السفير رؤوف سعد يكتب: عمرو موسى يبلغ التسعين
اليوم، ٣ أكتوبر ٢٠٢٦، يكون قد مضى على مولد عمرو موسى تسعون عاماً حفلت بالأحداث والمهام والنجاحات وبعض الإخفاقات، لتظلل هذا الرجل بمكانة وقامة لا تتكرر كثيراً.
كنت قد كتبت مقالاً فى «الأهرام» يوم الخميس الماضى بعنوان «عمرو موسى فى التسعين»، وفوجئت - وإن كنت توقعت- بردود أفعال مؤيدة تماماً ومتباينة أحياناً بين وزراء وسفراء وأساتذة جامعة وشخصيات عامة، وكذلك ردود أفعال مليئة بالسعادة والفخر من البسطاء. كما طلبت مجموعة «رواد كلية الاقتصاد والعلوم السياسية» إقامة احتفائية خاصة بعيد ميلاد رجل الساعة حتى وهو فى التسعين، والذى طالما أبدى احترامه لهذه الكلية العريقة، والتى أُنشئ فيها كرسى بحثى باسمه.
لعل من التعليقات اللافتة ما جاء فى اتصال هاتفى من وزير سابق صديق، أحترمه وأعتز بصداقته، الذى أعرب عن تقديره للمقال من واجهة أعتبرها نادرة، وهى كتابة مقال عن مسؤول بعد أن خرج من السلطة. ومع التقدير لهذه الملاحظة، إلا أن الأمر بالنسبة لعمرو موسى أنه وإن خرج من السلطة الرسمية، إلا أنه لم يبتعد كثيراً عن الصفوف الأولى، ولا عن وطنه وتحدياته، ولم يتوقف إطلاقاً عن الدفاع عن مصالح مصر فى مختلف المناسبات بروح شابة وفكر متجدد وحماس لا ينقطع.
ما دفعنى إلى الكتابة مرة ثانية مطالبات من القراء بالمزيد من الإطلال على ما لا يعرفه الناس عن طبائع شخصيته، ناسين أننى أيضاً مازلت لا أعرف عنه الكثير، خاصة، وهذا من طبائعه، أنه رغم انفتاحه وصراحته، فهو شخص صارم وكتوم، ولا تستطيع أن تنتزع منه سراً أو معلومات لا يريد الإفصاح عنها، كما لا يمكنك أن تستدرجه لوقيعة أو النيل من شخص غائب.
إلا أن ما يمكننى أن أتناوله باختصار أمر لافت فى شخصيته؛ فهو من ناحية بالغ الاعتزاز بنفسه دون استكبار، إلا أنه إياك أن تقترب من كرامته السياسية أو الشخصية، وحذارى أن تلامس ولو من بعيد وطنه أو وطنيته، عندئذ تجد أمامك مقاتلاً دون هوادة، وفارساً بسيف قاطع وحاد. إلا ما يبدو متعارضاً مع ذلك أنه بالغ التواضع بطبيعته الأصلية؛ فهو يصغى إلى الصغير قبل الكبير، ويجالس البسيط قبل العظيم، ويهتم باحتياج الضعيف قبل أن يلتفت إلى القوي. وفوق الكل، فالتسامح لديه على مختلف الأصعدة فضيلة وليست فضلاً، والصدق قيمة لا مرونة فيها.
كان من ضمن التعليقات التى وردت إلىّ بشأن المقال السابق أنه كان واجباً علىّ أن أتناول موقف عمرو موسى من الديمقراطية، وأعتقد أن المرجعية فى هذا الجانب ترتبط بمواقف عامة ومصداقية لا تتغير بتغيير الظروف. ولعل كتابه «كتابيه» الذى نشره خلال السنوات القليلة الماضية تضمن العديد من المواقف الصادقة التى تعكس أن الديمقراطية بالنسبة لعمرو موسى ليست مجرد مرونة سياسية، بل هى قيمة راسخة فى شخصيته وحياته. إلا أننى أستطيع أن أتحدث، بحكم مرافقتى له فى العديد من المؤتمرات والفعاليات سواء وزيراً أو سفيراً، وكيفية إدارته لمصالح مصر -ومنها المصيري- بمهارة تفاوضية رفيعة، تظل فيها مصلحة مصر ماثلة أمام ذهنه وعينه من البداية حتى النهاية وما بينهما، وبمهارة متميزة فى إدارة المشاورات والضغوط والتوازنات وصولاً لهدف محدد.
ولعل من المؤتمرات المصرية التى لعب فيها السفير عمرو موسى دور البطولة كان مؤتمر منظمة المؤتمر الإسلامى فى الثمانينيات فى الكويت، الذى نجح فى ختامه -رغم الضغوط العدائية من بعض الدول العربية- أن يستصدر قراراً من المؤتمر بعودة عضوية مصر إلى منظمة المؤتمر الإسلامى (منظمة التعاون الإسلامى حالياً)، والذى كان بمثابة الإشارة الخضراء لعودة مصر إلى جامعة الدول العربية، والموقعة التى قادت إلى اختياره وزيراً للخارجية.
لم أكن يوماً من هواة الإطراء أو التملق أو الرياء، وطالما كان العمل الجاد نقطة بداية علاقتى مع عمرو موسى، وخلالها تجسدت معانى الاحترام وأُسس لصداقة شخصية أحرص عليها دائماً.
مرة أخرى، دعوات من القلب أن يمنح الله عمرو موسى مديداً من العمر ودواماً للرسالة وعطاء ثرياً، وأضيف «بإذن الله»، كما اقترحت علىّ صديقة عزيزة لإضافتها فى تعليقها على المقال السابق.