آخر الأخبار

المغناطيس في مواجهة الألغام بسوريا.. أمل في إنقاذ الأرواح

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

شخص يتحسس المناطق المشتبه في احتوائها على الألغام بأجهزة متخصصة لكشف الألغام، هذه الصورة النمطية لجهود مكافحة الألغام تتضمن الكثير من التحديات، أبسطها التكلفة المرتفعة لهذا العمل، وأصعبها، أنه عمل لا يخلو من بعض الخسائر البشرية، وهي المشكلة التي يمكن أن تعالجها طريقة مبتكرة تعتمد على كشف الألغام من السماء باستخدام المغناطيس، تسمى "ماجيكس".

وأثبتت هذه الطريقة التي صممها فريق بحثي سعودي، نجاحا معمليا، ومنذ تم الإعلان عنها قبل عامين في دورية "كومبيوترمودلينغ إن إنجنيرينغ آند ساينسز" (Computer Modeling in Engineering and Sciences)، قطع الباحثون خطوات كبيرة لوضعها على طريق التنفيذ العملي، بما يجعلها في وقت قريب، أداة فعالة وسريعة في الحرب على الألغام بدول المنطقة التي تتعافى من عقود من الصراعات والتوترات، وفي مقدمتها سوريا.

وأضحت الألغام مشكلة تؤرق المواطن السوري، فلا تمر فترة قصيرة دون أن نسمع عن وقوع ضحايا لانفجارات، كان أقربها الجمعة 13 فبراير/شباط، حين أصيب طفلان شقيقان أحدهما إصابته خطيرة، بانفجار ألغام من مخلفات الحرب بالقرب من بلدة أم ولد في ريف محافظة درعا الشرقي.

وإجمالا، فقد تسبب انتشار الألغام في مقتل 249 شخصا على الأقل، بينهم 60 طفلا، وإصابة 379 آخرين منذ 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، وذلك بحسب "المنظمة الدولية لسلامة المنظمات غير الحكومية" المعنية بتتعزيز سلامة عمال الإغاثة.

ويقول الأستاذ بكلية الحوسبة وتقنية المعلومات بجامعة الملك عبد العزيز بالسعودية الدكتور أحمد برناوي، وقائد الفريق البحثي في تصريحات خاصة للجزيرة نت إنه "بالنظر إلى مناطق مثل سوريا، حيث لا تزال ملايين مخلفات الحرب غير المعلوم أماكنها تشكل تهديدا مميتا، يقدم نظام ماجيكس لاكتشاف الألغام أداة كشف عالية الدقة ومنظمة لإزالة الألغام بسرعة".

مصدر الصورة أثبتت هذه الطريقة التي صممها فريق بحثي سعودي، نجاحا معمليا في كشف الألغام (شترستوك)

كيف يعمل "ماجيكس"؟

ويشرح الدكتور أحمد آلية عمل هذا النظام القائم على التصوير المغناطيسي، قائلا إنه "يعمل من خلال نشر طائرات مسيرة مزودة بمجسات مغناطيسية محمولة جوا لمسح المناطق الملوثة، وتُحدد هذه المجسات "البصمات المغناطيسية" الفريدة للذخائر غير المنفجرة، والتي يُمكن اكتشافها سواء كانت مدفونة أو موضوعة على السطح".

إعلان

ويضيف أن "هذه البصمات تمثل تشوهات محددة في المجال المغناطيسي للأرض ناتجة عن المواد المعدنية أو المتخصصة الموجودة داخل اللغم".

ويسبق انطلاق الطائرات المسيرة إلى المناطق الملوثة تخطيط مسبق يقوم فيه الذكاء الاصطناعي بدور كبير.

ويقول الباحث: "يتم إدخال صور من الأقمار الصناعية إلى نموذج تعلم آلي، ليقوم تلقائيا بتقسيم التضاريس وفقا لمناطق الاهتمام، حيث يحدد أولويات المناطق الأكثر احتمالا للتلوث بمخلفات الحرب، مثل طرق عسكرية قديمة، مناطق نزاع سابقة، وتضاريس تستخدم عادة لزرع الألغام، ومن ثم يتم تخطيط المسار الأمثل للطائرة المسيرة لعبور التضاريس الملوثة، وهذا من شأنه تقليل وقت الطيران واستهلاك البطارية وكمية البيانات".

التفرقة بين "اللغم" والقطع المعدنية

ويتغلب نظام "ماجيكس" على واحدة من أكبر التحديات التقنية في كشف الألغام، وهي التمييز بين اللغم الحقيقي وبين قطع معدنية عادية مدفونة في الأرض، مثل الخردة أو المسامير أو بقايا حديد.

ويقول دالدكتور أحمد إن "هناك حلين متكاملين يعتمدهما النظام للتغلب على المشكلة، أحدهما تحسين دقة التعرف على الألغام، والآخر فهم طريقة زرع الألغام".

ويعتمد الحل الأول على جمع بيانات مغناطيسية عالية الدقة جدا، بحيث تصل الدقة إلى درجة أنه حتى الألغام الصغيرة يمكن رصدها بوضوح، ويتحقق ذلك، بتحليق الطائرات المسيرة ببطء وعلى ارتفاعات منخفضة، كما يتم تدريب الذكاء الاصطناعي على كميات ضخمة من البيانات، تتضمن بيانات حقيقية وبيانات محسنة ومضاعفة، بهدف تعليم النظام الشكل المغناطيسي المميز لكل لغم.

أما الحل الثاني، وهو أنه يتم تدريب النظام على النظر لطريقة زرع الألغام، وليس اللغم فقط، فالألغام لا تزرع عشوائيا، لكن تزرع في صفوف أو شبكات أو أنماط متكررة معروفة عسكريا، والنظام لا ينظر إلى "جسم واحد" فقط، بل يحلل توزيع الأجسام المغناطيسية، وعلاقتها ببعضها في المكان، وإذا وجد نمطا يشبه خرائط زرع الألغام المعروفة، فهذا يزيد من احتمالية أن تكون الأجسام ألغاما فعلية، وليس خردة.

ويقول الباحث إن "التضافر بين الحلين، يجعل النظام قادرا على التفرقة بين لغم حقيقي، وقطعة معدن عشوائية، ويحقق ذلك دقة تصل إلى 97.8%، وهي نسبة عالية جدا في هذا النوع من التطبيقات الخطرة".

مصدر الصورة يعمل النظام من خلال نشر طائرات مسيرة مزودة بمجسات مغناطيسية محمولة جوا (أسوشيتد برس)

أداة فعالة في سوريا بشروط

وانطلاقا من هذه المزايا، يرى أن هذه الأداة يمكن أن تنضم لجهود مكافحة الألغام في سوريا، من أجل تقديم حلولا تقنية متقدمة لتسريع عمليات نزع الألغام بطريقة تقلل التكاليف التشغيلية وتحد من المخاطر البشرية، مقارنة بطرق إزالة الألغام التقليدية.

ومع ذلك يعترفالباحث بأن الوضع في سوريا يمثل حالة خاصة جدا، تجعل هناك ضرورة لتكييف النظام كي يصلح للعمل هناك.

ويقول إن "العمل داخل مناطق مأهولة أو شهدت صراعا طويلا مثل سوريا يفرض تحديات خاصة لا تواجهها الأنظمة عادة في البيئات المفتوحة أو غير المأهولة، فحتى ينجح الكشف عن الألغام يجب أن تطير الطائرات المسيرة على ارتفاع منخفض وبسرعة بطيئة، وذلك للحصول على بيانات مغناطيسية دقيقة، لكن في سوريا، حيث توجد مبان مهدمة وأعمدة كهرباء وأشجار وأحيانا مدنيون في نفس منطقة المسح، فلابد من إضافة أنظمة متقدمة لتجنب العوائق تمنع اصطدام الطائرة بالأجسام أو بالبشر، وهذا شرط أساسي لجعل التكنولوجيا آمنة وقابلة للتطبيق فعليا".

إعلان

ومن التحديات الأخرى في الحالة السورية هو أن خرائط الأقمار الصناعية الحالية غير كافية، فالدمار الواسع الذي شهدته سوريا قبل الاستقرار الحالي، غير كثيرا في شكل المدن والطرق، ويجعل هناك صعوبة في الاعتماد على خرائط قديمة، وبالتالي هناك حاجة لإنشاء خرائط أقمار صناعية محدثة ومشروحة، يتم فيها تحديد مناطق البحث وتصنيفها، وترتيبها حسب درجة الخطورة، وهذه المرحلة تستخدم في التخطيط المسبق، لتحديد مناطق الاهتمام والتركيز على الأماكن الأكثر تهديدا للسكان.

ويشير الباحث إلى تحد ثالث، وهو أهمية إعادة معايرة النماذج باستخدام عينات بيانات إضافية من الذخائر غير المنفجرة في التربة السورية نظرا لخصائصها المغناطيسية الفريدة.

ويقول: "التغلب على هذه التحديات ليس صعبا، وتجاوزها شرط أساسي لنجاح النظام في الحالة السورية".

اختبارات قريبة في بيئات واقعية

وعن ما تحقق خلال عامين منذ نشر الدراسة التي تم الإعلان فيها عن هذا النظام، يقول الباحث إن عددا من مكونات الإطار التقني للنظام جرى تطويره واختباره عمليا بنجاح، حيث تم بناء ونشر طائرات مسيرة مزودة بمستشعرات قياس مغناطيسي لتنفيذ مراحل التخطيط المسبق وعمليات "البحث والعثور" عن الأجسام المشبوهة.

وأوضح أن نماذج الذكاء الاصطناعي المصاحبة للنظام خضعت لاختبارات دقيقة لإثبات كفاءتها، إلا أن هذه الاختبارات أُجريت باستخدام بيانات اصطناعية داخل بيئة محاكاة بهدف إثبات الفكرة علميا.

ويختم قائلا: "نعمل حاليا على تطوير نموذج أولي متكامل لإجراء اختبارات شاملة في بيئات واقعية، تمهيدا لاعتماد النظام ميدانيا".

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار