وجه وزير الخارجية الروسى سيرغى لافروف، الثلاثاء ٢٢ سبتمبر (أيلول) ٢٠٢٦، سلسلة من الاتهامات اللاذعة إلى وسائل الإعلام الغربية، بأنها تستخدم ملف المسيرات التى تظهر فى أجواء دول أوروبية لبناء حملة إعلامية جديدة ضد روسيا.

وأكد شيخ الدبلوماسيين الروس أن الاتهامات الموجهة إلى موسكو فى هذا الملف تأتى امتدادًا لما وصفه بالحرب الإعلامية والسياسية المستمرة ضد بلاده منذ سنوات طويلة.

جاءت تصريحات الوزير لافروف خلال افتتاح المنتدى الدولى «حوار حول الأخبار الزائفة ٤.٠»، الذى يعقد فى المركز الوطنى «روسيا» فى قلب العاصمة الروسية، بمشاركة أكثر من ألفى شخص من خبراء تدقيق الحقائق والصحافة الاستقصائية من نحو ثمانين دولة. وقد كنت بين الحضور، واستمعت بعناية إلى تصريحات لافروف من على بعد عدة خطوات منه ومن منصة المنتدى.

لم يحصر لافروف حديثه واتهاماته فى حوادث المسيرات الأخيرة المثيرة للجدل فى أجواء الدول الأوروبية. فقد استعاد وزير الخارجية الروسى المخضرم سلسلة طويلة من الأزمات التى ترى موسكو أن الإعلام والمعلومات استخدما خلالها لتهيئة الرأى العام فى تلك الدول لقرارات سياسية وعسكرية كانت لها نتائج كارثية، واستند بعضها، بحسب الرؤية الروسية، إلى أسباب ومعلومات غير صحيحة، بدءا من قصف يوغوسلافيا عام ١٩٩٩ وغزو العراق عام ٢٠٠٣، مرورا بقضيتى سيرغى سكريبال وأليكسى نافالنى، وصولا إلى بوتشا والحرب الأوكرانية نفسها.

ربط الوزير الروسى هذه الملفات جميعا فى سلة واحدة بمسألة أوسع وأعمق تتعلق بطبيعة العلاقة بين روسيا والغرب منذ وصول فلاديمير بوتين إلى سدة الحكم وتسلمه مفاتيح السلطة فى الكرملين.

لافروف يقول لنا بوضوح تام إن المواجهة الحالية بين روسيا والغرب بدأت قبل أوكرانيا بوقت طويل. بدأت، بحسب كلامه، عندما شرعت موسكو تحت قيادة بوتين فى التخلص مما وصفه بصيغ مختلفة من الاستعمار الحديث الذى حاول الغرب ممارسته على بلاده فى إطار علاقتها معه.

وترجمة هذا التصور الذى قدمه شيخ الدبلوماسيين الروس هى أن الغرب لم يتقبل عودة روسيا إلى ممارسة سياسة خارجية أكثر استقلالية. فالغرب، وفق هذا التصور، لا تهمه السياسات الداخلية للقادة المطيعين له، ولا يلجأ إلى انتقاد السياسة الداخلية إلا عندما يرغب فى ممارسة الضغط على من لا يستجيب لمطالبه أو يحيد عن الطريق الذى يرسمه للقادة التابعين له.

لقد استخدم الغرب الإعلام المتفوق لديه، الذى ظل ولا يزال يصوغ الرواية العالمية للأحداث ويقدمها من الزاوية التى تلبى مصالحه حصرا، من أجل الضغط على روسيا، ثم استخدم العقوبات والقيود الاقتصادية والسياسية إلى جانب أدوات الضغط التقليدية.

هذا الكلام، بالطبع، أنقل إليكم من خلاله التفسير الروسى لتطور العلاقة بين روسيا والغرب منذ لحظة دخول بوتين الكرملين رئيسا. وهو، فى رأيى، كلام مهم لكى نفهم الطريقة التى تقرأ بها موسكو، ويقرأ بها الكرملين ونخبته، الصراع الحالى مع الغرب، حتى نستطيع أن نتصور معا أبعاده الحقيقية وإلى أين يمكن أن يصل بنا.

فحرب أوكرانيا، وفق هذا التصور، ليست نقطة البداية، وإنما هى أحدث حلقات السلسلة وأعلى درجات سلم المواجهة التى تراكمت أسبابها وأحداثها على امتداد أكثر من عقدين من الزمن.

ولهذا، من وجهة نظرى، عاد لافروف إلى التاريخ الحديث، وعاد إلى يوغوسلافيا والعراق. وأشار إلى المعلومات التى استخدمت لتبرير التدخل العسكرى فى يوغوسلافيا، ثم إلى العرض الاستعراضى الشهير لوزير الخارجية الأمريكى الراحل كولن باول أمام مجلس الأمن فى فبراير (شباط) ٢٠٠٣، عندما قدم ما يفترض أنها معلومات عن برامج أسلحة الدمار الشامل العراقية، ولوح بالأنبوب الشهير الذى أصبح أحد أبرز المشاهد التى سبقت غزو دولة الحضارة العريقة، العراق، فى مارس (آذار) ٢٠٠٣، وتدميرها كما دمر التتار مكتباتها العريقة قبل ذلك بقرون، ثم ثبت لاحقا عدم العثور على مخزونات أسلحة الدمار الشامل التى استخدمت فى تبرير الحرب.

وهذا المثال يقدمه لنا وزير الخارجية الروسى لكى يخبرنا بضرورة أن نكون حذرين وواعين. فالرجل قد بلغ من العمر الدبلوماسى عتيا، وكأنه يقول لنا: انظروا وانتبهوا إلى الطريقة التى يبنى بها الغرب الرواية السياسية والإعلامية التى تسبق استخدامه القوة، ويمنح لنفسه بذلك الغطاء اللازم أمام الرأى العام الداخلى فى بلاده، الذى يهمه بالدرجة الأولى، ثم أمام الرأى العام العالمى، حتى يقلل مساحة الاعتراض بعد ذلك.

ثم توقف الوزير الروسى مطولا أمام قضية أليكسى نافالنى، التى شكلت لسنوات أحد أبرز الملفات التى استخدمها الغرب فى انتقاد بوتين خلال السنوات التى سبقت التصعيد الكبير فى أوكرانيا.

أعاد الوزير الروسى التذكير بالمرحلة الأخيرة من قضية نافالنى، عندما قال إن المستشفى الذى استقبله أولا فى مدينة أومسك الروسية بعد تدهور حالته الصحية لم يثبت تعرضه للتسمم بمواد كيميائية، وقال إن ذلك مثبت بالوثائق. وبعد ذلك نقل نافالنى إلى مستشفى شاريتيه فى برلين، وأعلنت السلطات الألمانية لاحقا وجود آثار لمادة من مجموعة «نوفيتشوك».

واتهم الوزير الروسى الجانب الألمانى بعدم تقديم المواد والوثائق التى طلبتها موسكو للتحقق من هذه النتائج. وفى المقابل، أعلنت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، بعد تحليل عينات أخذها خبراؤها من نافالنى، وجود مؤشرات لمادة مثبطة للكولين إستيراز ذات خصائص بنيوية مشابهة لمواد من عائلة «نوفيتشوك». وهنا تتباين بصورة واضحة الرواية الروسية مع النتائج التى أعلنتها ألمانيا والمنظمة الدولية.

وعندما أتى شيخ الدبلوماسيين الروس إلى الحديث عن الملف الأكثر ارتباطا بالتوتر الروسى الأوروبى الحالى، وهو المسيرات التى يقال إنها روسية فى أجواء الدول الأوروبية، وخصوصا قصة المسيرة فى مطار لايبزيغ الألمانى، قال لافروف إن الإعلام الغربى يستخدم حوادث ظهور طائرات مسيرة فوق دول الاتحاد الأوروبى لاتهام روسيا من دون تقديم أدلة كافية.

وقد جاء كلامه وسط ارتفاع حاد فى التوتر مع بولندا وليتوانيا كذلك، وبصورة خاصة فى أعقاب تصريحات وزير الخارجية البولندى رادوسلاف سيكورسكى بشأن استعداد بلاده وحلفائها للرد دفاعيا وهجوميا على روسيا.

بلا شك، المسألة هنا تتجاوز الجدل حول جنسية كل مسيرة. فإثبات أن روسيا تتعمد إرسال مسيرات إلى المجال الجوى لدول الناتو ستكون له نتائج سياسية وعسكرية عكسية مباشرة عليها، لأنها ستقود بالتأكيد إلى تعزيز الدفاعات الجوية وزيادة الإنفاق العسكرى، فضلا عن أنها ستقدم مبررا لتوسيع الحلف انتشار قواته.

وبالتالى، لن تكون روسيا مستفيدة من ذلك فى الوقت الحالى. ولهذا تحاول موسكو منع تحول الوقائع الفردية غير المؤكدة ابتداء إلى استنتاج سياسى ثابت فى الذهنية الجمعية الأوروبية، مفاده أنها تنفذ حملة متعمدة ضد المجال الجوى الأوروبى.

أما الجزء الأكثر تفصيلا فى كلمته فتعلق ببوتشا وأحداثها. عرض لافروف الرواية الروسية بشأن ما جرى، واتهم الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون بخداع بوتين عندما اتصل به يوم ٢٩ مارس (آذار) ٢٠٢٢، على خلفية اجتماعات إسطنبول بين الروس والأوكرانيين، التى توصل خلالها الطرفان إلى تفاهمات كان من الممكن، بحسب الرواية الروسية، أن تقود إلى إنهاء الحرب فى نهاية شهرها الأول.

وبحسب ما عرضه لافروف، طلب ماكرون من بوتين سحب القوات الروسية من محيط العاصمة الأوكرانية كييف وضواحيها، التى كانت من بينها مدينة بوتشا، وبرر طلبه بأن التفاوض لا يمكن أن يجرى والمسدس مصوب إلى رأس الطرف الآخر. ووفق الرواية الروسية، استجاب بوتين، وسحبت القوات الروسية يومى ٢٩ و٣٠ مارس (آذار)، ثم ظهر عمدة مدينة بوتشا تحديدا مبتهجا أمام الإعلام يوم ٣١ مارس (آذار) بمناسبة خروج القوات الروسية، من دون الإشارة إلى وجود جثث فى الشوارع.

ثم ظهرت، فى مطلع أبريل (نيسان)، صور الجثث فى شوارع هذه المدينة الصغيرة، وكانت وسائل إعلام دولية، من بينها «بى بى سى»، حاضرة لنقل صور المأساة والجثث التى ظهرت فى بوتشا، بعد أيام قليلة من إعلان عمدة المدينة خروج القوات الروسية منها من دون أن يتحدث فى ذلك الإعلان عن وجود قتلى أو جثث فى الشوارع.

وهذه هى النقطة التى تستند إليها موسكو فى التشكيك فى الرواية الأوكرانية والغربية بشأن أحداث بوتشا. فى المقابل، تتهم أوكرانيا ودول غربية القوات الروسية بقتل المدنيين خلال فترة سيطرتها على المدينة، كما وثقت جهات دولية حالات قتل لمدنيين وطالبت بتحقيقات مستقلة فى الانتهاكات التى شهدتها بوتشا. ولذلك ينبغى التمييز هنا بين الرواية التى عرضها لافروف بشأن تسلسل الأحداث وبين المسؤولية عن عمليات القتل، التى تنفيها موسكو وتتهم بها كييف القوات الروسية.

وربط لافروف اتصال ماكرون ببوتين بالدور الذى لعبه رئيس الوزراء البريطانى الأسبق بوريس جونسون، الذى وصل إلى كييف فى أبريل (نيسان) ٢٠٢٢، فى وقت كانت فيه المفاوضات بين موسكو وكييف لا تزال مستمرة.

ويستند الجانب الروسى فى هذا الصدد، من بين أمور أخرى، إلى تصريحات دافيد أراخاميا، رئيس الوفد الأوكرانى فى مفاوضات إسطنبول، الذى قال لاحقا إن جونسون أبلغ الجانب الأوكرانى بأن الغرب غير مستعد لتوقيع شيء مع روسيا، ودعا إلى مواصلة القتال. وأراخاميا لا يزال حيا ويشارك فى الحياة السياسية الأوكرانية واجتماعات القيادة الأوكرانية.

لكن أراخاميا تحدث أيضا عن عوامل أخرى حالت دون التوصل إلى اتفاق، من بينها عدم الثقة فى روسيا، ومسألة الضمانات الأمنية، والحاجة إلى تعديل الدستور الأوكرانى إذا قبلت كييف الحياد. ولذلك فإن القول إن زيارة جونسون كانت السبب الوحيد فى إفشال اتفاق نهائى يتجاوز ما تثبته شهادة أراخاميا نفسها، فى حين ترى موسكو أن الزيارة أدت دورا أساسيا فى إجهاض مسار التفاوض.

بالطبع، لم يتوقف لافروف عند أوكرانيا، فقد وسع مفهوم الحرب المعلوماتية ليشمل العقوبات والسياسة الاقتصادية الغربية والعلاقات مع الصين ودول الجنوب العالمى والتصويت فى الأمم المتحدة، بل وحتى الرياضة والثقافة.

واتهم الوزير الروسى الدول الغربية بأنها تلجأ إلى القيود والعقوبات والضغط السياسى لأنها تعرف، بحسب رؤيته، أن المنافسة المفتوحة غير كافية لكى تحافظ على مواقعها فى الاقتصاد العالمى. «لا تستطيع العيش فى ظل المنافسة الشريفة»، هكذا قال الوزير لافروف عن دول الغرب.

واتهمها كذلك بالضغط على دول الجنوب العالمى، بما فى ذلك عبر التلويح بمنع المساعدات والتمويل عنها إذا صوتت فى المؤسسات الدولية على خلاف الرغبة الأمريكية والأوروبية.

وهذا الكلام يضع اتهامات لافروف للغرب داخل الخطاب الروسى الأوسع عن النظام الدولى متعدد الأقطاب وحاجة العالم الملحة إليه الآن، بحسب الرؤية الروسية.

إن موسكو، يا أيها القارئ الكريم، لا تتعامل مع الإعلام حاليا على أنه قطاع منفصل عن الاقتصاد أو المؤسسات الدولية. فقد أدركت، وإن كان ذلك متأخرا، أهمية الإعلام ودوره فى العالم المعاصر. لقد أدركت أن امتلاك شبكات الإعلام العالمية والنظام المالى الدولى ومؤسسات العقوبات والنفوذ داخل المنظمات الدولية وفر، ولا يزال يوفر، للغرب حزمة من الأدوات المهمة جدا التى تعمل معا من أجل الحفاظ على نفوذه وموقعه المهيمن فى النظام الدولى.

ومن هذه الزاوية، تصبح المنافسة مع الصين، وفرض العقوبات على روسيا، والصراع على أصوات دول آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، فضلا عن الحرب الإعلامية الشرسة حول أوكرانيا، أجزاء مختلفة من المشكلة نفسها.

وهذا الاستنتاج الذى وصلت إليه معكم يفسر لنا طبيعة المنتدى الذى اختاره لافروف ليكون المنصة التى يعرض منها هذه الأفكار أمام الحضور وأمام العالم. فالنسخة الرابعة من المنتدى، الذى أطلقته موسكو قبل أربع سنوات ومنحته اسم «حوار حول الأخبار الزائفة»، هى ترجمة عملية لهذا الإدراك الروسى المتأخر لأهمية الإعلام.

وتجمع هذه النسخة مسؤولين وصحفيين وخبراء دوليين فى التحقق من المعلومات والتكنولوجيا من عشرات الدول، وتضمنت أجندتها موضوعات الذكاء الاصطناعى، وكيف يمكن استخدامه فى التزييف العميق، وأمن الانتخابات، وما يطلق عليه المنظمون «السيادة المعرفية».

هذا المنتدى هو محاولة، أو لأكون أدق، جزء من سياسة روسية جديدة تستهدف بناء قنوات وشبكات معلوماتية مع دول الجنوب العالمى، بالتوازى مع بناء علاقات اقتصادية وسياسية خارج المؤسسات التى يسيطر عليها الغرب أو يتمتع داخلها بالنفوذ الأكبر.

تريد موسكو أن تقول لهذه الدول إن الخلاف حول أوكرانيا ليس حالة منفصلة، بل هو نموذج، وفق الرؤية الروسية، للطريقة التى يمكن أن تستخدم بها القوة والآلة الإعلامية الجبارة، ومعها الأدوات الاقتصادية، ضد أى دولة تحاول الانعتاق من التبعية والخضوع للغرب أو تدخل فى مواجهة سياسية مع المراكز الغربية.

بالطبع، وحتى لا يكون كلامنا مجرد تنظير، نقول إن نجاح هذه الاستراتيجية، التى أراها محاولة محمودة، سيظل مرتبطا بمشكلة أساسية، وهى أن القدرة على تقديم رواية بديلة، على أهميتها، لا تكفى فى حد ذاتها لإثبات صحتها. وبالطبع، هذا الكلام ينطبق على الطرفين.

فالادعاء الغربى يحتاج إلى دليل، وعلينا أن نتوقف عن قبول كل ما يقدمه الغرب إلينا باعتباره حقيقة مكتملة من دون تمحيص أو تحقق. فالعالم واسع الأرجاء، ومصادر المعلومات متعددة، ويكفى فقط أن نفتح أعيننا بصورة أوسع، وأن نبحث ونقارن قبل أن نصدر أحكامنا.

وبالتأكيد، أى ادعاء روسى لا بد أن نطلب عليه دليلا أيضا. وهذه القاعدة، أى ضرورة التحقق من الروايات، تزداد أهمية الآن. والسبب فى ذلك أن المسيرات والذكاء الاصطناعى والصور المولدة رقميا والسرعة الهائلة لانتشار المعلومات جعلت الفترة الفاصلة بين وقوع الحدث وتشكيل الموقف السياسى منه أقصر من غمضة عين.

* باحث وإعلامى متخصص فى الشأن الروسى

مصدر الصورة

ينشر بالتعاون مع CAES مركز الدراسات العربية الأوراسية