لم تَعُد منطقة آسيا الوسطى استراتيجياً مجال نفوذ حصرى بين روسيا والصين، أو ساحة تنافس تقليدية بين القوى الكبرى على الطاقة والموارد والممرات؛ فقد شهدت السنوات الثلاث الأخيرة صياغة جديدة لشبكة علاقات المنطقة الخارجية من خلال توسيع دوائر الشراكة مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبى واليابان والهند ودول مجلس التعاون الخليجى وتركيا، بالتوازى مع استمرار الروابط الاقتصادية والأمنية العميقة مع روسيا والصين، ما قد يعيد تعريف موقع المنطقة فى معادلة النفوذ الأوراسى.
وفى خضم هذه التحولات المتشابكة، شهدت العاصمة الكورية الجنوبية، سيول، يومى ١٦ و١٧ سبتمبر ٢٠٢٦، أول قمة رئاسية تجمع بين الرئيس الكورى، لى جيه ميونغ، ورؤساء دول آسيا الوسطى الخمس، كازاخستان وأوزبكستان وتركمانستان وقرغيزستان وطاجيكستان، نتج عنها اعتماد «إعلان سيول» كإطار مؤسسى ناظم للعلاقات الثنائية والإقليمية بين الطرفين للثلاثين عاماً المقبلة.
وتحمل هذه القمة فى طياتها مجدداً حقيقة انتقال آسيا الوسطى من هامش جيوسياسى إلى ساحة تنافس محورية على موارد الصناعات المتقدمة، خاصةً المعادن الحيوية التى باتت أساس الأمن الصناعى العالمى، وهو ما برز فى تعاقُب ١٠ قمم كبرى خلال أقل من ٣ سنوات: (الصين ٢٠٢٣، وألمانيا ٢٠٢٣- ٢٠٢٤، ومجلس التعاون الخليجى ٢٠٢٣، والاتحاد الأوروبى ٢٠٢٥، وإيطاليا ٢٠٢٥، والولايات المتحدة ٢٠٢٥، واليابان ٢٠٢٥، وروسيا ٢٠٢٥، وكوريا الجنوبية ٢٠٢٦).
مراحل تطور العلاقات:
جاءت القمة الرئاسية الأولى بين آسيا الوسطى وكوريا الجنوبية تتويجاً لمسار تراكمى من العلاقات الممتدة منذ بداية التسعينيات؛ والتى يمكن تقسيمها إلى أربع مراحل أساسية، كما يلى:
المرحلة الأولى (١٩٩٠–٢٠٠٦): مثلت بناء العلاقات الثنائية بين الطرفين، وركزت على الاعتراف المتبادل، والعلاقات الدبلوماسية، وبدايات التعاون التعليمى والثقافى.
المرحلة الثانية (٢٠٠٧–٢٠١٦): ركزت على المأسسة متعددة الأطراف من خلال تدشين (منتدى التعاون بين كوريا وآسيا الوسطى)، لتتحول العلاقة من الطابع الثنائى إلى إطار إقليمى جماعى.
المرحلة الثالثة (٢٠١٧–٢٠٢٣): انتقلت من مجالات التبادل الثقافى والتنمية إلى الاهتمام بالموارد والطاقة والصناعة من خلال إنشاء أمانة عامة لمنتدى التعاون، فى إطار سياسة جديدة لكوريا الجنوبية تقوم على تنويع الموارد والطاقة والأسواق.
وفى هذا الإطار، شهد عام ٢٠٢٠ إطلاق (مجلس الأعمال الكورى الجنوبى– آسيا الوسطى)، بوصفه أول آلية تشاورية اقتصادية متعددة الأطراف تجمع مجتمع الأعمال الكورى ونظرائه فى دول آسيا الوسطى الخمس، ليعزز الانتقال من الحوار السياسى إلى بناء أطر مؤسسية للتعاون الاقتصادى.
المرحة الرابعة (٢٠٢٤–الآن): تشهد هذه المرحلة تحولاً جوهرياً مع إطلاق مبادرة طريق الحرير الكورى (K-Silk Road)، فى يونيو ٢٠٢٤، كأول استراتيجية دبلوماسية كورية جنوبية مُخصَّصة لآسيا الوسطى؛ وهو ما يعكس تحوُّل سيول من التعاون القطاعى إلى مقاربة استراتيجية أكثر شمولاً، تَستهدِف تعزيز الشراكة فى سلاسل الإمداد والمعادن الحيوية والطاقة والنقل والتحول الرقمى.
وفى نفس العام أيضاً، أطلق الطرفان (منتدى مراكز الفكر الكورى الجنوبي–الآسيوى الوسطي)، ليضيف بعداً معرفياً واستشرافياً إلى شبكة قنوات التعاون المؤسسى بين الجانبين، وصولاً إلى القمة الرئاسية الأولى فى سبتمبر ٢٠٢٦، والتى تُمثل نهاية مرحلة التعاون المؤسسى القطاعى وبداية مرحلة الشراكة الاستراتيجية المؤسسية.
المحفزات والدوافع المتبادلة:
تنبع دوافع انعقاد القمة الرئاسية الأولى بين كوريا الجنوبية وآسيا الوسطى من اعتبارات جيواقتصادية واستراتيجية متشابكة. بالنسبة لكوريا الجنوبية، فإنها تهدف مثل غيرها من الدول الأخرى إلى تأمين الموارد وإعادة بناء سلاسل الإمداد، حيث تُمثل المعادن الحرجة أحد المحركات الرئيسية للتحرك الكورى الجديد. وفى ظل اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية وتصاعُد المخاطر الجيوسياسية المرتبطة بتايوان وشرق آسيا، تسعى سيول إلى تأسيس قنوات بديلة للنقل والتصنيع.
وتعمل سيول كذلك على تحويل التكنولوجيا إلى أداة جيواقتصادية، نظراً لامتلاكها ميزة تنافسية تتمثل فى الجمع بين التكنولوجيا المتقدمة والقدرة التصنيعية والاستثمار الخاص ونقل المعرفة. ولهذا تتجه العلاقة مع آسيا الوسطى نحو نموذج يقوم على بناء اعتماد صناعى مُتبادَل يجعل الشركات الكورية جزءاً من البنية الاقتصادية المستقبلية للجمهوريات الخمس.
وقد برز ذلك فى انعقاد «قمة الأعمال الأولى» يوم ١٦ سبتمبر -على هامش القمة الرئاسية-، والتى شارك فيها أكثر من ٥٠٠ ممثل حكومى وشركات من الجانبين، وتم خلالها توقيع ١٩ مذكرة تفاهم فى قطاعات تشمل المعادن الحيوية والصناعة والبنية التحتية والتقنيات الرقمية.
ويُعد التعاون فى مجال الطاقة النووية السلمية أحد عناصر الانخراط الكورى فى آسيا الوسطى، لأن مشروعات الطاقة النووية تخلق روابط تمتد لعقود. وقد بدأ هذا التعاون مع كازاخستان قبيل انعقاد قمة «كوريا الجنوبية- آسيا الوسطى» مباشرة، إذ وقَّع الرئيس لى جيه ميونغ والرئيس قاسم جودت توكاييف، مذكرة للتعاون فى مجال الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، يوم ١٥ سبتمبر ٢٠٢٦، إلى جانب ١٢ مذكرة تعاون أخرى شملت مجالات النفط والعلوم والتكنولوجيا والتعدين والذكاء الاصطناعى، ورفع مستوى العلاقات الثنائية إلى الشراكة الاستراتيجية الشاملة.
وإذا كانت كوريا الجنوبية تطمح إلى الموارد والأسواق والموقع المتميز، فإن دول آسيا الوسطى تحتاج إلى ما هو أبعد من الاستثمارات التقليدية، فالشراكة مع سيول تُمثل فرصة لجلب التكنولوجيا والقدرات الصناعية للتقليل من تصدير المواد الخام وزيادة القيمة المضافة لثرواتها من الطاقة والمعادن، والمساهمة فى بناء القدرات الإنتاجية الوطنية طويلة الأمد، التى تشمل الذكاء الاصطناعى ورقمنة الصناعة وتقنيات توفير المياه والطاقة وتأهيل الكوادر العلمية.
وتأمل الجمهوريات الخمس فى زيادة حجم التبادل التجارى وجذب استثمارات كورية جنوبية فى قطاعات غير تقليدية، حيث برز خلال القمة هدف يتمثل فى وصول التبادل التجارى بين الجانبين إلى ٢٠ مليار دولار بحلول عام ٢٠٣٠. وقد بلغ حجم التبادل بين كوريا الجنوبية والجمهوريات الخمس ٥.٧ مليار دولار فى عام ٢٠٢٥، تُشكل تجارة كوريا الجنوبية مع كازاخستان وأوزبكستان منها حوالى ٨٥٪. وبلغ رصيد الاستثمارات الكورية فى الدول الخمس ٦.٥ مليار دولار حتى عام ٢٠٢٥.
نتائج ومخرجات القمة:
تمحورت مخرجات القمة، التى حملت شعار (توجهات التعاون والشراكة بين كوريا وآسيا الوسطى لتعزيز الابتكار والازدهار والتواصل)، حول أربعة محاور رئيسية حددها «إعلان سيول»؛ وهى: مأسسة الشراكة الكورية مع آسيا الوسطى، والعمل المشترك من أجل السلام والاستقرار، وبناء مستقبل من الابتكار والازدهار، وتعميق الروابط الإنسانية والثقة المتبادلة بين الشعوب.
وقد تم خلال القمة توقيع أكثر من ٧٠ اتفاقاً ومذكرة تفاهم فى مجالات الطاقة والتعدين والبنية التحتية والتكنولوجيا والاستثمار وغيرها. لكن الأهمية لا تكمن فى عدد الاتفاقات وحدها، بل فى طبيعة وخصوصية القطاعات التى تشملها، إذ يُعتبَر «إعلان سيول» محاولة لتحويل العلاقة إلى إطار مؤسسى طويل الأجل. ويمكن فى هذا الإطار إيجاز ما تمخضت عنه القمة من نتائج ومخرجات فى العناصر التالية:
١ – الجانب المؤسسى: أقر «إعلان سيول» انعقاد القمة الرئاسية بصورة دورية كل عامين، على أن تستضيف كازاخستان القمة التالية فى عام ٢٠٢٨، مع الاستعانة بـ«منتدى التعاون الوزاري» فى الأعوام البينية لمراجعة التنفيذ وإعداد الأجندة التالية، بالإضافة إلى الاتفاق على مأسسة المشاورات على مُختلَف المستويات لتحديد وتنفيذ مشروعات تعاون ملموسة.
٢ – الصناعة وسلاسل التوريد: برز الأمن الاقتصادى كأولوية قصوى، إذ دشنت الدول الست (الهيئة الاستشارية لوزراء الصناعة) بين كوريا وآسيا الوسطى لتكون بمثابة إطار مؤسسى لتنفيذ التعاون فى مجال الصناعة. وانطلاقاً من هذا تم توقيع (مذكرة تفاهم للتعاون الصناعى وسلاسل التوريد).
وفى هذا الصدد، اقترح رئيس أوزبكستان، شوكت ميرضيائيف، تحالفاً إقليمياً للاستثمار فى المعادن الحيوية يغطى دورة الإنتاج الكاملة، وحدد هدفاً بقيمة ٢٠ مليار دولار للتجارة بين كوريا الجنوبية وآسيا الوسطى بحلول عام ٢٠٣٠.
ومن جانبها، اقترحت سيول نموذج بناء سلاسل قيمة مُتبادَلَة المنفعة يربط بين الموارد والاستخراج والمعالجة والتصنيع والتكنولوجيا والمنتج النهائى، بحيث تحصل دول آسيا الوسطى على القيمة المضافة وفرص العمل، بينما تحصل كوريا على مزيد من تنويع مصادر الإمداد والأسواق. ويشمل ذلك بصورة خاصة الليثيوم واليورانيوم والعناصر الأرضية النادرة والمعادن الحيوية.
٣ – قطاع الطاقة والنقل: لم تَطرَح القمة الطاقة باعتبارها ملفاً منفصلاً عن المعادن؛ بل جاءت ضِمْن تصوُّر أوسع لسلاسل الإمداد والبنية التحتية؛ يتضمن التعاون فى النفط والغاز، والطاقة النووية، والطاقة المتجددة، والنقل والسكك الحديدية، إلى جانب الخدمات اللوجستية وتطوير البنية الصناعية، لأن المعادن لا تَكتسِب قيمتها الاستراتيجية إلا إذا ارتبطت بالطاقة والنقل والتصنيع والقدرة على الوصول إلى الأسواق.
فى هذا الإطار، كان النقل قطاعاً رئيسياً آخر فى القمة، حيث اقترح الرئيس توكاييف «سلسلة نقل ولوجستيات متكاملة تمتد من كوريا، عبر آسيا الوسطى، إلى أوروبا»، إذ يُعد الممر الأوسط، المعروف رسمياً بـ«طريق النقل الدولى عبر بحر قزوين» عنصراً أساسياً فى هذا الاقتراح، لأنه ينقل البضائع عبر آسيا الوسطى وعبر بحر قزوين إلى أذربيجان وجورجيا، ومنها إلى الأسواق الأوروبية عبر تركيا أو البحر الأسود. كما سلط الرئيس القرغيزى، صدير جاباروف، الضوء على خط سكة حديد الصين-قرغيزستان-أوزبكستان، ودعا الشركات الكورية للمشاركة فى المرافق الصناعية واللوجستية على طول هذا الخط.
٤ – القطاعات التكنولوجية والخدمية: اعتمدت القمة (مبادرة الشراكة المستقبلية للذكاء الاصطناعى والعلوم والتكنولوجيا بين كوريا وآسيا الوسطى)، والتى تَستهدِف التعاون فى الذكاء الاصطناعى والتحول الرقمى وتنمية الكفاءات البشرية، واستخدام التكنولوجيا لتطوير الصناعة والخدمات العامة، وتوسيع التعاون العلمى والتكنولوجى. كما تبنى إعلان سيول (مبادرة المناخ والطاقة والبيئة الكورية الآسيوية الوسطى) لتعزيز التعاون من أجل التحول الأخضر الخالى من الكربون.
٥ – البعد الأمنى: لم تغب أجندة الأمن القومى الكورى التقليدية عن القمة، إذ أكد القادة الستة التزامهم بنزع السلاح النووى الكامل من شبه الجزيرة الكورية وإرساء سلام دائم فيها، والتشديد على أهمية منطقة آسيا الوسطى الخالية من الأسلحة النووية فى تعزيز نظام منع الانتشار النووى العالمى، ما يعكس محاولة كورية جنوبية لتوسيع دائرة الدعم الدبلوماسى لملفها الأمنى عبر شراكات إقليمية غير تقليدية. كما شمل «إعلان سيول» التأكيد على التزامات أوسع من الطرفين بمكافحة الإرهاب والاتجار غير المشروع والتهديدات السيبرانية والجريمة العابرة للحدود.
أخيراً، يعكس ارتقاء العلاقات الكورية– الوسط آسيوية إلى مستوى القمة الرئاسية تحولاً نوعياً فى طبيعة الحضور الكورى فى هذه المنطقة. والأمر لا يتعلق هنا بمجرد إضافة فاعل جديد إلى قائمة طويلة من المتنافسين، بقدر ما يرتبط بإدخال نمط مغاير من النفوذ من العديد من الدول فى السنوات الأخيرة، وهو نمط يقوم على التكنولوجيا والتصنيع والمعادن الحرجة والطاقة النووية والذكاء الاصطناعى وسلاسل التوريد.
ومن هنا تتسم البيئة الإقليمية فى وسط آسيا بتعدد الفاعلين وتداخل المصالح، إذ تسعى جميع القوى الفاعلة إلى النفوذ الجيواقتصادى؛ فاليابان وكوريا الجنوبية والهند وألمانيا يحاولون منافسة القوى الأخرى، خاصة الصين، كشريك تصنيعي- تكنولوجى لآسيا الوسطى، فيما أسفرت القمة الأمريكية– الوسط آسيوية فى نوفمبر ٢٠٢٥ عن التزامات تجارية أمريكية تجاوزت ١٣٠ مليار دولار شملت شراكات فى المعادن الحرجة والطاقة وسلاسل التوريد.
وعلى الجانب الآخر، يبقى النفوذ الروسى فى المنطقة مستنداً إلى الروابط التاريخية والأمنية عبر منظمة معاهدة الأمن الجماعى والاتحاد الاقتصادى الأوراسى، فيما تقوم الصين منذ عام ٢٠٢٣ بشغل مساحة أوسع سواءً أمنياً أو اقتصادياً فى المنطقة، وتراهن تركيا على الروابط اللغوية والثقافية والعرقية المشتركة عبر منظمة الدول التركية وتسعى لوضع نفسها كجسر ثقافى-اقتصادى، إلا أن إمكاناتها التمويلية والتكنولوجية محدودة مقارنةً بالدول الأخرى المتنافسة.
* باحثة دكتوراه فى العلوم السياسية، متخصصة فى الشأن الآسيوى
ينشر بالتعاون مع مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة
المصدر:
المصري اليوم