في لحظات الغروب أو الشروق، حين يتغير لون السماء ويهدأ النهار، قد يفاجأ المراقب برؤية شريط داكن ممتد عبر الأفق المقابل للشمس. إنه ظل الأرض، الذي يلقيه كوكبنا على الغلاف الجوي والفضاء خلفه، مصحوبا أحيانا بما يعرف بـ"حزام الزهرة"، وهو القوس الوردي-البرتقالي الرائع الذي يزين الحافة العليا للظل.
هذه الظاهرة اليومية، التي يمكن ملاحظتها بسهولة، تحمل وراءها قصة كونية مذهلة عن الأرض ومكانها في النظام الشمسي، وتتيح لنا فرصة التأمل في دورة الليل والنهار بطريقة جديدة وفريدة.
يُعدّ طلوع وغروب ظل الأرض اليومي مشهدا رائعا لأي شخص على الكوكب. إنها فرصة للاستمتاع بالتغيرات السريعة التي ترافق الغروب أو الشروق، ولكن على الجهة المقابلة من السماء.
على سبيل المثال، في 29 نوفمبر/تشرين الثاني 2021، ظهر ظل الأرض وحزام الزهرة في السماء الشرقية فوق جزيرة "دانكو" في شبه جزيرة القارة القطبية الجنوبية. وبسبب خط عرض الجزيرة الجنوبي العميق واقتراب الصيف، ظل الظل والحزام يدوران حول الأفق طوال الليل، دون أن يختفيا، وقد تم التقاط الصورة حوالي الساعة الواحدة فجرا.
غالبا ما نتجاهل هذه الظواهر المدهشة التي تحدث أمام أعيننا، فمعظم الناس يترقبون الغروب أو الشروق لتصوير الضوء الرائع، لكن إذا حولنا ظهورنا للشمس نحو الشرق، سنشهد طلوع ظل الأرض، الذي تلقيه الكرة الأرضية على الغلاف الجوي.
ورغم بساطة الفكرة (الشمس تغرب، والظل يرتفع)، فإن الانتقال من ضوء النهار إلى الشفق يحدث بسرعة متعددة المراحل، فهو يشبه إلى حد ما مشاهدة كسوف الشمس الكلي، لكن دون قلق بشأن الطقس أو مشاق السفر، فأي مساء صافٍ سيحقق لك المشاهدة.
يمكن رؤية ظل الأرض بعدة طرق في السماء والفضاء. مثل أي جسم مضاء، تلقي الأرض ظلا يمتد خلفها، ويتكوّن من ثلاث مناطق رئيسية:
يمتد مخروط الظل لمسافة تصل إلى نحو 1.4 مليون كيلومتر في الفضاء، وهو ما يسمح بحدوث خسوف القمر. أبلغ الأمثلة عن رؤية الظل تكون عندما يمر القمر خلال المخروط: يدخل أولا منطقة شبه الظل، ثم الظل التام، قبل أن يخرج مرة أخرى. وعند دخول القمر الظل التام بالكامل، لا يختفي بل يتحول إلى لون أحمر قاتم نتيجة انكسار الضوء عبر الغلاف الجوي للأرض الذي يشتت الأزرق ويمرر الأحمر نحو القمر.
لا يقتصر الظل على القمر، بل يؤثر أيضا في الأقمار الصناعية، ومحطة الفضاء الدولية، وتلسكوب هابل الفضائي، وبعض الكويكبات العابرة.
خلال مواسم الكسوف المدارية قرب الاعتدالين، قد تمر بعض الأقمار الثابتة في المدار داخل ظل الأرض لعدة دقائق كل ليلة.
بذلك يصبح ظل الأرض ظاهرة فلكية ملموسة يمكن مشاهدتها سواء على القمر أثناء الخسوف، في السماء خلال الشفق، أو عبر تأثيره على الأقمار الصناعية. يمنحنا هذا الظل لمحة مدهشة عن حجم الأرض ومكانها في الفضاء، ممتدة ملايين الكيلومترات خلفها أثناء دورانها حول الشمس.
عند الغروب، يقع الظل في الجهة المقابلة للشمس ويمتد على نحو 180 درجة تقريبا على طول الأفق. أعلى الظل يظهر حزام الزهرة، القوس البرتقالي-الوردي الناتج عن تشتت أشعة الشمس في الغلاف الجوي.
إذا نظرت شرقا عند الغروب، سترى شريطا منخفضا باللون الرمادي المزرق يرتفع تدريجيا مع غروب الشمس، بينما يزين الحافة العليا للظل حزام الزهرة الغني بالألوان.
وعند اختفاء الحزام بعد حوالي 15 دقيقة، يختلط الظل مع ظلمة الليل، ليمنحنا مشهدا متدرجا من الشفق إلى الليل الدامس.
ومن الممتع مراقبة ظل الأرض وحزام الزهرة عند الغروب أو الشروق، في الصحراء أو الأماكن المفتوحة. وللحصول على أفضل رؤية ابحث عن أفق شرقي مفتوح عند الغروب، أو أفق غربي عند الشروق، وكلما اقتربت الرؤية من الأفق، زادت التفاصيل المرئية.
ومع تغيّر شفافية الهواء والسحب قرب الأفق قد يغير اللون والتباين وشكل الظل والحزام، وقد تظهر أشعة متفرقة خارج الحزام بعد اختفاء الجزء المركزي، لذا توقع دائما مفاجآت جميلة.
تظل أروع لحظة لمشاهدة الظل هي خسوف القمر، حيث يمكن رؤية القمر يتحول تدريجيا إلى اللون الأحمر وهو يمر خلال الظل التام للأرض. هنا، تتجلى كل خصائص الظل: أبعاده وألوانه وتأثيره البصري على الأجسام القريبة، مع إبراز العلاقة المدهشة بين الأرض والفضاء والضوء.
فظل الأرض في السماء يثبت أمرين، أن الأرض كروية، وهو بيّن من شكل الظل، وأن الأرض محاطة بغلاف جوي يسمح لبعض أشعة الشمس أن تتسرب منه إلى القمر أثناء الخسوف الكلي ليظهر بلون أحمر أو برتقالي.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة