لا أحتفى عادةً بأعياد الميلاد، ولكن عيد ميلاد عميد الدبلوماسية المصرية عمرو موسى خليق بالاحتفاء. يكمل العميد عامه التسعين، اليوم (الثالث من أكتوبر)، ولا يزال شابًا فى الأربعين، نمسك الخشب، أطال الله فى عمره ومتعه بالصحة والعافية.

وبصوت طيب الذكر «شعبان عبد الرحيم» نحتفل بميلاد العميد، بأغنية «بحب عمرو موسى». حالة إنسانية فريدة، كبرياء دبلوماسى، وكأنه مولود كبير، وطلة محببة، لديه حضور، وكأنه نجم سينمائى اختار السلك الدبلوماسى طريقًا ليسجل اسمه فى لوحة الوطن، لو لم يمتهن موسى كرسى الدبلوماسية لكان باب البطولة السينمائية مفتوحًا.

تسعة عقود، منها خمسة عقود من الدبلوماسية الذكية، دبلوماسى مخضرم، عركته الخطوب، ويحفظ الدروب، وخارطة العالم مرسومة فى كفه خطوط. مرجعية دبلوماسية ثاقب الفكر، متقد الذهن، حافظ موقع وطنه فى قلب (لعبة الأمم).

حافظ كتاب الوطن، ويترنم بنشيده، ويتغنى بأشعاره، وفخور بأغلى اسم فى الوجود.

عندما قرر العميد كتابة مذكراته، اختار عنوانًا قرآنيًا بليغًا «كِتَابِيَهْ»، مشتقًا من الآية الكريمة «هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ»، والمعنى خذوا، اقرأوا كتابيه، كتابه بيمينه، فخور بما قدمه، مغتبط بمسيرته، ترك للأجيال المقبلة قراءة مذكراته، يقرأون عليه لا يسمعون عنه. قراءة مذكرات العميد واجب مستوجب على دارسى التاريخ الحديث، وثيقة دبلوماسية للأجيال المقبلة، ترسم معارك سياسية خاضها موسى باسم وطنه بإباء وشمم، ولم يمارِ فى حق اعتقد فيه مصلحة وطنية.

لا أذيع سرًا، يوم ترشح موسى (مع حفظ الألقاب والمقامات) لرئاسة الجمهورية فى العام ٢٠١٢ م (بعد أحداث يناير) كنت أراه منقذًا لوطن ممتحن، كان حلًا لمعضلة وطنية، يوم تكالبت الأكلة من إخوان وسلفيين على قصعة الوطن، دبلوماسى رفيع، وزير خارجية خبير، شخصية لامعة، حضور وطنى لافت، علاقات مع قادة الشرق والغرب، قادر على العبور بسفينة الوطن من بحر الظلمات، ولكن شاءت الأقدار، ليخرج موسى من السباق بشرف المحاولة.

لم يتوارَ العميد، ولم يخفت بريقه، صار أيقونة دبلوماسية مصرية، تتسابق عليها المنتديات السياسية العالمية، لو لبّى العميد الدعوات جميعًا لما توفر لديه وقت للقاء الأحباب والأصدقاء، وتأدية الواجبات، صاحب واجب.

العميد (موسى) اجتماعى بطبعه، ويغبطه اجتماع الأحباء، ويضحك من جوه قلبه على نكتة لطيفة أو مزحة خفيفة، إذا ضحك يقهقه كصهيل فرس، عادةً يسمع منهم، ويجيد الإنصات، ويتلو عليهم ما تيسر من سيرته الفخيمة، وإذا سُئل يجيب إجابات شافية من مخزون خبرته الحياتية والدبلوماسية والسياسية.

جرىء العميد فى طرح أفكاره، ما يعرّضه لهجمات معاكسة، سيما من الناصريين لا يروق لهم.. والإخوان يناصبونه العداء، ولكنه لا يهادن ولا يخاتل، ولا يوالس، ولم يخن وطنه فى المضاجع الإخوانية. حتى عندما انتمى العميد العنيد حزبيًا فعلى سنة والده، البرلمانى الكبير «محمود أبو زيد موسى»، وكان عضواً بارزاً فى البرلمان المصرى (مجلس الأمة سابقاً) ممثلاً عن حزب الوفد فى العصر الملكى (ما قبل ثورة ١٩٥٢م)، فصار موسى رئيسًا فخريًا للوفد قربى لوالده وحبًا فى الليبرالية التى هى دينه وديدنه سياسيًا..