كيف تبدو «جنة الذكاء الاصطناعي»؟ كيف لنا أن نتصور «اليوتوبيا» التى سيعيشها البشرُ فى مستقبلٍ ليس بعيداً، إذا قُدر لهم أن ينعموا بثمار هذه التكنولوجيا مع تجنب مضارها ومخاطرها؟ هذا سؤالٌ حاول أن يجيب عنه الفيلسوف الإنجليزى السويدى المولد «نيك بوستروم»، وهو من أوائل الفلاسفة الذين لفتوا النظر لمخاطر الذكاء الاصطناعى الوجودية قبل سنوات من انفجار ثورته الكبرى على نحو ما نشهد فى هذه الآونة. اليوم، وبدلاً من التحذير من المخاطر، يسعى الرجلُ أيضاً لتصور «السيناريو الجيد». المدهش أن ما يطرحه فى هذا الصدد أيضاً يحمل من عناصر القلق والانزعاج والخوف بأكثر مما ينطوى على بواعث الاطمئنان والأمل!

يحتاج تصور السيناريو الجيد لمسار الذكاء الاصطناعى إلى قدرٍ لا بأس به من الخيال. وقد ثبت لنا أن ما كان خيالاً منذ سنوات قليلة صار اليوم واقعاً يدق الأبواب بعنف، ويفرض نفسه على الواقع المعيش للبشر. الفكرة الأساسية التى يطرحها «بوستروم» هى أن التقدم سوف يحدث بسرعة جداً فى كافة المجالات. وغاية التقدم التكنولوجي، عبر العصور، تمثلت دوماً فى التخلص من القيود التى تُكبل «التجربة الإنسانية». مثلاً استخدام الحيوان فى الزراعة أزاح قيد العمل العضلى الذى يقوم به البشر، واختراع الكتابة أزاح القيد على الذاكرة البشرية.

الشيخوخة مثلاً قيدٌ هائل على البشر. قيدٌ بيولوجى يستحيل تجاوزه. على أن الذكاء الاصطناعى يُمكن أن يُغير طبيعة الشيخوخة نفسها، ومن ثمّ يزيح هذا القيد الحاكم لتجربة الإنسان. العمل أيضاً قيدٌ. لا يُمكن كسب العيش من دون عمل. ولكن فى «جنة الذكاء الاصطناعى الموعودة» يُمكن للإنسان أن يكسب من دون أن يعمل. العمل نفسه كمفهوم قد يختفي، إذ ستقوم أنظمة الذكاء الاصطناعى بالأعمال، العضلية والذهنية على السواء، التى تؤدى إلى الإنتاج. هل هذا شيء جيد أم سيئ؟

قد نسارع إلى رفض هذا السيناريو باعتبار ما حضت عليه الثقافة البشرية، فى كافة تجلياتها، من قيمة العمل للإنسان والمجتمع. على أن «نيك بوستروم» يُذكرنا بأن بعض الفئات تنعم بحياةٍ تقوم على متعةٍ بلا عمل. لنتأمل مثلاً الأطفال. هم لا يعملون لكسب العيش، ويقضون أيامهم بين اللعب واكتشاف الحياة والتعلم والتواصل الاجتماعي. لماذا نستبعد مستقبلاً بشرياً يدور فى هذا الأفق ذاته؟ لماذا لا نتصور ثقافة إنسانية مختلفة لا تضع العمل فى هذه المكانة السامية التى يحتلها فى ثقافتنا الحالية؟ ثمة فئة أخرى لا تعمل، ويُمكنها مع ذلك الاستمتاع بحياة ثرية ومثمرة. هؤلاء هم أرباب المعاشات. المشكلة التى تواجه هؤلاء تتمثل أساساً فى تراجع الصحة التى تصحب الشيخوخة، ولكن ماذا لو نجح الذكاء الاصطناعى فى تخليص البشر من هذا القيد كما ذكرنا آنفاً؟ لا يبدو الأمر منفراً كما بدا للوهلة الأولى. الحياة فى اليوتوبيا المتصورة هى حياة تخلو من الكدح، وتركز على الاستمتاع الثقافى والاجتماعى والسعى إلى السعادة. ولكن هذا السعى ذاته قد تتغير طبيعته أيضاً.

ممارسات البشر من أجل الحصول على السعادة تنطوي- فى كثيرٍ من جوانبها- على بذل جهد. أبسط صور ذلك هو ما يسعى إليه العدّاء من الحصول على الإندروفين، هذه المادة الكيميائية التى يُفرزها المخ وتبعث على تحسين المزاج، من خلال ممارسة الجري، إذ يرتبط إفراز الإندروفين بالجهد البدني. ولكن ماذا لو كان بالإمكان إفراز هذه المادة فى الدماغ من دون الجهد المُضنى الذى يرتبط بممارسة الرياضة؟ أليست السعادة، فى المحصلة، «حالة دماغية»؟ ألا يُمكن تصور مستقبلٍ يكون فيه الحصول على مُسببات السعادة سهلاً ميسوراً من دون بذل الجهد المصاحب؟ لماذا يرفض البشر ذلك السيناريو؟

الفيلسوف البريطانى يقول لنا إن بعض البشر سوف يفضلون بذل الجهد كقيمةٍ فى حد ذاتها، وفى هذه الحالة يُمكن للذكاء الاصطناعى أن يخلق «بيئة معينة» لممارسة هذا الجهد للراغبين فيه، عِلماً بأن الحصول على النتيجة النهائية من الشعور بالسعادة والتحقق سيكون ميسوراً للجميع من دون ممارسة هذا الجهد بالضرورة!

العالم «المثالي» الذى سيرسم معالمه الذكاء الاصطناعى يبدو، والحال هذه، مختلفاً تماماً عن العالم الذى نعيشه. هو عالم يخلو من القيود التى نعرفها على الإمكانية البشرية (باستثناء القيود التى تضعها قوانين الفيزياء، والتى يستحيل اختراقها فى أى حال!). هو عالم مرنٌ لدِن، قابل للتشكيل بلا حدود. يُمكن للبشر أن يشكلوه كما يرغبون، وبحيث يحصلون على سعادتهم بأسهل الطرق وأيسرها. وإن كنتَ مازلتَ تستبعد احتمالات تحقق هذه السيناريوهات، فما قولُك فى أن مؤشرات هذا العالم الجديد ونُذره ليست بعيدة عنا اليوم، بل هى تكاد تداهمنا وتقض مضاجعنا..

تأمل كيف دفعتنا ما تُعرف بالنماذج اللغوية الكبرى، مثل شات جى بى تى وأخواته، إلى التخلى شيئاً فشيئاً عن الجهد الذهنى الذى كنا نمارسه من قبل، سواء فى العمل أو غيره. إن الأمر هنا لا يُشبه اختراع الكتابة التى وفرت على الدماغ البشرى مهام التذكر، ولا الآلة الحاسبة التى أعفت هذا الدماغ نفسه من إجراء المسائل الرياضية، ولا حتى الـ GPS الذى كفانا مؤونة تذكر الطرق والاتجاهات والأماكن. الأمرُ هنا يختلف جوهرياً. نظم الذكاء الاصطناعى ليست مجرد أداة تكنولوجية جديدة تُشبه هذه الأدوات التى سهلت الجهد العقلى واختصرت الوقت. بل هى عقلٌ مفكرٌ يتجاوز العقل البشرى فى القدرة على الاستيعاب وإجراء المقارنات واستخلاص النتائج. وإذا كان الدماغ الإنسانى محدوداً بمساحته الفيزيائية، فإن رقائق السيليكون لا تعرف هذه الحدود. كما أن قدرتها على تحسين ذاتها بذاتها لا تعرف الحدود. هى ستكون «أشطر منا»، إن جاز التعبير، وبالتالى فإن البشر سوف يسلمون لها «المهام العقلية».. مهام التفكير، بما فيها المقارنة والاستنتاج وتحديد الاستراتيجيات والأهداف البعيدة.

وكما يتصور بوستروم «جنة موعودة» يختفى فيها العمل كوسيلة لكسب العيش، فبالإمكان تصور تراجع الجهد العقلى الذى يبذله البشر فى كافة مناحى الحياة، وما يصحب ذلك حتماً من ضمور ملكات التفكير والإبداع شيئاً فشيئاً، باعتبار أن العضو الذى لا يُستخدم يضمر.

إنها معضلة كبرى، فالجنة أو اليوتوبيا التى يعد بها الذكاء الاصطناعى تبدو محفوفة بمخاطر وتعقيدات غير متوقعة. ليست السيناريوهات السيئة أو المخيفة بشأن الذكاء الاصطناعي- وهى كثيرةٌ للأسف!- هى فقط ما يجب أن تثير قلقنا، بل السيناريوهات الجيدة أيضاً تتطلب منّا تحسباً وتدبراً وخيالاً فى الاستشراف. إن الأمر يتجاوز ما شهده البشر من نقلات تكنولوجية كبرى عبر تاريخهم إلى ما يُمكن اعتباره «نقلة تطورية» جديدة، لن يكون بالإمكان وقفها أو التراجع عنها، وليس أمامنا سوى التكيف معها!