آخر الأخبار

سعد خلف يكتب: انتخابات الدوما 2026.. ماذا بعد؟ أو ما الذى حدث فعليًا؟

شارك

قبل أكثر من شهر من الآن، وتحديدا يوم ١٦ أغسطس (آب) ٢٠٢٦، كتبت مقالا طويلا، ربما أصاب بعضكم بالصداع، وكان عنوانه: «انتخابات مجلس الدوما ٢٠٢٦.. ماذا قبل؟ أو ما الذى يحدث فعليا؟».

المهم أننى قلت وقتها إن السؤال الحقيقى لانتخابات الدوما المقبلة، وهى الأولى منذ اندلاع الحرب فى أوكرانيا بقرار بوتين فجر يوم ٢٤ فبراير (شباط) ٢٠٢٢، ليس: من سيفوز بها؟

وذلك لأن الإجابة عنه كانت معروفة إلى حد كبير، إن لم تكن مؤكدة، وهى أن حزب روسيا الموحدة الحاكم هو الذى سيفوز.

لكننى قلت إن الأسئلة التى ينبغى علينا، كمراقبين، متابعتها، لأنها الأهم بحكم الظروف التى تعيشها روسيا وتجرى فيها هذه الانتخابات التشريعية، هى: بأى نسبة سوف يفوز؟ وبأى مستوى من المشاركة الشعبية ستجرى الانتخابات؟ وأين ستذهب أصوات الاعتراض؟ وهل ستتحول الضغوط الاقتصادية وتعب الحرب إلى تصويت احتجاجى ضد سياسات بوتين والحزب الحاكم؟

الآن انتهى التصويت، وأصبح لدينا ما يكفى من الأرقام لكى نعود إلى هذه الأسئلة. وليس غرضى هنا أن أقول إن توقعاتى كانت صحيحة أو خاطئة، فهذا أمر لا أوليه اهتماما، ولكن لكى أرى معكم، أعزائى القراء الراغبين فى فهم ما يجرى داخل هذه الدولة الكبيرة الرائعة بحق وبموضوعية شديدة، ماذا قال الناخب الروسى فعليا عندما وقف أمام الصندوق أو ضغط على زر التصويت الإلكتروني؛ فهذه الخاصية كانت متوفرة لأكثر من ٤٨ مليون ناخب وناخبة من الروس فى عملية الاقتراع.

وأريد البدء بتنبيه مهم، وهو أن الأرقام التى أستخدمها فى هذا المقال، لحظة كتابتى هذه السطور، يوم الاثنين ٢١ سبتمبر (أيلول) ٢٠٢٦، الساعة ١٤:١٥ بتوقيت موسكو، لا تزال نتائج أولية، وإن كانت شبه نهائية، لأنها تأتى بعد فرز أكثر من ٩٥٪ من محاضر كل اللجان الانتخابية. لكن لجنة الانتخابات المركزية الروسية سوف تعتمد النتائج النهائية يوم ٢٥ سبتمبر (أيلول)، وذلك بعد فحص الشكاوى والطعون.

وبذلك أقول إن المادة والبيانات التى تحت يدى تسمح بالقول إن الاتجاهات الأساسية باتت مستقرة بما يكفى للتحليل.

وأعترف بأن النتيجة الأولى هى أننى كنت محقا فى نقطة، وأقل دقة مما ينبغى فى نقطة أخرى.

كنت محقا عندما قلت إن الانتخابات لن تغير مركز السلطة، وأنها لن تنتج حكومة معارضة، وأنها لن تجعل الدوما مركزا مستقلا عن الكرملين والرئيس فى صنع القرار.

لكن حجم انتصار حزب روسيا الموحدة جاء، حتى بالنسبة لى شخصيا، وبالنسبة إلى كثير من التقديرات الروسية التى أوردتها لكم فى المقال السابق وغيرها للانتخابات، أكبر مما كان متوقعا.

فبعد فرز أكثر من ٩٥٪ من المحاضر، حصل الحزب الحاكم على نحو ٥٧.٨٣٪ من أصوات القوائم الحزبية، مقابل ٤٩.٨٢٪ فى انتخابات الدورة السابقة عام ٢٠٢١. وحصل الحزب الشيوعى على ١٣.٨١٪، والليبرالى الديمقراطى على ٨.٩٨٪، والناس الجدد على ٧.٩٦٪، فيما بقى حزب روسيا العادلة، لحظة كتابة هذه السطور، عند نحو ٤.٩٦٪، أى على مسافة أجزاء من المئة من حاجز الخمسة فى المائة.

هذه الأرقام طبعا لا تشرح ما حدث، وذلك بسبب النظام الانتخابى نفسه؛ فالقصة الحقيقية، وكما ذكرت لكم فى المقال السابق، توجد فى الدوائر الفردية. روسيا الموحدة، مثلا، لم يحصل فقط على ما يقرب من ٥٨٪ من أصوات القوائم، وإنما فاز مرشحوه، وفق النتائج الأولية، فى ٢٠٨ دوائر فردية من أصل ٢٢٥.

وبناء على هذا الكلام، فإن النتيجة التى لدينا هى أن التوزيع الأولى للمقاعد يمنحه نحو ٣٥٥ مقعدا من أصل ٤٥٠، أى أغلبية دستورية مريحة، مقابل ٣٢٤ مقعدا حصل عليها فى انتخابات ٢٠٢١. أما الحزب الشيوعى فيتجه إلى نحو ٤٠ مقعدا، والليبرالى الديمقراطى إلى ٢٥ مقعدا، والناس الجدد إلى ٢٠.

وأصل معك هنا، عزيزى القارئ المهتم، إلى استنتاج مهم لما نرمى إليه من هذا الكلام كله، وهو أن الانتخابات البرلمانية الروسية لم تؤكد فقط استمرار النظام الذى وصفته لك فى مقال أغسطس (آب)، ولكنها أيضا كشفت عن زيادة فى كفاءة تحويل التفوق الانتخابى لحزب روسيا الموحدة، حزب بوتين، إلى هيمنة برلمانية شبه مطلقة. فالحزب يحصل على أقل من ثلاثة أخماس الأصوات الحزبية، لكنه يمكن أن يسيطر على ما يقرب من أربعة أخماس مجلس الدوما.

وهذا ليس سرا ولا تزويرا حسابيا فى حد ذاته، وإنما هو نتيجة مباشرة لطبيعة النظام الانتخابى المختلط الذى تحدثنا عنه وألمحت إليه مجددا أعلاه؛ فلدينا ٢٢٥ مقعدا بنظام القوائم و٢٢٥ بالدوائر الفردية، حيث يمتلك الحزب الحاكم ماكينة إقليمية وتنظيمية تتفوق بفارق كبير على منافسيه.

إذن، أول إجابة عن سؤالنا القديم هى: نعم، تفوق روسيا الموحدة فى الدوائر الفردية كان مرة أخرى هو العامل المضاعف الحقيقى لقوته البرلمانية. لكن المفاجأة الأكبر، فى رأيى، ليست هنا.

المفاجأة الأكبر، أيها القراء الأعزاء، هى نسبة المشاركة. فبرغم ظروف الحرب والعقوبات والقصف، بلغت نسبة المشاركة التى أعلنتها لجنة الانتخابات المركزية على لسان رئيستها إيلا بانفيلوفا صباح اليوم الاثنين ٥٩.٣٢٪، مقابل ٥١.٧٢٪ فى انتخابات مجلس الدوما عام ٢٠٢١.

وهذا الرقم مهم جدا، بل أكثر أهمية فى رأيى من أرقام الحزب الحاكم. وينبغى التنويه كذلك، قبل أن نبدأ فى توزيع شهادات التأييد السياسى، بأن ارتفاع نسبة المشاركة فى التصويت من جانب المواطنين الروس لا يعنى أن الروس يؤيدون كلهم حزب روسيا الموحدة، ولا يعنى كذلك أن ٥٩٪ من السكان يؤيدون الحرب بالمطلق، ولا يعنى كذلك أن كل من شارك أراد منح النظام تفويضا جديدا.

لكن ما يعنيه هذا الرقم، وهو أمر بالغ الأهمية فى رأيى لقياس المزاج العام فى روسيا، هو أن الحرب، على الرغم من كل ما فعلته وتفعله فى المجتمع الروسى، لم تنتج عزوفا انتخابيا كبيرا؛ على العكس.

وهذه ملحوظة مهمة للغاية، لأن أحد السيناريوهات المنطقية قبل الانتخابات كان أن يؤدى طول أمد الحرب، والضغوط الاقتصادية التى سببتها وارتفاع الأسعار، فضلا عن هجمات المسيرات داخل العمق الروسى، والتى اشتدت جدا خلال الفترة الأخيرة، إلى حالة من الإرهاق السياسى تنعكس مباشرة فى انخفاض نسبة المشاركة فى الانتخابات.

لكن هذا لم يحدث، بل حدث العكس. ومع أن التغييرات المتوقعة فى الدوما يمكن وصفها بالتجميلية، تقول بعض القراءات الروسية التى قدمتها كوميرسانت، مثلا، إن استمرار التوازن السياسى نفسه وسط تغيير جذرى فى الظروف الداخلية والخارجية هو فى حد ذاته النتيجة الأكثر لفتا للانتباه.

وأنا لا أتفق كليا مع ما تقوله كوميرسانت، والسبب فى ذلك هو أن المجتمع الروسى لم يصوت فى سبتمبر (أيلول) ٢٠٢٦ فى الظروف نفسها التى صوت فيها فى سبتمبر (أيلول) ٢٠٢١. فبين هذين التصويتين لدينا حرب مستمرة لأكثر من أربع سنوات ونصف، ولدينا عقوبات اقتصادية غير مسبوقة، ولدينا إعادة توجيه للاقتصاد الروسى. أضف إلى ذلك أن لدينا مئات الآلاف من الجنود والضباط على الجبهة، وتعبئة جزئية جرت نهاية عام ٢٠٢٢. أضف إلى ذلك كله تغييرات اجتماعية ضخمة وهجمات بالمسيرات ضربت قلب موسكو وأهم مصافيها النفطية فى أيام الانتخابات نفسها.

ومع ذلك خرجت الخريطة الحزبية من الصندوق أكثر استقرارا، وليس أقل، وهذا الكلام طبعا يحتاج إلى تفسير. وتفسيره الأول عندى هو أن الحرب، بدلا من أن تعيد تقسيم المجتمع الروسى حزبيا، أعادت تجميع جزء كبير منه حول الدولة، وحول بوتين، وحول الهدف الأول، وهو الانتصار فى الحرب والتصدى للتهديد الخارجى الوجودى، لكن من دون أن تلغى فى الوقت نفسه الاختلاف حول الاقتصاد والحياة اليومية ومستقبل الحرب نفسها حتى.

إن الناخب الروسى الغاضب من تبعات الحرب لم يحول عدم الرضا الاجتماعى إلى عقاب سياسى مباشر للحزب الحاكم بالحجم الذى كان يروج له ممثلو المعارضة الكاريكاتيرية فى الخارج ومعهم وسائل إعلام الغرب.

وهذا الكلام يعيدنى إلى نقطة توقفت عندها فى مقال أغسطس (آب)، وهى أن السخط الاجتماعى ليس هو الاحتجاج، وليس مساويا للاحتجاج، والاحتجاج ليس هو المعارضة، والمعارضة الاجتماعية لا تتحول تلقائيا إلى بديل انتخابى.

والحزب الشيوعى هو أوضح مثال لدى أقدمه لك، عزيزى القارئ؛ فهذا الحزب يصنف على أنه المعارضة الحقيقية الوحيدة فى روسيا الآن كحزب منظم، بل إن ممثلى معارضة الخارج جعلوا كل جهدهم لدفع الناخبين وأصحاب الأصوات المعارضة داخل روسيا للتصويت له، ونظموا له حملات انتخابية إلكترونية.

وكنت قد قلت فى مقال أغسطس (آب) إن الحزب يمتلك بنية احتجاجية نظامية وقاعدة جماهيرية منضبطة وخطابا اجتماعيا يستطيع نظريا الاستفادة من مشاكل مثل التضخم وعدم المساواة وتكاليف الحرب، إلخ.

لكن نتيجته جاءت عكس ذلك كله؛ فالحزب، نعم، احتفظ بالمركز الثانى فى الترتيب الحزبى، وهذا مهم، لكن نسبة الشيوعيين تراجعت من ١٩٪ فى انتخابات ٢٠٢١ إلى نحو ١٣.٨٪ الآن.. ويا للعجب.

بالطبع، هذا يعنى أن الحزب لا يزال المعارضة النظامية الرئيسية، لكنه لم ينجح فى تحويل الضغوط الاجتماعية إلى موجة انتخابية جديدة. والسبب فى ذلك، فى رأيى، ليس أن هذه الضغوط غير موجودة، وإنما أن الحزب يواجه المشكلة التى تحدثنا عنها سابقا، وهى أن خطابه الاجتماعى قوى، لكن عرضه السياسى لا يزال موزعا بين العدالة الاجتماعية والرمزية السوفيتية والاعتراض على الإدارة الاقتصادية، وفى الوقت نفسه مع توافق واسع منه مع الدولة فى القضايا الاستراتيجية الكبرى، وعلى رأسها الحرب فى أوكرانيا.

أما الحزب الليبرالى الديمقراطى فقد تحسن أداؤه فعلا، ولكن ليس بالقفزة التى توقعتها بعض استطلاعات الصيف أو الخطاب الانتخابى للحزب. ارتفع من ٧.٥٥٪ فى انتخابات ٢٠٢١ إلى نحو ٩٪ الآن، لكنه ظل ثالثا فى الترتيب ولم ينتزع المركز الثانى من الشيوعيين. وهنا أجد نفسى محتاجا إلى مراجعة جزئية لما كتبته فى مقال أغسطس (آب)؛ فقد قلت وقتها إن تحول الحزب بعد جيرينوفسكى إلى صيغة أكثر انتظاما وأقرب إلى القومية الاجتماعية يمكن أن يكون جذابا جدا فى مجتمع يعيش حربا طويلة. وهذا قد حدث بالفعل، لكن بحدود. فالحزب استفاد من ملفات الهجرة والأمن والأولوية للمواطن الروسى، لكنه لم يتحول إلى الوعاء الرئيسى للمزاج الوطنى الذى صنعته الحرب. ويبدو أن روسيا الموحدة نفسه احتفظ بالجزء الأكبر من هذا المزاج.

أما حزب الناس الجدد، فأعتقد أن نتيجته أكثر إثارة للاهتمام مما توحى به نسبة ٨٪ التى حققها. فالحزب ارتفع من ٥.٣٪ فى ٢٠٢١ إلى قرابة ٨٪، وانتقل بذلك من المركز الخامس إلى الرابع، رغم أنه لم يحقق الاختراق الذى كانت تتحدث عنه بعض استطلاعات الصيف. لكن هناك رقما مهما لهذا الحزب، وأقصد به التصويت الإلكترونى الفيدرالي؛ فمن دون اعتبار موسكو العاصمة، حصل الناس الجدد على ١٥.٤١٪ من الأصوات الإلكترونية وجاء ثانيا بعد روسيا الموحدة، الذى حصل على ٤٩.١٤٪، متقدما بذلك على الشيوعيين والليبرالى الديمقراطى.

وهذا أمر مهم جدا، لأن التصويت الإلكترونى، وإن كان لا يمثل عينة مماثلة للمجتمع الروسى كله، وبالتالى لا يجوز تحويل هذه النسبة إلى استنتاج وطنى مباشر، يعزز فرضية أن الحزب يمتلك ثقلا أكبر داخل شرائح أكثر ارتباطا بالتكنولوجيا، وأكثر حضرية، وأقرب إلى الناخبين الذين يريدون تغييرا فى الإدارة والأسلوب، لا تغييرا فى النظام نفسه.

وهذه، فى رأيى، مساحة سياسية ستصبح أكثر أهمية فى السنوات المقبلة.

ثم نصل إلى حزب روسيا العادلة. قلت لكم فى أغسطس (آب) إنه الحلقة الأضعف بين الأحزاب البرلمانية الخمسة، وإن قربه من حاجز ٥٪ يجعله معرضا لخطر التصويت المفيد. والنتيجة التى لدينا حتى لحظة كتابة هذه السطور تكاد تكون ترجمة رقمية حرفية لهذه المشكلة؛ فنتيجة الحزب الآن هى ٤.٩٦٪. بانفيلوفا نفسها قالت إن الحزب ما زالت لديه فرصة لتجاوز الحاجز مع اكتمال الفرز. ولذلك لن أعلن الآن خروجه من الدوما، لكن مجرد وقوفه بهذه الصورة على حافة الخمسة فى المئة يؤكد المشكلة البنيوية التى تحدثنا عنها، بمعنى أن الحزب لا يحتكر مساحة انتخابية واضحة لا يستطيع الآخرون منافسته فيها.

وهنا أصل إلى السؤال الذى صدعنا به رؤوس بعضنا بعضا قبل الانتخابات، وهو:

وأين يابلوكو يا عم سعد؟

يابلوكو لم يكن موجودا فى ورقة الاقتراع الفيدرالية بعد تثبيت قرار إلغاء قائمته، ولذلك لم يكن ممكنا اختبار فرضية حصوله على ٣ أو ٤٪ كما كانت تتوقع بعض الدراسات قبل استبعاده. لكن مع ذلك بقى للحزب مرشحون فى عدد من الدوائر الفردية، ولم يتحول إلى قوة مؤثرة فى الدوما، وإن أظهرت النتائج الإقليمية الأولية للمحليات نجاحه فى تجاوز حاجز الخمسة فى المئة فى برلمان نوفغورود.

إذن، هل كان استبعاده من القائمة الفيدرالية غير مهم؟ أقول: لا.

وهنا أتمسك تماما بما كتبته قبل شهر. بمعنى أن أهمية يابلوكو لم تكن فى احتمالية إسقاط روسيا الموحدة، ولا حتى فى احتمالية دخوله الدوما بقوة. أهميته، يا سادة، كانت فى أنه يقدم اختيارا انتخابيا واضحا على المستوى الفيدرالى للناخب الذى يريد التعبير عن موقف من الحرب مختلف جذريا عن مواقف الأحزاب البرلمانية الرئيسية التى أوردناها تباعا أعلاه.

غياب هذا الاختيار يجعل من الخطأ قراءة نتيجة روسيا الموحدة باعتبارها استفتاء مباشرا على الحرب. وهذه النقطة أكررها الآن بعد ظهور النتائج بقوة أكبر مما قلتها قبل الانتخابات.

لأنه لا يمكننا أن نقول إن ٥٨٪، نسبة روسيا الموحدة، تساوى أن ٥٨٪ من الروس يريدون استمرار الحرب.

هكذا استنتاج، فى رأيى، غير علمى. ولا يمكننا القول إن الـ٥٩٪ الذين شاركوا فى الانتخابات منحوا جميعا تفويضا للحرب. فالناخب الروسى يمكن أن يؤيد بوتين ويؤيد الجيش ويصوت لروسيا الموحدة، ومع ذلك، وفى الوقت نفسه وعينه، يريد مفاوضات وإنهاء الحرب، لكن بشروط يعتبرها مقبولة لبلاده، لروسيا.

وهذا التعقيد فى فهم المجتمع الروسى لم يختف بعد الانتخابات، لكن ما يمكن قوله هو أن الحرب لم تنتج فى الصندوق تمردا انتخابيا ضد النظام السياسى الذى يديرها، أى الحرب. وهذا استنتاج مختلف تماما، بل وأكثر دقة.

فالحرب دخلت إلى صندوق الاقتراع، لكنها لم تدخل هذه الانتخابات من باب الخطاب السياسى فقط، وإنما دخلتها فى الساعات الأخيرة من التصويت بصورة مادية قاسية ووقحة وغير مسبوقة. فخلال يومى ١٩ و٢٠ سبتمبر (أيلول)، تعرضت الأراضى الروسية لموجة ضخمة وغير مسبوقة من الهجمات الجوية، سواء بالمسيرات أو بالصواريخ.

ووفق البيانات الرسمية لوزارة الدفاع الروسية، أسقطت وسائل الدفاع الجوى والمجموعات النارية المتحركة والطيران، خلال أربع وعشرين ساعة، ١٩٥١ مسيرة أوكرانية هجومية وثمانية صواريخ كروز بعيدة المدى من طراز فلامينغو، بينما قالت الوزارة إن صاروخا آخر انحرف عن مساره وسقط فى منطقة غير مأهولة.

والسؤال الأكثر أهمية بالنسبة لى هنا ليس: كم مسيرة أو كم صاروخا أسقطت روسيا؟ وإنما: كيف أصبحت أوكرانيا قادرة أصلا على شن موجات بهذا الحجم، وأن تصل إلى العمق الروسى بهذه الكثافة؟

والإجابة عنه لا توجد فى سلاح سرى واحد. وما أرمى إليه بهذا الكلام هو أن الحرب الأوكرانية شهدت خلال السنوات الأخيرة انتقالا سريعا من استخدام المسيرات باعتبارها سلاحا تكتيكيا مساعدا إلى بناء ما يمكن وصفه بمنظومة حرب صناعية كاملة للمسيرات. فالمسألة لم تعد تصنيع طائرة واحدة متطورة وغالية الثمن تستطيع اختراق الدفاعات، وإنما إنتاج أعداد ضخمة من هذه الوسائل والوسائط الجوية قليلة التكلفة ومختلفة فى المدى والحمولة والمسار والبصمة الإلكترونية، واستخدامها بطريقة يصبح فيها العدد نفسه جزءا من السلاح. وهو ما يسميه الخبراء العسكريون تكتيك الإغراق الجوى.

وهنا تظهر مشكلة روسيا الجغرافية نفسها. وما أقصده أن روسيا تمتلك بالفعل واحدة من أكبر شبكات الدفاع الجوى فى العالم، لكنها فى الوقت نفسه تمتلك مساحة هائلة من الأراضى، ومنشآت نفط وغاز ومصافى وقواعد جوية ومخازن ومصانع ومراكز لوجستية ومدنا كبيرة موزعة على آلاف الكيلومترات. ولا يمكن ببساطة وضع منظومة دفاع جوى كبيرة بجوار كل مصفاة وكل محطة كهرباء وكل مصنع وكل مطار.

وبالتالى تستطيع أوكرانيا، حتى من دون امتلاك تفوق جوى تقليدى، أن تحاول خلق معضلة توزيع للدفاعات الروسية، بمعنى: هل تحمى موسكو، أم المصافى، أم المطارات العسكرية، أم منشآت الطاقة، أم المناطق الحدودية، أم الجبهة نفسها؟ وهذه، فى رأيى، إحدى أهم التحولات العسكرية التى كشفت عنها هذه الحرب، والتى ينبغى على كل من يتابع أن يستعد لشكل الحروب الحديثة منها ويستخلص الدروس.

أوكرانيا لم تحقق تفوقا جويا تقليديا فوق روسيا، لكنها تحاول تعويض جزء من هذا العجز بخلق كثافة عددية مؤقتة فى الجو المنخفض بواسطة المسيرات. لكن هنا أيضا ينبغى تجنب القفزة السهلة إلى القول إن الناتو هو الذى نفذ الهجوم. فلا توجد حتى الآن أدلة علنية موثقة تسمح لى بأن أقول إن الولايات المتحدة أو بريطانيا أو أى دولة أطلسية خططت أو نفذت هجوم ١٩ و٢٠ سبتمبر (أيلول) على وجه الخصوص، لأننى أعرف، وعلى يقين، أن هذا السؤال يدور فى رأس الكثيرين.

ومع ذلك، أقول إن من المؤكد أن القدرة العسكرية الأوكرانية الحالية هى نتاج سنوات من الدعم الغربى، سواء بالمعلومات والبيانات الاستخباراتية أو بالاتصالات والتكنولوجيا، إضافة بالطبع إلى المكونات والتمويل والتدريب، بينما طورت أوكرانيا فى الوقت نفسه صناعة محلية ضخمة للمسيرات وخبرة عملياتية تراكمت خلال أكثر من أربع سنوات ونصف من الحرب.

إذن، بالنسبة إلى، من الواضح تماما أن الغرب جزء أساسى من البيئة التى سمحت للقدرات العسكرية الأوكرانية بالنمو إلى الدرجة التى استطاعت معها ضرب مصفاة كابوتنايا لمرات ومرات فى قلب موسكو. ثم لدينا أيضا مسألة توقيت هذه الضربة، والتى تجعل المسألة سياسية بقدر ما هى عسكرية؛ فهذا الهجوم وقع فى الساعات الأخيرة من انتخابات مجلس الدوما. ولذلك قال الكرملين اليوم، وقبله قالت وزارة الدفاع الروسية صراحة، إن الهدف منه كان تعطيل الانتخابات، كما قال سوبيانين إن الهجوم غير المسبوق خطط له لإفشال عملية التصويت. بالطبع هذه هى الرواية الرسمية الروسية، لكنها مع ذلك ليست فى حد ذاتها دليلا مستقلا على الدافع الأوكرانى الحقيقى من ورائه.

وغرضى من قول هذا الكلام هو أن لدينا توقيتا آخر لا يقل أهمية؛ فالهجوم وقع عشية توجه زيلينسكى إلى الولايات المتحدة، حيث يفترض أن يلتقى ترامب على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة. وبالتالى من المشروع بالنسبة لنا، كمراقبين، أن نتساءل ونحلل هذا التوقيت أيضا، وذلك لأن الدبلوماسية فى الحروب لا تجرى منفصلة عن الميدان، بل كثيرا ما يحاول كل طرف تحسين أوراقه الميدانية قبل التفاوض. وبالتالى يمكن اعتبار هذه العملية الأوكرانية، بالإضافة طبعا إلى أهدافها العسكرية والاقتصادية المباشرة، محاولة لإظهار أن كييف ما زالت تمتلك قدرة على نقل الحرب إلى العمق الروسى، وأنها ليست مضطرة إلى دخول أى مسار تفاوضى من موقع العاجز عسكريا.

واختصارا للوقت، وحتى لا أطيل على حضراتكم، أعود مجددا إلى الموضوع الرئيسى للمقال وأوجه السؤال الأخير، وهو: ما الذى تغير إذن بعد إجراء انتخابات الدوما ٢٠٢٦ وظهور النتائج؟

وأجيب عنه قائلا: فى الظاهر، لم يحدث تغير كبير؛ فحزب روسيا الموحدة كان الحزب الأول، وبقى الأول. والإخوة الشيوعيون كانوا الثانى، وبقوا الثانى. والليبرالى الديمقراطى كان الثالث، وبقى الثالث. والناس الجدد ظلوا قوة برلمانية تحت القبة. والدوما بقى كما كان تحت سيطرة الحزب الحاكم. ولهذا وصفت أعلاه التغيير بأنه تغيير تجميلى. لكن تحت هذه الصورة الثابتة تغير شيء مهم، ألا وهو أن الحزب الحاكم أصبح أقوى برلمانيا مما كان؛ فقد زاد عدد مقاعده وزادت هيمنته. والمشاركة الشعبية فى التصويت أصبحت أعلى، والإخوة الشيوعيون أصبحوا أضعف، والناس الجدد أصبحوا أقوى.

والأهم من ذلك أن الحرب التى لم تكن موجودة فى انتخابات ٢٠٢١ أصبحت فى ٢٠٢٦ هى الإطار الذى تجرى داخله العملية السياسية الداخلية برمتها فى روسيا.

وهذه، يا أيها القارئ العزيز المهتم بالشأن الروسى، ليست تغييرات تجميلية بالكامل. وذلك لأنها تقول إن النظام الروسى لم يتعامل مع سنوات الحرب الأربع والنصف عن طريق فتح المجال أمام تنافس سياسى أكبر حول الاتجاه الاستراتيجى للدولة، وإنما عن طريق استيعاب الاختلاف الاجتماعى داخل نطاق سياسى أكثر انضباطا وسيطرة، وفى الوقت نفسه قام بتعزيز المركز الرئاسى والحزب البرلمانى المرتبط به.

وهذا، فى رأيى الذى لا أفرضه بحال كمسلمة مطلقة، هو المعنى الأعمق لانتخابات مجلس الدوما ٢٠٢٦.

ففى مقال أغسطس (آب)، ختمت بالقول إن الانتخابات ليست انتخابات على السلطة، ولكنها انتخابات داخل بنية السلطة القائمة. وبعد ظهور نتائج دوما ٢٠٢٦، لا أرى أى سبب يجعلنى أتراجع عن هذه العبارة. فقط اسمح لى، أيها القارئ الكريم، أن أضيف إليها الآن شيئا واحدا أحسبه مهما، وهو أن هذه الانتخابات لم تكتف فقط بتقديم قياس لهذه البنية، بل خرجت هذه البنية منها أقوى عدديا وأكثر تركيزا فى يد من يمسك بها مما دخلت إليها.

ومع ذلك أقول إن قوتها الحقيقية لن نقيسها معا فيما سيأتى بعدد مقاعد روسيا الموحدة وحده، ولكن بما إذا كان هذا الاستقرار الانتخابى يستطيع الصمود عندما يتحول السؤال من: هل يستطيع النظام أن يفوز بالانتخابات أثناء الحرب؟

إلى السؤال الأصعب بكثير، وهو: هل سوف يستمر فى النجاح والقدرة على أن يدير المجتمع والاقتصاد والحرب، ثم ما بعد الحرب، بالقدر نفسه من الاستقرار؟ وهنا، يا قارئى الكريم، سوف تبدأ القصة الحقيقية للدوما التاسعة.

مصدر الصورة

* باحث وإعلامى متخصص فى الشأن الروسى

مصدر الصورة

ينشر بالتعاون مع CAES مركز الدراسات العربية الأوراسية

شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا