في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
أثارت صورة غزال "دوركاس" الصحراوي الشهير، وقد وضعه مواطن ليبي في صندوق زجاجي لتقديمه هدية لصديقه في يوم زفافه، موجة من التعاطف على مواقع التواصل الاجتماعي قبل أيام، لكن المفاجأة أن هذا الكائن الذي كاد أن يدمع عيني كل من شاهده بنظراته الحائرة داخل الصندوق، هو في حقيقة الأمر كائن ذكي للغاية في بيئته الطبيعية.
ويتجاوز هذا الكائن بذكائه، كونه حيوانا بريا، ليبدو وكأنه نموذج حي لفلسفة كاملة في إدارة الحياة تحت الضغط، بحيث يمنحنا بخطواته الحذرة، واختياراته الدقيقة، وقدرته اللافتة على التكيف مع الندرة، مشهدا أقرب إلى درس عملي فيما بات يعرف حديثا بـ "التنمية البشرية".
ورغم أن العلم يفسر سلوكيات هذا الغزال في إطار "علم البيئة السلوكية"، حيث تحكمه قوانين التطور والبيئة، لا الوعي أو القصد، إلا أن المتأمل في سلوكياته يدرك أنها تقدم دروسا يمكن أن يستفيد منها الإنسان في تعامله مع موارده، ووقته، وضغوطه.
وتكشف نتائج تلك الدراسة أن تكيف غزال "دوركاس" مع البيئات القاسية لا يعني التحمل غير المحدود للضغوط، بل يقوم على إدارة ذكية للإمكانات وحدود القدرة.
وفي هذا السياق، توضح التجارب المعملية التي أُجريت خلال الدراسة أن قدرة الغزال على الصمود ترتبط بشكل وثيق بالظروف البيئية المحيطة، إذ يمكنه البقاء بدون ماء لفترة أطول نسبيا في الأجواء المعتدلة (12 يوما)، بينما تتقلص هذه القدرة بشكل حاد مع درجات الحرارة المرتفعة إلى (5 أيام فقط)، ما يعكس قدرته على إدارة الحياة تحت الضغط والعيش بأقل الإمكانات.
ويتميز سلوك غزال "دوركاس" بميزة أخرى طالما ترددت في دروس التنمية البشرية، وهي "المرونة الاستراتيجية"، وتعني القدرة على تعديل الخطط والسلوكيات بشكل ذكي وسريع للتعامل مع التغيرات غير المتوقعة في البيئة.
وكشفت دراسة ميدانية نشرت بدورية "جورنال أوف إيرِد إنفايرونمنتس" (Journal of Arid Environments)، أن غزال دوركاس يمارس هذه المرونة في استخدام الموائل، حيث أظهر قدرة لافتة على التكيف مع التغيرات البيئية وندرة الموارد في بيئة صحراوية شديدة الملوحة.
وأوضحت الدراسة، التي ركزت على تحليل أنماط استخدام الغزال للموائل النباتية، أن المنطقة التي شملها البحث تتكون من أربعة أنواع رئيسية من الغطاء النباتي، تتوزع من الغرب إلى الشرق وفقا لعمق منسوب المياه الجوفية، وشملت هذه الأنواع تجمعات نباتية متنوعة توفر مستويات مختلفة من الغذاء والمأوى، ما أتاح للغزال فرصة اختيار البيئات الأكثر ملاءمة وفقا للظروف.
وبينت النتائج أن سلوك الغزال لم يكن عشوائيا، بل تحكمه عوامل متعددة، من بينها التنافس مع الأنواع الأخرى، وتوافر الغذاء، ووجود مناطق توفر الحماية، فقد أظهر الغزال قدرة على تعديل نظامه الغذائي بما يتناسب مع التغيرات الموسمية والبيئية، حيث اعتمد في بعض الفترات على البراعم والأوراق الطرية، بينما اتجه في فترات أخرى إلى استخدام نباتات مختلفة مثل الأشجار والشجيرات المنتشرة في المنطقة.
كما أظهرت الدراسة اختلافا في أنماط التغذية بين السنوات، مما يعكس درجة عالية من المرونة في السلوك الغذائي، ففي بعض المواسم، اعتمد على أنواع نباتية معينة في الخريف والشتاء، بينما تحول في مواسم أخرى إلى مصادر غذائية مختلفة خلال الصيف، بما يعكس استجابة ديناميكية للتغير في توافر الموارد.
وتبرز هذه النتائج أنه لا يعتمد على نمط ثابت في العيش، بل يتبنى استراتيجية قائمة على التكيف المستمر مع البيئة المحيطة، وهو ما يمنحه قدرة على البقاء في نظم بيئية تتسم بالقسوة والتقلب.
ويرتبط بالمرونة الاستراتيجية، القدرة على اتخاذ القرار الذكي، وهو ما أثبتته تجربة ميدانية تم خلالها رصد سلوكه بعد إعادة توطينه في بيئة محاطة بسياج تضم أنظمة بيئية متعددة وتنوعا ملحوظا في الموائل بشمال السنغال.
وأظهرت نتائج نشرتها نفس الدورية السابقة "جورنال أوف إيرِد إنفايرونمنتس" (Journal of Arid Environments)، أن الغزلان التي أُطلقت في بيئة جديدة بعد انتقالها من ظروف الأسر إلى شبه الحرية، لم تتعامل مع المكان بشكل عشوائي، بل مارست سلوكا انتقائيا دقيقا، حيث فضلت المناطق المفتوحة ذات الرؤية الواضحة، مثل الهضاب، مقارنة بالمناطق ذات الغطاء الكثيف أو ضعف الرؤية.
ويُعد هذا الاختيار مؤشرا مباشرا على قدرة عالية في اتخاذ القرار القائم على تقييم المخاطر، حيث تميل هذه الغزلان إلى البيئات التي تقل فيها احتمالية التعرض للمفترسات.
كما كشفت البيانات أن هذا النمط من التفضيل لم يتغير مع تغير الفصول، ما يشير إلى وجود ثبات استراتيجي في عملية اتخاذ القرار، يعتمد على أولويات واضحة، هي الأمان، الرؤية، وتوافر الموارد، وهو ما يعكس نموذجا سلوكيا متقدما من حيث القدرة على الموازنة بين الاحتياجات الأساسية والظروف البيئية.
وفي إطار القدرة على اتخاذ القرار الذكي، كشفت دراسة نشرتها دورية "إيكولوجي آند إيفوليوشن" (Ecology and Evolution) عن مهارة هذا الغزال في قراءة العلامات غير المباشرة، لاستخدامها في اتخاذ قرارات أكثر وعيا ودقة في بيئته، ومن هذه العلامات "مواقع الفضلات".
وتعد هذه المواقع بمثابة "إشارات بيئية" تحمل معلومات حول مناطق التغذية، وحدود الحركة، ونشاط الكائنات الأخرى، ما يجعلها أداة فعالة في رسم خريطة ذهنية للبيئة المحيطة.
ومن خلال تحليل هذه العلامات، يستطيع الغزال تحديد المواقع الأكثر أمانا وملاءمة، وتجنب المناطق ذات المخاطر المرتفعة.
وهكذا، تتضح قدرة الغزال على جمع المعلومات من مصادر متعددة وتحليلها، ثم اختيار المسار الأكثر ملاءمة في ضوء معطيات البيئة المتغيرة.
ورغم الذكاء السلوكي للغزال دوركاس، فإنه بات مهددا بالانقراض، حيث كشفت دراسة علمية نشرت بدورية "زولوجي إن ذا ميدل إيست" (Zoology in the Middle East)، أنه فقد نحو 86% من نطاقه الجغرافي التاريخي، في ظل ضغوط متزايدة من الأنشطة البشرية، ما أدى إلى تصنيفه ضمن الأنواع المهددة بالانقراض إقليميا.
وتثير مواجهة الغزال لهذا الخطر تساؤلا منطقيا وهو: هل يقود "الاختيار الصحيح"، إلى نتيجة غير آمنة؟
يقول أستاذ علم الحيوان بجامعة القاهرة الدكتور محمد عادل قدري للجزيرة نت، إن هذا الغزال واجه ضغوطا متزايدة من النشاط البشري، ترتب عليها قيامه بإعادة ترتيب أولوياته بشكل منطقي، إذ فضل الأمان على وفرة الموارد، متجنبا المناطق الأكثر خضرة بسبب ارتفاع المخاطر فيها نتيجة تواجد النشاط البشري.
ويوضح أن هذا السلوك يعكس ما يُعرف علميا بـ"تجنب المخاطر"، أي اختيار البديل الأقل تهديدا، حتى لو لم يكن الأفضل من حيث المكاسب.
وهذا القرار، رغم وجاهته، يكشف عن أن النجاح لا يرتبط فقط بحسن الاختيار، بل بطبيعة البيئة التي تتخذ فيها القرارات.
ويضيف أنه "عندما يضطر الغزال إلى العيش في مناطق أقل جودة غذائيا حفاظا على سلامته، فإنه يحقق بقاء مؤقتا، لكنه يدفع ثمنا على المدى الطويل في قدرته على الاستمرار والتكاثر".
وبذلك، فإن الغزال دوركاس، حتى وهو يواجه مشكلة الانقراض، يقدم درسا مهما يمكن الاستعانة به في التنمية البشرية، وهو أن إدارة الأولويات ليست مجرد اختيار بين بدائل، بل قراءة شاملة للسياق المحيط، فحتى القرار "الذكي"، قد لا يؤدي إلى النتيجة المرجوة إذا كانت الخيارات نفسها محدودة أو غير متكافئة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة