كان يحلم باليوم الذى تكتمل فيه شقته ليتمكن من إتمام زواجه، بعدما قضى سنواته بين العمل والسعى وراء لقمة العيش، لا يشغله سوى مساعدة والديه وتلبية احتياجاتهما، وكذلك الاستعداد لبداية حياة جديدة كان ينتظرها بشوق كبير، ولكن لم يمهله القدر، وانتهت حياته إثر مشادة كلامية نشبت بسبب خلاف على تحميل الركاب، ليغادر الدنيا تاركاً خلفه حلماً لم يكتمل، وأسرة مكلومة لم تجد أمامها سوى استقبال جثمانه.

لم يكن «أحمد عبد العال دياب»، 17 عاماً، مجرد شاب يعمل سائقاً بحثاً عن رزقه، بل كان الابن الوحيد لوالديه وسندهما فى الحياة، بحسب أسرته وأبناء قريته، الذين وصفوه بالطيبة وحسن الخلق، مؤكدين أنه كان يسعى لإنهاء تجهيز شقته والاستعداد للزواج، قبل أن تنتهى حياته فى لحظات لم يتوقع أحد أن تكون الأخيرة.

بصوت يملؤه الحزن، قال عبدالعال دياب، والد المجنى عليه، أن نجله كان ابنه الوحيد وسنده فى الدنيا بعد وفاة شقيقه الأكبر فى حادث منذ سنوات، وكان «أحمد» يقضى معظم وقته فى العمل من أجل تحصيل رزقه ومساعدته فى احتياجات المنزل وتجهيز شقته، لافتاً أنه أصبح لا يقوى على العمل نظراً لظروف مرضه، وكذلك مرض والدته، فقد كان الابن هو العائل ومصدر الرزق الوحيد فى المنزل.

وأضاف: «ابنى كان طيب وخلوق وحنين، عمره ما اشتكى من حد ولا حد اشتكى منه، وكان بيشتغل علشان يشطب شقته، وكان نفسه يتزوج ويفرح زى باقى الشباب، لكن كل ده انتهى فى لحظة».

وتابع الأب أن نجله كان دائماً حريصاً على أسرته، ولم يكن يشغله سوى العمل والعودة إلى المنزل، قائلاً: «كان نفسى أشوفه عريس وأفرح بيه، لكنه راح منى وترك مكانه فراغ كبير محدش يقدر يعوضه»، فهو الإبن الوحيد على 4 بنات، وكان العائل الوحيد لوالديه وشقيقاته وعملته، وأصبحت من بعده بلا عائل فقد كان السند والضهر، موضحاً أن نجله كان يستقل سيارته التى يعمل عليها وقد انتهى من تحميل الركاب، ومعه أحد الركاب فى الكرسى الأمامي، ولكن المتهم ويعمل سائق داخل الموقف، أراد أن يفرض على ابنى راكب آخر عنوة بجوار الراكب الذى تكفل بدفع أجرة الكرسى الفارغ، وعندما رفض نجلى تشاجر معه المتهم ولاحقه دون تحميل الركاب، وعند وصولهم إلى قرية السعديين افتعل المتهم معه مشكلة وتعدى عليه بالضرب مستخدماً أداة «حجر» ما أسفر عن إصابته التى نقل على إثرها إلى المستشفى ولفظ أنفاسه الأخيرة، قائلا نحن نثق فى القضاء العادل ونريد القصاص ممن حرمنا من ابننا الوحيد.

أما والدته، فلم تستطع إخفاء دموعها وهى تتحدث عن ابنها الوحيد، قائلة: «ابنى الوحيد راح منى.. كان دايما بيفرحنا وبيساعد والده، وبيشوف طلباتنا، وابتسامته ما كانتش بتفارق وشه»، قائلة: «ملحقتش أفرح بيه، كان نور عينى اللى بشوف بيها، وحسبنا الله ونعم الوكيل فى اللى حرمنى منه».

والتقطت عمة المجنى عليه الحديث قائلة: أن أحمد كان يمثل الكثير لأسرته، وكان يتمنى أن يرى والديه وشقيقاته سعداء، مضيفة: «كان نفسه يفرح ويسعد والديه وشقيقاته وأبناء شقيقاته وعماته، وكان كل حاجة بالنسبة لنا.. راح غدر، وإحنا عايزين القصاص العادل».

كانت الأجهزة الأمنية بالشرقية تلقت إخطاراً من مركز شرطة فاقوس، يفيد باستقبال مستشفى الأحرار التعليمى بالزقازيق شاب يدعى «أحمد. ع. د»، 17 عامًا، سائق، مقيم بقرية سوادة بدائرة المركز، مصاباً بنزيف داخلي، وجرى وضعه تحت الرعاية الطبية بقسم العناية المركزة.

وبحسب التحريات الأولية، فقد نشبت مشادة كلامية بين المجنى عليه وآخر يدعى «صالح. ال»، 27 عامًا، سائق، مقيم بالسعديين بدائرة المركز، على إثر خلاف بشأن تحميل الركاب، قبل أن تتطور المشادة إلى تعدى على المجنى عليه باستخدام أداة «حجر»، ما أسفر عن إصابته ونقله لتلقى العلاج، قبل أن تتدهور حالته ويفارق الحياة.

وعقب تقنين الإجراءات، تمكنت الأجهزة الأمنية من ضبط المتهم، وتحرر المحضر اللازم بالواقعة، وبالعرض على النيابة العامة قررت التصريح بالدفن عقب الانتهاء من الصفة التشريحية لبيان سبب الوفاة وكيفية حدوثها والأداة المستخدمة، كما طلبت تحريات المباحث حول الواقعة وملابساتها، وقررت حبس المتهم على ذمة التحقيقات.

وتحولت شوارع قرية أبو شلبى إلى مشهد جنائزى مهيب، بعدما احتشد المئات من الأهالى لتشييع جثمان أحمد، والمشاركة فى وداعه الأخير، وتوافد الأهالى على المسجد الكبير بالقرية لأداء صلاة الجنازة، قبل أن يتحرك الجثمان إلى مقابر العائلة، وسط حالة من الحزن بين أسرته وأصدقائه وأبناء قريته.

وعلى امتداد الطريق إلى المقابر، حمل الأهالى جثمان الشاب الذى لم يمهله القدر لاستكمال تجهيز شقته أو تحقيق حلمه بالزواج، وردد بعض المشيعين عبارات «مع السلامة يا عريس»، مودعين ابن قريتهم الشاب الذى خرج يوماً بحثاً عن لقمة العيش، فعاد إليها فى نعش، تاركاً خلفه والدين فقدا ابنهما الوحيد، وحلمًا بالزواج لم يكتمل.