آخر الأخبار

علماء للجزيرة نت: حلقات الأشجار تخبرنا أكثر من مجرد عمرها

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

إذا سبق لك أن رأيت جذع شجرة مقطوعة، فلا بد أنك لاحظت الحلقات الدائرية التي تشبه هدف الرماية على سطحها.

يعرف معظم الناس أنه يمكن معرفة عمر الشجرة بدقة من خلال عد هذه الحلقات، ولكن المقطع العرضي لجذع الشجرة يحمل معلومات أعمق بكثير من مجرد عدد السنوات.

وتقول أستاذة علم بيئة الغابات وتأريخ حلقات الأشجار في جامعة البوليتكنيك في مدريد، إيزابيل دورادو لينان إن "حلقات الأشجار تتكون نتيجة انقسام خلايا النسيج المولد الثانوي، وهو طبقة رقيقة من الأنسجة تحيط بجذع الشجرة وتقع بين اللحاء والخشب".

وتضيف في حديثها للجزيرة نت "يخضع نشاط هذا النسيج بدرجة كبيرة للعوامل البيئية؛ إذ إن بداية نشاطه وتوقفه، وكذلك سرعة إنتاج الخلايا، تتحدد عادة بعوامل مناخية مثل مدة الإضاءة الشمسية، ودرجة الحرارة، وتوفر الرطوبة".

أكثر من مجرد عمر الشجرة

باستخدام أداة مزودة بأنبوب قطع رفيع بحجم قلم الرصاص، تُعرف باسم المثقاب الحلقي، يستخرج الباحثون من جذع الشجرة عينات أسطوانية دقيقة بقطر نحو 5 مليمترات تُسمى "لب الشجرة"، لاستخلاص المعلومات المخزنة في حلقاتها.

يعد تأثير هذه العملية على الشجرة محدودا للغاية، ويشبه نشاط الحشرات الطبيعي، أو ما يماثل الخزعة الطبية لدى البشر. ويُظهر كل لب شجري نمطا من الحلقات غير المتطابقة في عرضها بسبب اختلاف ظروف النمو من عام إلى آخر.

تقول إيزابيل "كان قياس عرض حلقات الأشجار أول مؤشر جرى استخدامه، ولا يزال الأكثر شيوعا حتى اليوم، ثم تلاه تحليل كثافة الخشب، ثم ظهر مؤخرا مجال التشريح الكمي للخشب، الذي يعتمد على السمات البنيوية للخلايا كمؤشر جديد".

وتمثل حلقات الأشجار، بما في ذلك سُمكها ولونها وتسلسلها، تعاقب مراحل النمو الموسمي. وهذا النمط المنتظم يعكس الإيقاع السنوي لحياة الشجرة.

ومن خلال العد الدقيق لهذه الحلقات، يمكن للعلماء تحديد عمر الشجرة عند قطعها فحسب، بل أيضا الفصل الذي تم فيه القطع، وما إذا كانت الشجرة قد ازدهرت أو تعرضت لأمراض أو عانت من ضغوط بيئية خلال حياتها.

إعلان

على سبيل المثال، غالبا ما تترك السنوات الرطبة حلقات أعرض، إذ تسمح المياه الوفيرة للشجرة بالنمو بشكل أفضل مقارنة بالسنوات الجافة، بينما تظهر السنوات القاسية على شكل حلقات ضيقة. أما الندوب الداكنة فقد تشير إلى حرائق غابات، بينما قد تكشف علامات أخرى عن اجتياح حشري.

ولا تقتصر أهمية الحلقات على رصد الضغوط البيئية فحسب، بل يمكنها أيضا ربط الأشجار بأحداث تاريخية محددة. فمن خلال مطابقة أنماط الحلقات المتزامنة، يمكن ربط لُبّين مأخوذين من شجرتين عاشتا في فترتين مختلفتين، لتشكيل تسلسل زمني أطول يمتد عبر قرون.

وتُعرف هذه التقنية باسم "علم تأريخ حلقات الأشجار"، ويمكن من خلالها تحديد أعمار الأشجار حتى بعد قرون من قطعها، وكذلك تحديد أقصى عمر محتمل للهياكل الخشبية واللقى الأثرية.

كما يستطيع الباحثون تأريخ الأخشاب المستخدمة في تشييد المباني التاريخية والقديمة أو في صناعة القطع الخشبية المختلفة، ويتم ذلك عبر تقنية تُعرف بـ"المطابقة المتقاطعة"، وهي عملية مقارنة أنماط الحلقات بين عينات خشبية معروفة العمر وأخرى مجهولة العمر.

واستُخدمت حلقات الأشجار لتقدير تواريخ تشييد بعض أشهر المباني التاريخية، مثل مساكن ميسا فيردي الصخرية وكنيسة المهد في بيت لحم، كما أسهمت في إنشاء سجلات زمنية متصلة لنمو الأشجار تمتد إلى نحو 7 آلاف أعوام في إنجلترا، وتصل إلى قرابة 12 ألف سنة في أوروبا.

مصدر الصورة في البيئات الجافة، تعكس حلقات الأشجار عادة السنوات الرطبة والجافة (وكالة الأناضول)

الأشجار كسجلات طبيعية مذهلة

تسجل أنماط الحلقات الواسعة أو الضيقة التغيرات السنوية في نمو الأشجار. وغالبا ما تحمل هذه الأنماط سجلا مناخيا طويل الأمد للموقع الذي نمت فيه الشجرة، يمتد لعقود وقرون، بل وأحيانا آلاف السنين.

في البيئات الجافة، مثل الشرق الأوسط أو جنوب غرب الولايات المتحدة، تعكس حلقات الأشجار عادة السنوات الرطبة والجافة. أما في المناطق الأبرد، فغالبا ما تُستخدم سماكة الحلقات لتقدير درجات الحرارة أو معدلات الأمطار في الماضي على امتداد عمر الشجرة.

ووفقًا لإيزابيل التي تركز أبحاثها على بيئة الغابات ودراسة حلقات الأشجار في سياق تغير المناخ، تخزن حلقات الأشجار، في خصائصها الفيزيائية والكيميائية، معلومات تفصيلية عن الظروف البيئية التي أثرت في نموها، مثل المناخ والآفات وحرائق الغابات، وغيرها من العوامل أو المخاطر التي تؤثر في نمو الأشجار.

وتضيف "باستخدام الأدوات والمنهجيات المناسبة، يمكن استخراج هذه المعلومات لإعادة بناء التغيرات البيئية في الماضي. وبذلك تعد حلقات الأشجار -المؤشر البيئي- سجلات أرشيفية للبيئة الماضية بدقة زمنية سنوية واضحة، بل وأحيانا موسمية".

وتسهم هذه السجلات في تعميق فهمنا للتقلبات المناخية الطبيعية، كما توفر خطا أساسيا يمكن من خلاله تقييم أثر التغير المناخي الناتج عن الأنشطة البشرية في مناطق عديدة من العالم.
وإلى جانب دورها في إعادة بناء المناخ والكوارث الطبيعية والظواهر المتطرفة، فهي أداة مهمة لفهم التغيرات الفسيولوجية التي تمر بها الأشجار طوال حياتها. فالأشجار ليست مجرد مسجلات سلبية للبيئة، بل تمتلك القدرة على تعديل وظائفها الحيوية استجابةً للتغيرات البيئية.

إعلان

وفي بعض الأحيان، تكشف حلقات الأشجار عن كيفية استخدام الأراضي المحيطة بها في الماضي. فقد تكون المنطقة المحيطة بشجرة واحدة قد تعرضت لاضطرابات مثل الزراعة، أو إزالة الغابات، أو التوسع العمراني، وهي أحداث يمكن رصد آثارها أحيانا في أنماط الحلقات.

وتختم إيزابيل بقولها "تساعدنا دراسة هذه القدرات وحدودها على فهم العتبات الفسيولوجية للأشجار، واستشراف احتمالات ضعف الغابات، التي تعد أكبر مخزن للكربون على الأرض، وكذلك توقع تحولات الأنواع والأنظمة البيئية في ظل تغير المناخ".

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار