، مثل الأنظمة التي تعتمد على النفق الكمّي أو تداخل الموجات، لأنه يمنح الباحثين طريقة أبسط لتوقع أين ستظهر الموجة الكمّية، وكيف ستتغير، وما المسارات الأكثر احتمالا.
وفي الحواسيب الكمّية، تتصرف "الكيوبتات" بطرق يصعب نمذجتها بدقة، خصوصا عندما تدخل طاقات غير خطية أو تفاعلات معقدة بين الحالات، ومن ثم إذا أمكن استخدام هذه الصياغة الجديدة لوصف بعض هذه السلوكيات بطريقة أدق أو أقل تعقيدا، فقد تساعد في تحسين تصميم الدوائر الكمّية أو تقليل الأخطاء الحسابية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة