فتحت المسودة الأولى لمشروع قانون تنظيم التطوير العقارى وإنشاء «الاتحاد المصرى للمطورين» بابًا واسعًا للجدل بين خبراء العقار والقانون والاقتصاد، بين من يراها خطوة ضرورية لإعادة ضبط السوق وتعزيز حماية أموال المشترين، ومن يرى أن المسودة مازالت بحاجة إلى تعديلات جوهرية، خاصة فيما يتعلق بالفصل بين الدور المهنى للاتحاد والدور الرقابى والتنظيمى، وإنشاء جهة مستقلة للرقابة، إلى جانب وضع ضوابط أكثر دقة لحسابات الضمان، وتنظيم التعامل مع المشروعات المتعثرة والقائمة، وتعزيز تمثيل المشترين، وضمان استقلالية الاتحاد والحد من هيمنة الحكومة على مجلس إدارته.

وقال المهندس فتح الله فوزى، رئيس لجنة التطوير العقارى بجمعية رجال الأعمال المصريين، إن تنظيم السوق العقارية يتطلب فصلًا واضحًا بين الدور المهنى الذى يتولاه اتحاد المطورين العقاريين، والدور الرقابى والتنظيمى الذى يستدعى إنشاء جهة مستقلة، وهو ما يفتقده المقترح التشريعى الحالى، مؤكدًا أنه لا يجوز لمنظم المهنة أن يمارس صلاحيات التفتيش والجزاءات لمنع أى تعارض محتمل فى المصالح.

وأكد فوزى، فى تصريح خاص لـ«عقارات المصرى اليوم»، ضرورة النص صراحة على إنشاء هيئة تنظيمية مستقلة تمامًا عن الاتحاد، بحيث يقتصر دور الأخير على التنظيم المهنى وتصنيف الشركات، بينما تتولى الهيئة إصدار التراخيص والرقابة وتشكيل لجان فض المنازعات وتنظيم عمليات البيع، منعًا لأى تعارض محتمل فى المصالح، قائلًا: «أعتقد أن الحكومة قد تسير فى هذا الاتجاه خلال التعديلات التى ستجرى على المسودة الأولى».وتساءل عن مدى قدرة الاتحاد على تطبيق العقوبات على أعضاء مجلس إدارته حال مخالفتهم القانون، مثل فتح البيع فى مشروع دون الحصول على التصريح اللازم، معتبرًا أن الجمع بين صلاحيات التنظيم والرقابة والجزاء قد يثير إشكاليات فى التطبيق.

وعن أهم ملاحظاته بشأن مواد القانون، أكد فوزى رفضه التام الاكتفاء برخصة للمطور، إذ ينبغى إصدار ترخيص مستقل وفتح حساب ضمان بنكى لكل مشروع على حدة فى حالة امتلاك المطور أكثر من مشروع، مع ضمان استقلالية كل حساب ومنع نقل الأموال بينهم، معبرًا عن رفضه للاستثناء الحالى بمشروع القانون الذى يمنح هذا الحق للشركات الكبرى، حتى لو كان وفق ضوابط، مشددا على أن التحويل لحساب يكون فى حالة واحدة فقط هى الانتهاء من كامل المشروع وتسليم الوحدات ونقل الفوائض المالية.

وانتقد فوزى أيضًا غياب قواعد واضحة لحماية العملاء فى حالات تعثر المطور أو فسخ التعاقد ورد الأموال، مشيرًا إلى أن المسودة ركزت بصورة أكبر على آليات ضمان استكمال المشروع، دون معالجة كافية لحالات رغبة العميل فى التخارج.

فيما يتعلق بالمشروعات المتعثرة، أوضح أن آلية إحلال مطور بديل تصلح للمشروعات التى تمتلك مخزونًا عقاريًا أو تعانى سوء إدارة ويمكن إعادة تشغيلها بضخ استثمارات جديدة، لكنها لا تمثل حلًا منطقيًا للمشروعات التى بيعت جميع وحداتها، مشيرًا إلى أن صندوق المتعاقدين المزمع إنشاؤه قد لا يكون قادرًا على تغطية التكلفة المرتفعة لإعادة التطوير.

من جانبها، قالت نهاد أبوالقمصان، المحامية بالنقض، إن مسودة مشروع القانون تتضمن آليات مهمة لتنظيم السوق وحماية المتعاملين، لكنها تحتاج إلى مزيد من الضبط لضمان امتداد الحماية إلى المشترين فى المشروعات القائمة، وليس فقط التعاقدات المستقبلية.

وأضافت أن النص على إنشاء حساب ضمان مستقل لكل مشروع وإيداع أموال المشترين فيه، وحمايته من الحجز لصالح الدائنين، إلى جانب فصل وديعة الصيانة فى حساب مستقل، يمثل آلية مهمة لحماية أموال العملاء وضمان توجيهها إلى الأغراض المخصصة لها.

وحذرت من السماح لكبار المطورين باستخدام أموال مشروع فى تمويل مشروع آخر دون ضوابط صارمة، مؤكدة أن الفصل بين التدفقات المالية للمشروعات يمثل ضمانة أساسية لحقوق المشترين، ويحد من انتقال مخاطر تعثر مشروع إلى آخر.

كما أشارت إلى غياب قواعد واضحة لفسخ التعاقد وتحديد المبالغ التى يجوز خصمها عند الإلغاء، مؤكدة أن المسودة تحتاج إلى عقوبات واضحة وفعالة على المخالفات، ولا يكفى الاكتفاء بوقف الترخيص، إذ إن تحديد الالتزامات لا يكون فعالًا دون آليات للرقابة والمساءلة.

وفيما يتعلق بتكوين الاتحاد، أثارت أبوالقمصان تساؤلًا حول مدى كفاية تمثيل المشترى داخل منظومة صنع القرار، مشيرة إلى أن مجلس إدارة الاتحاد المقترح يضم فى غالبيته ممثلين عن المطورين والجهات المعنية، بينما يحتاج المستهلك إلى تمثيل مؤسسى أكثر وضوحًا، باعتباره الطرف الأضعف فى العلاقة التعاقدية من حيث القدرة على التفاوض وصياغة العقود.

وشددت أبوالقمصان على أن تنظيم السوق العقارية يجب ألا يقتصر على تنظيم العلاقة المستقبلية بين المطور والمشترى، وإنما يجب أن يتعامل أيضًا مع ملف المشروعات المتعثرة والمتأخرة والمشترين الذين سبق لهم التعاقد، من خلال قواعد انتقالية واضحة تحدد كيفية حماية حقوقهم.

وعن تأثير تطبيق المشروع على السوق، قال مصطفى شفيع، رئيس البحوث بشركة أسطول القابضة، إن القانون يمثل خطوة نحو وضع إطار تشريعى وحوكمة أكثر صرامة لحماية أموال المستثمرين وضبط أداء السوق.وأوضح أن المشروع يتضمن آليات حماية، من بينها إنشاء حسابات مستقلة لكل مشروع، وإلزامية التصنيف، وتأسيس صناديق تأمين للعملاء، لكنه فى المقابل يفرض قيودًا تنظيمية وتمويلية قد تحد من نشاط المطورين، خاصة مع منع التمويل المتقاطع بين المشروعات وتقييد نقل الأموال بينها.

وأشار إلى أن هذه الضوابط قد تؤدى إلى بعض التباطؤ فى حركة السوق على المدى القصير، لكنها قد تدعم، على المدى المتوسط والبعيد، استبعاد الكيانات غير الجادة وتعزيز ثقة المستثمرين المحليين والأجانب.

من ناحيته، قال سيف الله الخوانكى، استشارى شؤون التنمية والاقتصاد، إن مشروع قانون إنشاء اتحاد المطورين يواجه إشكاليات هيكلية وإجرائية تتطلب مزيدًا من المراجعة، معتبرًا أن إنشاء الاتحاد وحده لا يكفى لتنظيم السوق ما لم يتمتع بالاستقلالية اللازمة.

وأشار إلى أن المسودة تمنح الوزير المختص صلاحيات واسعة فى تعيين أعضاء مجلس الإدارة، بواقع 7 مقاعد للجانب الحكومى مقابل 8 للمطورين، بما قد يؤثر على استقلالية الاتحاد، ويكرس سيطرة أكبر للحكومة، فضلًا عن عدم وجود نظام انتخابى واضح يضمن تمثيل مختلف فئات المطورين، الكبيرة والمتوسطة والصغيرة، ويحمى المجلس من سيطرة عدد محدود من الشركات الكبرى.

كما تساءل عن قصر العضوية وحق التأسيس على المصريين «شرط الجنسية»، فى ظل وجود شركات خليجية باستثمارات كبيرة فى السوق، مطالبًا بتوضيح الموقف القانونى للشركات ذات الإدارة أو الرؤساء التنفيذيين الأجانب، خاصة أن القانون يحظر ممارسة النشاط بدون ترخيص.

وأشار إلى أهمية فصل الإشراف المالى عن الفنى، حيث يجب حوكمة وصلاحيات الجمعية العمومية؛ بحيث تخضع الأمور الإدارية والرقابة المالية وحل المجلس لسيادة وزارة التضامن الاجتماعى كسلطة إدارية، فى حين يقتصر دور وزارة الإسكان على الجوانب الفنية والمهنية المباشرة.

وتابع أن المسودة لم تعالج بصورة كافية تشتت الجهات المنظمة للأنشطة المرتبطة بالسوق، من بينها الوساطة العقارية، داعيًا إلى فصل تراخيص شركات الوساطة والتسويق العقارى عن الهيئة العامة للرقابة على الصادرات والواردات ونقلها لجهة تنظيمية يتم النص عليها فى مشروع القانون.

فيما أشار إلى أن القانون يفرض التزامات ضخمة على المطور دون تقديم منافع ملموسة، فالأصل فى التنظيم المهنى هو حماية حقوق الأعضاء والدفاع عن مواقفهم أمام صانع القراروشدد على أن التشريع يكتسب أهمية قصوى ويستدعى وقتًا أطول فى الحوار المجتمعى والمناقشات التشريعية ليخرج بكيان مؤسسى قوى وقادر على تنظيم السوق بمرونة.