تعقيب على مقالتى «التبرع قبل الإعدام» وصلنا تعقيب معتبر من الدكتور «جمال مصطفى سعيد»، أستاذ الجراحة بقصر العينى، يضيف بُعدًا أخلاقيًا للقضية التى أثارها الدكتور «حسام موافى»، أستاذ طب الحالات الحرجة بقصر العينى، بإمكانية الاستفادة من أعضاء المحكوم عليهم بالإعدام لإنقاذ الأرواح التى تنتظر رحمة من السماء.

يقول الدكتور جمال سعيد: هناك أفكار تبدو، للوهلة الأولى، شديدة الرحمة؛ لأنها تنطلق من معاناة مريض ينتظر عضوًا قد ينقذ حياته. لكن بعض الأفكار، مهما بدا هدفها إنسانيًا، قد تقودنا إلى منطقة خطرة، بل خطرة جدًا، إذا تجاوزت حق الإنسان فى جسده وإرادته. ومن هذه الأفكار اقتراح استخدام أعضاء المحكوم عليهم بالإعدام فى عمليات زراعة الأعضاء، حتى من دون موافقتهم.

أقول ذلك كطبيب، وقبل أن أكون طبيبًا أقول ذلك كإنسان. فزراعة الأعضاء واحد من أعظم إنجازات الطب الحديث، لأنها تحول مأساة إنسان إلى فرصة حياة لإنسان آخر، لكنها تقوم فى جوهرها على مفهوم «التبرع». والتبرع، بطبيعته، فعل اختيارى؛ لا يكون تبرعًا إذا انتزع من صاحبه انتزاعًا.

وقد حسمت الجمعية الطبية العالمية WMA (وهى منظمة دولية تضم جمعيات ونقابات طبية وطنية من دول مختلفة) هذه المسألة بصورة واضحة؛ فهى تشترط أن يكون التبرع قائمًا على موافقة حرة ومستنيرة، وتنص صراحة على ألا يعتبر السجين الذى ينفذ فيه حكم الإعدام متبرعًا بالأعضاء. كما تؤكد أن الأطباء لا ينبغى أن يشاركوا فى استئصال أو زراعة أعضاء مأخوذة من سجناء أُعدموا.

وليس السبب أن المحكوم عليه بالإعدام أصبح، بحكم الحكم الصادر ضده، إنسانًا بلا حقوق. فالعقوبة، أيًا كان موقفنا منها، لا تعنى أن جسد الإنسان أصبح ملكًا لغيره. وإذا قبلنا أن تنتقل ملكية الجسد إلى الدولة بمجرد صدور حكم بالإعدام، فما الذى يمنع أن تتسع الفكرة غدًا لتشمل المحكوم عليه بالسجن المؤبد، أو أى إنسان آخر أصبح تحت سلطة الدولة؟

والأخطر طبيًا أن الطبيب الذى يفترض أن تكون مهمته حماية حياة الإنسان، يجب ألا يتحول إلى طرف فى منظومة يكون فيها موت إنسان شرطًا للحصول على أعضائه.

إن الفصل بين تنفيذ العقوبة وبين الطب ليس ترفًا أخلاقيًا، وإنما هو أحد الحدود التى تحمى مهنة الطب نفسها وتحمى ثقة الناس فيها.

ثم إن العالم نفسه يتحرك، بدرجات متفاوتة، بعيدًا عن عقوبة الإعدام؛ فبنهاية عام ٢٠٢٥ م كانت ١١٣ دولة قد ألغتها تمامًا، و١٤٥ دولة ألغتها فى القانون أو الممارسة. ومع ذلك مازالت دول أخرى تطبقها، ومن بينها مصر.

لكن حتى مع اختلاف المواقف من عقوبة الإعدام (وفق العقائد)، يبقى هناك مبدأ لا أظن أننا نختلف عليه: المريض المحتاج إلى عضو يستحق أن نبحث له عن فرصة للحياة، لكن ليس من حقنا أن نحول جسد إنسان آخر إلى «مخزن قطع غيار» لأن الدولة حكمت عليه بالموت.

الطب يستطيع أن ينقذ حياة من خلال التبرع، لكنه لا ينبغى أبدًا أن يجعل من الإنسان وسيلة لإنقاذ إنسان آخر.