من يملك صورة الرئيس؟ (2) القاضي الذي أعاد الصحفيين
عندما انتقل دونالد ترامب إلى نيويورك للمشاركة فى اجتماعات الأمم المتحدة، اكتشف أن قرار منع «سى إن إن» من البيت الأبيض لا يسرى على العالم كله. فقد وجد أمامه كيتلان كولينز، مراسلة الشبكة، التى طالما ضاق بأسئلتها، فسألها: لماذا لا تزال تغطيه بعد توقف الشبكات عن تصوير بعض أنشطته؟ فجاء ردها بسيطاً: الأمم المتحدة هى التى سمحت لها بالدخول.
لم يكن الرد مرافعة دستورية، لكنه لخّص حدود القوة الرئاسية، يستطيع الرئيس التحكم فى بوابات مؤسسته، لكنه لا يستطيع إلغاء الصحفى أو منعه من ملاحقة الخبر خارجها.
أما داخل البيت الأبيض، فقد انتقلت المعركة إلى القضاء. رفعت المؤسسات الإعلامية الثلاث دعوى عاجلة، معتبرة أن سحب تصاريح مراسليها بسبب مضمون التغطية يمثل عقابا على الرأى وانتهاكا للتعديل الأول الذى يحمى حرية الصحافة، فضلاً عن التعديل الخامس الذى يضمن الإجراءات القانونية الواجبة.
ذهبت القضية إلى القاضى الفيدرالى تيموثى كيلى، الذى رشحه ترامب نفسه للمنصب عام 2017. وهذه إحدى المفارقات الكاشفة فى النظام الأمريكى، الرئيس يرشح القاضى، لكنه لا يعيّنه موظفاً فى البيت الأبيض ولا يشترى ولاءه السياسى.
سبق لكيلى أن نظر قضية مشابهة عام 2018، عندما سحبت إدارة ترامب تصريح جيم أكوستا، كبير مراسلى سى إن إن آنذاك، عقب مشادة شهيرة مع الرئيس. وأمر القاضى بإعادة التصريح، مركزاً على غياب الإجراءات السليمة، لم تكن هناك قواعد واضحة تحدد المخالفة، ولا إخطار رسمى، ولا فرصة حقيقية للرد قبل توقيع العقوبة.
بعد ثمانى سنوات، وجد كيلى الأزمة نفسها أمامه. فأصدر أمراً مؤقتاً لمدة 14 يوماً بإعادة تصاريح مراسلى المؤسسات الثلاث، معتبراً أنها قدمت ما يرجح نجاح دعواها بشأن حرمانها من الإجراءات القانونية. كما لم يقتنع بمحاولة الإدارة تقديم «الأمن القومى» مبرراً للمنع، بعدما لم يجد فى الوقائع السابقة على الدعوى ما يثبت أن المخاوف الأمنية كانت الدافع الأصلى للقرار.
لكن الحكم لم يمنح الصحفيين حقاً مطلقاً فى الوصول إلى الرئيس فى كل مكان. فقد أعاد لهم الدخول العام إلى مجمع البيت الأبيض، من دون أن يحسم نهائياً مشاركتهم فى جميع الفعاليات المحدودة أو مرافقة الرئيس على طائرته.
استغل البيت الأبيض هذه المنطقة الرمادية سريعاً. فبعد استئناف الدورية التليفزيونية عملها يوم الجمعة، استبعد سى إن إن فى اليوم التالى من الفريق المسافر مع ترامب على متن طائرة الرئيس إلى تينيسى. نفذت الإدارة الجزء الواضح من الحكم، ثم تحركت فى المساحة التى لم يسمها القاضى.
وهكذا لم تنتهِ المعركة. أثبت القضاء أن الرئيس لا يستطيع سحب تصريح مستقر بقرار غاضب ومن دون إجراءات واضحة، لكنه لم يقل إن للصحفى مقعداً دائماً بجوار الرئيس.
فمن ربح الجولة إذن؟ الصحافة استعادت البوابة، لكن ترامب بدأ القتال على كل غرفة وطائرة ومقعد خلفها.