حين كتبت عن حالة «الانفلات» التى تحاصرنا من كل اتجاه والتى أصبحت خارج السيطرة، كنت أصف واقعًا مصريًا مع مرحلة خطيرة أيضًا من تاريخ العالم، لكننى كلما تأملت ما يحدث حولنا، ازددت اقتناعًا بأن ما نعيشه أعمق من أزمة أسعار أو تعليم أو إعلام أو ثقافة، نحن نعيش لحظة اهتزت فيها فكرة قديمة كانت تمنحنا الطمأنينة مع فقدان القدرة على التنبؤ، فلم نعد نعرف ماذا سيحدث غدًا، ولا لماذا يحدث ما يحدث اليوم!

وخلال الأسبوع الماضى وقعت على كتاب كانت تطرحه شبكة بى بى سى لمشاهديها تحت عنوان Surviving Chaos: Geopolitics When the Rules Fail لمارك ليونارد، وهو كتاب صدر حديثًا عام 2026، ويطرح فكرة أننا دخلنا عصرًا يسميه ليونارد «اللا نظام» (Un-Order) وهو عالم لم تعد فيه القواعد والمؤسسات المحلية والدولية القديمة قادرة على توفير الاستقرار كما كانت فى السابق، بينما لم يتشكل بعد نظام جديد قادر على أن يحل محلها.

حيث يرى الكاتب أن العالم لا يعيش حالة انتقال منظمة من نظام إلى آخر، بل يمر بمرحلة من الارتباك والتداخل وعدم اليقين، حيث تتراجع قدرة المؤسسات التقليدية على ضبط الأحداث؛ الأمر الذى يسبب تصاعد الأزمات والصراعات والتغيرات المتسارعة دون وجود إطار واضح يحكمها أو يحد من آثارها!! ولهذا يدعو إلى البحث عن طرق جديدة للتكيف مع الفوضى أو هذا «الانفلات» وإدارته، بدلًا من انتظار عودة النظام القديم أو ظهور نظام عالمى جديد بشكل كامل. ليصبح السؤال الأصح فى هذه الحالة هو: «كيف نتعلم العيش فى عالم لا يمكن السيطرة عليه بالكامل بدلًا من كيف نعيد السيطرة؟» مشيرًا إلى أنه على مدى قرون، اعتقد الإنسان أنه قادر على إخضاع كل شىء للحسابات والخطط والتوقعات وبنى المؤسسات والقوانين والأنظمة الكبرى على هذا الأساس، متصورًا أن المستقبل مشروع هندسى يمكن رسمه على الورق ثم تنفيذه بدقة، لكن الحياة كانت تخبئ درسًا مختلفًا، فالحياة كما يقول ليست آلة، إنها كائن حى يتغير باستمرار، وحين نحاول الإمساك بها بإحكام شديد، تتسرب من بين أصابعنا!.

فالخطر الحقيقى ليس فى الفوضى نفسها، بل فى إصرارنا على مقاومة حقيقتها، وهذا لا يعنى الاستسلام أو القبول بالخطأ أو التوقف عن الإصلاح، على العكس تمامًا، لكنه يعنى الانتقال من عقلية السيطرة إلى عقلية المرونة.. من البحث عن اليقين الكامل.. إلى بناء القدرة على التكيف من انتظار أن يعود العالم كما كان.. إلى تعلم العيش كما هو.

وهذا لا يأتى من فراغ، فقد علمتنا السنوات الأخيرة أن المؤسسات قد تهتز، وأن المهن تتغير، وأن الذكاء الاصطناعى قادر على قلب معادلات كاملة فى أشهر قليلة، وأن ما نعتقده ثابتًا قد يصبح جزءًا من الماضى فجأة! لكن الإنسان سيظل يمتلك شيئًا لا تستطيع الفوضى مصادرته وهو قدرته على إعادة اختراع نفسه.

ويبقى الحل إذن ليس فى إعادة ترتيب العالم كله، فهذا أكبر من طاقة أى فرد أو دولة. الحل أن نعيد ترتيب علاقتنا بالعالم... أن نتوقف عن مطاردة وهم السيطرة المطلقة... أن نستعيد المعنى الصغير وسط الضجيج الكبير... أن نتمسك بالجمال والثقافة والمعرفة والروابط الإنسانية باعتبارها مراسى نجاة لا كماليات.

ففى زمن «الانفلات» لا ينجو الأقوى دائمًا، ينجو الأكثر قدرة على التكيف... وينجو من يعرف أن الحكمة ليست فى مقاومة الموج، بل فى تعلم السباحة داخله!