دعا الدكتور مصطفى مدبولى، رئيس مجلس الوزراء، إلى استعادة الثقة فى النظام الدولى وتعزيز التعددية الفعالة، مؤكدا أن العالم يحتاج إلى نظام يضمن لكل دولة صوتا مسموعا، ويحترم مبدأ المساواة فى السيادة، ويلتزم بتطبيق القانون الدولى وتسوية النزاعات سلميا.
وقال مدبولى، خلال إلقاء كلمة مصر أمام النقاش العام للشق رفيع المستوى للدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة فى نيويورك، نيابة عن الرئيس عبد الفتاح السيسى، السبت، إن العالم يتغير بوتيرة أسرع من قدرة مؤسسات الحوكمة على الاستجابة، مشيرا إلى أن الأزمة لا تكمن فى غياب المواثيق والمبادئ، وإنما فى اتساع الفجوة بين ما يتم إعلانه وما يتم تطبيقه، وبين من يتخذ القرار ومن يتأثر به.
وأوضح رئيس الوزراء، أن العالم لا يحتاج إلى تعددية شكلية تكتفى بجمع الدول فى نقاشات، وإنما إلى تعددية فعالة يكون فيها لكل دولة صوت مسموع، ولكل شعب نصيب عادل من القرارات والفرص والموارد.
وأشار إلى تراجع الثقة فى جدوى العمل الجماعى والنظام متعدد الأطراف، مؤكدا الحاجة الملحة إلى استعادة الاحتكام للقانون الدولى وتجنب سياسات الاستقطاب والمعايير المزدوجة.
وشدد مدبولي على أن استعادة الثقة تتطلب ثلاث ركائز مترابطة، هى العدالة فى التمثيل وصنع القرار، والعدالة فى تطبيق القانون، والعدالة فى توزيع فرص التنمية والتحول، مؤكدا أن هذه الرؤية لا تستهدف إعادة بناء النظام العالمى من الصفر، وإنما الوفاء بوعوده ومقاصده الأصلية.
وأكد مدبولى أن القضية الفلسطينية تمثل «الشاهد الأبرز» على الخلل القائم فى النظام الدولى ومصداقيته، مشددا على أن معاناة الشعب الفلسطينى والقمع والانتهاكات التى يتعرض لها لا يجوز أن تتحول إلى واقع مألوف أو إلى أزمة تدار من جولة إلى أخرى.
وشدد على ضرورة تثبيت وقف إطلاق النار فى قطاع غزة وفقا لخطة شرم الشيخ وخطة الرئيس الأميركى دونالد ترامب، وضمان الالتزام الكامل به، ووقف الانتهاكات الإسرائيلية اليومية، واستكمال الانسحاب، وتأمين وصول المساعدات الإنسانية بصورة آمنة ومستدامة، وتمكين اللجنة الوطنية لإدارة غزة من مباشرة أعمالها، ثم الانتقال إلى التعافى المبكر وإعادة الإعمار.
وأكد أن مصر تحملت مسؤوليتها بالتعاون مع الشركاء من أجل تثبيت وقف إطلاق النار، وكانت أكبر مصدر للمساعدات الإنسانية التى وصلت إلى قطاع غزة، وستواصل دعم إعادة إعمار القطاع.
وأوضح أن هذه الخطوات ليست إنسانية فحسب، وإنما تمثل، بحسب قوله، مدخلا ضروريا لمسار سياسى جاد يعالج جذور الصراع وينهيه، محذرا من أن إدارة الأزمات بدلا من حلها لا تصنع استقرارا.
وجدد رئيس الوزراء رفض مصر القاطع لأى محاولة لتهجير الشعب الفلسطينى من أرضه، سواء من قطاع غزة أو الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية، مؤكدا أن السلام لا يمكن أن يبنى على اقتلاع شعب من أرضه.
وطالب المجتمع الدولى بتحمل مسؤوليته تجاه القضية الفلسطينية، ووقف الانتهاكات الإسرائيلية الممنهجة للقانون الدولى، وحماية المدنيين، ورفض العقاب الجماعى، وضمان احترام القانون الدولى الإنسانى.
وأكد أن الهدف المصرى واضح وهو تجسيد دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة ومتّصلة جغرافيا على خطوط الرابع من يونيو 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، فى إطار حل الدولتين ووفقا لقرارات الشرعية الدولية، مع الحفاظ على وحدة الأرض والنظام السياسى الفلسطينى وتمكين الشعب الفلسطينى من إدارة شؤونه.
وأكد مدبولى أن الأمن المائى لمصر يمثل «قضية وجودية لا تحتمل أى مساومة»، مشددا على احتفاظ مصر بحقها المشروع والمكفول فى حماية أمنها المائى.
وأوضح أن مصر لا تقف ضد حق أى شعب فى التنمية، كما تؤمن بأن موارد المياه العابرة للحدود يجب أن تكون مجالا للتعاون، لكنه شدد على رفض أى إجراءات أحادية تمس الحصص المائية التاريخية لمصر.
ورفض رئيس الوزراء تفكيك الدول الإقليمية أو إنشاء كيانات موازية للمؤسسات الوطنية، محذرا من أن دعم الجماعات المسلحة لتحقيق مصالح سياسية يضع الأطراف الداعمة فى قلب الأزمة، وأنه لا يمكن بناء أمن أى دولة على حساب تهديد استقرار جيرانها.
وأشار إلى أن محاولات تقويض سيادة الدول عبر تغذية النزاعات الأهلية تؤدى إلى زيادة هشاشة المنطقة، وما يترتب عليها من تهديدات للملاحة والموارد الحيوية واستقرار الحدود المشتركة.
وأكد مدبولى حاجة مصر إلى إصلاح حقيقى وشامل لمجلس الأمن، ضمن رؤية أوسع لإصلاح بنية النظام الدولى وتعزيز عدالة التمثيل وصنع القرار.
كما دعا إلى إصلاح النظام المالى الدولى، مؤكدا أن ذلك بات ضرورة قصوى فى ظل التحديات الاقتصادية والبيئية المتشابكة.
وشدد على حاجة الدول النامية إلى مؤسسات تمويل دولية أكثر استجابة للتحديات الراهنة، مع تمكين الاقتصادات الناشئة من تحقيق أهدافها التنموية دون أعباء إضافية.
وأشار إلى أن دول الجنوب العالمى، التى تضم الأغلبية الساحقة من سكان العالم، من أكثر الأطراف تضررا من تراجع سيادة القانون الدولى وضعف أطر الحوكمة العالمية والتعاون الدولى.
وأكد مدبولى أن العمل المناخى يجب أن يسير جنبا إلى جنب مع التنمية ومكافحة الفقر، مشددا على أهمية ربط التمويل المناخى ببرامج تقليل معدلات الفقر.
وأشار إلى أن استقرار الهيكل الاقتصادى العالمى يرتبط بمدى قدرة المؤسسات الدولية على الاستجابة للأزمات المتشابكة وتوفير بيئة أكثر عدالة للتنمية المستدامة.
وأكد أن الحق فى التنمية لا يمكن فصله عن الظروف الدولية المحيطة، داعيا إلى توفير فرص عادلة للدول النامية وتمكينها من تحقيق أهدافها التنموية.
وفيما يتعلق بالتطور الرقمى، قال مدبولى إن إدارة الذكاء الاصطناعى تتطلب صياغة أطر شاملة لحوكمته، بما يضمن الحد من مخاطره وتحقيق استخدام عادل للتقنيات الحديثة.
وأكد دعم مصر لوضع مبادئ علمية تحمى الخصوصية وتضمن الشفافية والمساءلة، بما يواكب التطور المتسارع فى التكنولوجيا.
وشدد رئيس الوزراء على رفض سباقات التسلح الأكثر خطورة، مؤكدا تمسك مصر بمنظومة متكاملة لنزع السلاح وعدم الانتشار دون معايير مزدوجة.
وأكد أن حماية السلم والأمن الدوليين تتطلب احترام قواعد القانون الدولى، والابتعاد عن المعايير المزدوجة، وتعزيز التعاون الدولى لمعالجة النزاعات والأزمات.
واختتم مدبولى رؤيته بالتأكيد على أن إصلاح النظام الدولى لا ينفصل عن معالجة أزمات المنطقة، وفى مقدمتها القضية الفلسطينية والأمن المائى، إلى جانب تحقيق عدالة أكبر فى التنمية والتمويل الدولى والاستجابة للتحديات العالمية.
المصدر:
المصري اليوم