ليس فى مصر فرصة لتغيير ناجح يأتى من خارج دولاب الدولة أو فى تصادم معه. بعض النجاح المبكر الذى صادفته الثورة العرابية كان مصدره أنها كانت على وفاق مبدئى مع النخبة المدنية والنخبة المدنية كانت تدور فى أفلاك الدولة بما مهد الطريق أمام العرابيين للحكم بصورة رسمية. ثم النهاية الفاجعة للثورة العرابية كان من أسبابها ما جرى من صدام وقطيعة حادة بينها وبين السلطة ذات السيادة سواء الخديو أو السلطنة العثمانية.
نخبة ثورة 1919 سواء المتشدد منهم مثل سعد زغلول أو المعتدل مثل عدلى يكن كانت على وعى بأخطاء العرابيين فحافظت على خطوط مفتوحة سواء مع السلطان أو الملك فؤاد أو مع رؤساء الحكومة مثل حسين رشدى، ساعد على هذا النضج أن نخبة 1919 المتشدد منها والمعتدل كانت تتشارك فى فضائل سياسية جوهرية: الوطنية المصرية، العلمانية، إعلاء قيمة الاستقلال الوطنى ومعه الحكم الدستورى والمؤسسات النيابية واستقلال القضاء ودولة القانون. ثم كانت هذه النخبة تتشابه فى أصولها الطبقية سواء من أعيان ووجهاء الفلاحين المصريين أو من الذوات المتمصرين من ترك وشركس. هذه النخبة أدارت بذكاء تناقضات الحركة الوطنية مع الدولة وأجهزتها من أعلى رأس حتى أصغر موظف. اجتهدت النخبة فى أن تحفظ حبال التواصل والثقة مع جهاز الدولة حتى لا ينفرد بها الإنجليز ويوظفوها سواء ضد الثورة أو مطالب الشعب فى الاستقلال والدستور.
كان الاحتلال قد ضرب مثالًا على مبدأ أن التغيير فى مصر يلزم أن يمر من خلال الدولة وليس من أى طريق آخر، لهذا حرص الاحتلال على الدولة المصرية كما هى وترك مؤسساتها كما هى وكل ما فعله هو نوع من الازدواجية غير الرسمية، فالسلطان يوازنه المندوب السامى البريطانى، وكل وزير له مستشار إنجليزى، والأوامر البريطانية لا تسمى أوامر ولا توجيهات لكن تسمى استشارات، وبهذا الأسلوب مَرَّرَ الإنجليز كل سياساتهم من داخل دولاب الدولة المصرية ومن خلاله.
وهو الدرس الذى وعاه حكام 23 يوليو 1952 فقد جاءوا من داخل إحدى مؤسسات الدولة المصرية ثم أمكنهم فى ساعات الليل أن يقبضوا على باقى المؤسسات ثم أمكنهم بكل سهولة أن يقلبوا مصر من ملكية إلى جمهورية وأن يغلقوا تاريخًا ويصنعوا تاريخًا جديدًا بالكلية وذلك بفضل قبضتهم على دولاب الدولة.
باختصار شديد: من صلاح الدين إلى محمد على باشا إلى جمال عبدالناصر لا تغيير فى مصر دون الدولة.
المصدر:
المصري اليوم