شاهد على حرب أكتوبر ١٩٧٣
كان يفصل بينى وبين دفاعات العدو الإسرائيلى فى خط بارليف مسافة ٢٠٠ متر فقط، هى عرض القناة. وتعرضت خلال السنوات الست، وخاصة فى حرب الاستنزاف، لمختلف أنواع التراشق بالنيران، بدءًا من نيران الأسلحة الصغيرة ودانات الهاون، ثم نيران المدفعية، وصولًا إلى الهجمات الجوية، وكان آخرها إلقاء قنابل النابالم على موقع سريتى.
وخلال هذه الفترة عاصرت تهجير أبناء بلدى بورسعيد، ومعهم أبناء الإسماعيلية والسويس، الذين تركوا منازلهم وهم لا يعلمون إلى أين هم ذاهبون. فالأطفال تركوا مدارسهم وأصدقاءهم، وعاشت عائلات من بورسعيد فى عشش رأس البر.
ورفض والدى ووالدتى ترك مدينة بورسعيد، وعندما كنت أزورهما هناك فى إجازتى من الجبهة، كنت أنزل وأتجول فى مدينتى الحبيبة بورسعيد، التى أصبحت خالية من البشر، ليس فيها إلا رجال القوات المسلحة، وخاصة أبطال الدفاع الجوى، الذين أدوا بطولات عظيمة خلال هذه الفترة ضد هجمات العدو الجوية على مدينة بورسعيد، حيث كانت خارج مدى حائط الصواريخ المصرى.
كذلك كان الدعم الشعبى للقوات المسلحة عظيمًا، وما زلت أتذكر مرحلة بناء حائط الصواريخ، حيث كان أبناء ورجال «المقاولون العرب» هم الذين يبنون دشم حائط الصواريخ. وفى إحدى الليالى، هاجم الطيران الإسرائيلى أحد المواقع أثناء تجهيزه بواسطة العمال، وبعد انتهاء الغارة، طلب منى قائد الكتيبة أن أذهب إلى مكان البناء لتقديم أى عون قبل وصول عربات الإسعاف من مستشفى فايد العسكرى.
ووصلت إلى هناك، وكانت المأساة؛ حفرة أحدثتها دانة زنة ألف رطل ألقتها الطائرات الإسرائيلية، وبداخلها عشر جثث للعاملين، لا يمكن أن تتعرف على الرؤوس لمن، ولا الأيدى والأرجل لمن. ولكن كانت العظمة فى صباح اليوم التالى، عندما جاءت الوردية الجديدة لتستمر فى بناء وإنشاء الموقع، وكانت تلك رسالة إلى العدو الإسرائيلى بأن الشعب المصرى هو الذى يحارب جنبًا إلى جنب مع رجال القوات المسلحة.
وخلال حرب الاستنزاف، كنا نتدرب على الأسلحة الجديدة التى وصلتنا من الاتحاد السوفيتى. كنا نذهب إلى بحيرة قارون فى معسكر لعدة أسابيع، نتدرب على العبور باستخدام المركبات المدرعة البرمائية الجديدة. وكانت المرة الأولى التى نستخدم فيها هذه المركبات، وبدأنا نتعلم السباحة بها فى مياه بحيرة قارون نهارًا، ثم نتدرب ليلًا، ثم الرماية نهارًا أثناء العبور، والرماية ليلًا، وهكذا كان الاستعداد لعبور قناة السويس.
ثم كانت المناورات الكبرى بالقوات والأسلحة على أحد أفرع النيل فى دلتا مصر. كل ذلك ونحن ننتظر اليوم الموعود لعبور قناة السويس واقتحام خط بارليف فى اتجاه سيناء الحبيبة، ورفع العلم المصرى فوق أرض الفيروز.
وجاءت لحظة السادس من أكتوبر ١٩٧٣، وشاهدت أحداث الحرب من داخل غرفة عمليات القوات المسلحة، حيث كنت أصغر ضابط فى هذا المركز.
وعرضت خلال كتابى هذا جميع اللحظات والأحداث فى هذه الحرب، منذ وصول الرئيس السادات بزيه العسكرى فى الثانية عشرة ظهرًا، ليتابع بدء أعمال القتال والضربة الجوية. وأتذكر أنه بعد نجاح الضربة الجوية، قام المشير أحمد إسماعيل بإبلاغ الرئيس السادات باستشهاد شقيقه، الطيار عاطف السادات، ضمن قوات الضربة الجوية، خلال مهاجمته مطار المليز الإسرائيلى.
وتمضى أجمل اللحظات ونحن نتلقى بلاغات سقوط نقاط خط بارليف، ورفع العلم المصرى على أرض سيناء، ثم فتح رجال المهندسين الساتر الترابى، ثم نزول الكبارى، فى الوقت الذى نجحت فيه فرق المشاة الخمس فى عبور القناة وصد احتياطيات العدو المدرعة الإسرائيلية، والكل متشبث بأرض سيناء.
وبدأ عبور الدبابات والمدفعية إلى الضفة الشرقية للقناة، وإنشاء رؤوس الكبارى للفرق الخمس، وأصبح لدينا ٣٠٠ ألف مقاتل على الضفة الشرقية للقناة، ونجح حائط الصواريخ المصرى فى منع الطائرات الإسرائيلية من التدخل فى عملية العبور.
واختُتمت هذه الحرب بمعركة السويس، التى منعت الجيش الإسرائيلى من دخول المدينة، وهى معركة عظيمة يذكرها التاريخ، خاضها أبناء المقاومة الشعبية ورجال القوات المسلحة.
وكان أكبر شاهد على ذلك الدبابات الإسرائيلية المحترقة عند مدخل مدينة السويس.
وهكذا عرضت فى هذا الكتاب أحداث هذه الحرب، حيث كنت شاهدًا على حرب أكتوبر ١٩٧٣؛ الرائد سمير فرج، أحد أبناء العسكرية المصرية.
ولعل أهم ما عرضته فى هذا الكتاب هو مناظرتى، التى تمت على شاشات قناة «BBC» فى إنجلترا، مع الجنرال شارون، وزير الدفاع الإسرائيلى الأسبق، حول حرب أكتوبر ١٩٧٣. ولعل أهم ما جاء فى هذه المناظرة ليس حصولى على ثمانى نقاط من معهد الدراسات الاستراتيجية، الذى كان يحكم على هذه المناظرة، مقابل حصول شارون على أربع نقاط، ولكن الأهم كان إجابة الجنرال شارون عن سؤال من جانب معهد الدراسات الاستراتيجية: ما أهم مفاجأة قدمها المصريون فى هذه الحرب؟.
وكانت إجابته واضحة ومفاجئة: «هى الجندى المصرى الجديد الذى قابلته فى تلك الحرب، لم يكن ذلك الذى قابلته فى حربى ١٩٥٦ و١٩٦٧، هذا الجندى المقاتل الشجاع».
وحكى أن ثمانية جنود من الكوماندوز وقفوا أمام عشر دبابات إسرائيلية، وهم متأكدون من استشهادهم. وأضاف أنه يجب على جيش الدفاع الإسرائيلى أن يعرف أنه فى أى حرب قادمة سيقابل جنديًا مصريًا جديدًا لم يقابله من قبل.
وهكذا يصبح هذا الكتاب وثيقة مهمة تقدم للقارئ المصرى شهادة عما حدث فى حرب أكتوبر ١٩٧٣.