التضخم يتراجع.. لكن الأسعار لا تعود إلى الوراء
حين يعلن رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولى أن معدل التضخم تراجع من 23.2٪ فى يناير 2025 إلى 12.7٪ فى أغسطس 2026، فإنه يقدم رقما مهما، ينبغى عدم التقليل من قيمته، فتراجع التضخم إلى ما يقارب النصف يمثل تحسنا اقتصاديا حقيقيا بعد سنوات قاسية من ارتفاع الأسعار واضطراب سعر الصرف وزيادة كلفة الإنتاج والاستيراد.. لكن المشكلة ليست فى الرقم، بل فى تفسيره، وفى المسافة الواسعة بين دلالته الاقتصادية وما يفهمه المواطن من عبارة «الأسعار تنخفض».
التضخم البالغ 12.7٪ يعنى أن متوسط الأسعار ما زال أعلى من مستواه قبل عام، وإن كان يرتفع بوتيرة أبطأ. انخفاض معدل التضخم لا يعنى انخفاض الأسعار، تماماً كما أن خفض سرعة سيارة من مائة كيلومتر إلى خمسين لا يعنى أنها توقفت أو بدأت تتحرك إلى الخلف.
وقد أظهرت بيانات أغسطس استقرارا شبه كامل للأسعار على أساس شهرى، مع انخفاض بعض مجموعات الغذاء، بينما ارتفع التضخم الأساسى إلى 14.9٪ مقابل 14.7٪ فى يوليو. أى إن الصورة تحسنت، لكنها أكثر تعقيداً من القول إن الأسعار دخلت بصورة عامة فى مسار هبوطى.
المواطن لا يتعامل مع التضخم بوصفه رقم مجرد. هو يقيس الاقتصاد من خلال فاتورة السوبر ماركت، وكلفة الدواء والمواصلات والكهرباء، ومصاريف المدارس والإيجار، وقدرة راتبه على الصمود حتى نهاية الشهر. وعندما يسمع أن الأسعار تنخفض بينما تستنزف الاحتياجات الأساسية الجزء الأكبر من دخله، تنشأ فجوة بين الخطاب الرسمىوتجربته اليومية.
هذه الفجوة لا تعنى بالضرورة أن الأرقام الحكومية غير صحيحة، وإنما تعنى أنها لا تروى القصة كاملة.
قد يحقق الاقتصاد نموا 5.1٪، وتتراجع البطالة إلى 5.8٪، وينخفض الدين وترتفع الاحتياطيات، وكلها تطورات إيجابية.. لكن تحسن المؤشرات الكلية لا ينتقل تلقائيا إلى مائدة الأسرة، فقد ينمو الاقتصاد بينما تظل الدخول الحقيقية تحت الضغط، وتتراجع البطالة بينما تبقى الأجور محدودة، وقد يتباطأ التضخم بعد أن استقرت الأسعار عند مستويات مرتفعة يصعب تحملها.
وحتى المقارنة بالعالم تحتاج إلى دقة، فصندوق النقد يتوقع ارتفاع التضخم العالمى من 4.1٪ فى 2025 إلى 4.7٪ فى 2026.. لكن التضخم المصرى، رغم تراجعه، لا يزال أعلى كثيراً من هذا المتوسط. مصر تتحسن إذن من حيث اتجاه الحركة، لكنها ما زالت تواجه ضغطا سعريا أكبر.
المواطن لا يقارن فاتورته بفاتورة مواطن فى دولة أخرى، بل يقارنها بدخله وما كان يستطيع شراءه قبل عامين أو ثلاثة ومن هنا تبدأ قضية لا تقل أهمية عن الأرقام نفسها، كيف تخاطب الحكومة مواطنًا لا يشعر بعد بماتقوله المؤشرات؟.