على أعتاب مسجد المشير طنطاوى بالقاهرة، شيعت الأسرة القضائية ورموز العمل العام جثمان المستشار الراحل أحمد الزند، وزير العدل ورئيس نادى قضاة مصر الأسبق، فى موكب مهيب توجه نحو مثواه الأخير بطريق السخنة.
شهدت الجنازة حضورًا واسعًا من قيادات الرموز القضائية، على رأسهم المستشار عبدالمجيد محمود، النائب العام الأسبق، والمستشار حمدى عبد التواب، وكيل نادى القضاة الأسبق، وجمع غفير من القضاة بينهم المستشار خالد محجوب، والمستشار محمد شيرين فهمى، والمستشار حمادة الصاوى، النائب العام السابق، وأعضاء النيابة العامة، والشخصيات العامة.
وبين صفوف المعزين، برز حضور إعلامى وسياسى ضم الإعلامى أحمد موسى، والبرلمانى والصحفى محمود مسلم.
وسط جموع المشيعين، تحدث الدكتور شريف الزند، ابن شقيق المستشار الراحل، لـ«المصرى اليوم»، قائلاً: «المستشار الراحل كان محبًا للخير والفقراء وقدم لهم الكثير، وعلى الجميع البحث فى ذلك، لأن ما تردد عنه فى وسائل الإعلام قبل 10 سنوات عن حديث له اجتزاء أريد له باطل».
وأضاف قائلاً: «أقسم بالله ما يردد فى الإعلام منذ 10 سنوات عن أن الوزير الأسبق قال أسياد أو كذا هذا حق أريد به باطل.. ابحثوا عن مبادئه حياته سيرته مواقفه فى القاهرة والمحلة والقرى والنجوع، واسألوا عن قصة المسعف الوحيد الذى أتى منذ أسبوعين لإسعاف الوزير من منزله.. اسألوا الناس بنفسكم».
على الرغم من وجود النائب العام المستشار محمد شوقى عياد خارج البلاد فى مهمة رسمية، إلا أنه حرص على نعى «الزند»، واصفًا إياه بأنه «غدا اسمه جزءًا من الوجدان القضائى المصري».
وأكد أن النيابة العامة تستذكر بكل إجلال مسيرة الفقيد وعطاءه الممتد، متقدمة بخالص العزاء لأسرته وجموع قضاة مصر.
امتدت بيانات النعى لتشمل المحاكم؛ حيث نعى المستشار مجدى على قاسم، رئيس محكمة استئناف القاهرة ورئيس مجلس رؤساء محاكم الاستئناف، ببالغ الحزن والأسى المستشار أحمد الزند، مشيدًا بما كرس له حياته من خدمة للعدالة وإعلاء لسيادة القانون.
وفى ذات السياق، أصدر نادى قضاة مصر برئاسة المستشار محمد رفعت جبر بيانًا أكد فيه أن الأسرة القضائية فقدت واحدًا من أبنائها الأوفياء الذين أفنوا حياتهم فى الدفاع عن استقلال القضاء وصون هيبته وكرامته، مستذكرًا حضور الراحل البارز فى تاريخ النادى.
عبر المستشار سامح عبد الحكم، رئيس محكمة الجنايات وأمن الدولة العليا بمحكمة وادى النطرون، عن فقده بالقول:«حينما أرثى أحمد الزند فإننى لا أرثى الرئيس التاريخى لنادى قضاة مصر، ولا وزير العدل السابق فحسب، وإنما أرثى جزءًا من تاريخ القضاء المصرى، بل جزءًا من تاريخ هذا الوطن ورمزًا من رموزه، والذى ترك أثرًا لا يُختزل فى منصبٍ أو لقب».
وأضاف «عبدالحكم»، أن التاريخ سيذكر من دافع عن استقلال القضاء وخاض حروبًا لا تنتهى لأجله، ليبقى «الزند» مخلدًا فى ذاكرة القضاة جيلًا بعد جيل.
من الناحية السياسية والوطنية، أدلى رموز العمل البرلمانى والصحفى بشهاداتهم فى وداع الراحل، وأكد الكاتب الصحفى والبرلمانى محمود مسلم:«سيذكر تاريخ الحركة الوطنية اسم المستشار أحمد الزند بالنور، وسيذكر أيضًا تاريخ الإخوان طوال الوقت جرائمهم وبشاعتهم ومدى ما فعلوا، المستشار أحمد الزند كان كما قلت شجاعًا ومسؤولًا... يحاولون تصفية الحسابات رغم أن الجميع يعلم أن مشكلتهم الأساسية مع الشعب المصرى، والمستشار الزند كان خير معبر عن القضاء والشعب».
من جانبه، وصف النائب مصطفى بكرى الراحل قائلًا: «أسد ثورة 30 يونيو.. أحمد الزند سيخلد فى التاريخ.. فجر الثورة منذ اليوم الأول وهو كان كلامه واضحًا فى مواجهة الإخوان، وسط تهديدات عديدة ومحاولات اغتيال متعددة، لكن كل ذلك لم يؤثر فيه بأى حال من الأحوال».
تعود جذور مسيرة الراحل إلى عام 1946 حيث وُلد بقرية دمتنو بمحافظة الغربية، لينشأ على مبادئ العدالة والانضباط. التحق بكلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر وتخرج منها عام 1970، ليبدأ رحلة طويلة تدرج خلالها بين النيابة العامة ومختلف المحاكم المصرية. وامتدت مسيرته مهنيًا خارج الحدود ليشغل منصب رئيس المحكمة الشرعية بإمارة رأس الخيمة بدولة الإمارات العربية المتحدة بين عامى 1991 و1993، ثم مستشارًا قانونيًا لولى عهد الإمارة حتى عام 1996، مؤسسًا لخبرة قانونية بارزة.
فى عام 2009، انتُخب الزند رئيسًا لنادى قضاة مصر لدورتين متتاليتين، ليدخل فى قلب المشهد السياسى والقضائى إبان حكم جماعة الإخوان المسلمين (2012-2013). عُرف فى الأوساط القضائية بـ «عدو الإخوان الأول» لصلابته؛ حيث قاد جبهة الرفض ضد إقصاء النائب العام المستشار عبد المجيد محمود، واعتبر الأحكام القضائية اللاحقة ببطلان العزل انتصارًا لسيادة القانون. وخاض صدامًا مباشرًا رافضًا تعيين المستشار طلعت عبد الله نائبًا عامًا بقرار رئاسى، واصفًا الإعلان الدستورى لنوفمبر 2012 بالباطل، وقاد «انتفاضة القضاة» ضد مشاريع خفض سن التقاعد. وارتفعت نبرته عبر الشاشات رافعًا شعار: «لا مهادنة ولا تراجع ولا استسلام».
لم تتوقف مواقف الزند عند سقوط حكم الجماعة، بل تجسدت بعزيمة لا تلين عقب اغتيال النائب العام الأسبق هشام بركات. ارتبط اسمه بالعبارات التاريخية «حق هشام مش هيروح» و«جبت حقك يا هشام» متزامنة مع ملاحقة القضاء العادل للمتورطين. وحين تولى حقيبة وزارة العدل فى مايو 2015، أكد فى محافله المختلفة على ضرورة القصاص الشامل لدماء شهداء الوطن من رجال الجيش والشرطة والقضاء، حتى أُعفى من منصبه فى 13 مارس 2016.
أُسدل الستار على مسيرة رجل استثنائى عن عمر ناهز 80 عامًا، ليبقى الأثر الذى تركه حادًا فى أروقة العدالة وذاكرة الوطن.
رحل المستشار أحمد الزند تاركًا إرثًا قانونيًا ونضاليًا تمتد جذوره لأكثر من 5 عقود.
المصدر:
المصري اليوم