بينما تنساب الكلمات من فم المذيع على شاشة التلفزيون، وتتعاقب عناوين الأخبار على الشريط أسفلها، تتحرك في زاوية أخرى من الصورة يدان بسرعة محسوبة، تلاحقان كل كلمة وتبحثان عن معناها قبل أن تضيع في الهواء. لا صوت هناك، لكن ثمة لغة كاملة تُقال؛ لغة لها قواعدها وتعبيراتها وإيقاعها، وتصل إلى مشاهدين قد لا يسمعون ما نسمعه نحن، لكنهم يتابعون الخبر نفسه ويفهمون تفاصيله بالطريقة التي تناسب عالمهم.
خلف تلك الحركات التي تبدو للمشاهد العابر بسيطة وعفوية، تقف مهنة تحتاج إلى تركيز شديد، ومعرفة باللغة والسياق، وقدرة على اتخاذ القرار في أجزاء من الثانية. فمترجم لغة الإشارة لا يملك رفاهية التوقف عند كلمة غامضة أو إعادة جملة لم يفهمها؛ فالكاميرا تعمل، والمذيع يواصل حديثه، والخبر قد يتغير في اللحظة نفسها.
وفي اليوم العالمي للغات الإشارة، الذي يوافق 23 سبتمبر من كل عام، قررنا الذهاب إلى ما هو أبعد من مجرد الحديث عن تعريف لغة الإشارة، الاحتفال بها، أو حتى إيقاعها، أردنا معرفة ما يدور خلف كواليس ترجمة الأخبار إلى لغة الإشارة، أردنا اكتشاف ماذا يحدث "حين تتحدث الأخبار بالأيدي"، لأن "هناك من يسمع الأخبار بعينيه"؛ لتبدو الصورة أكثر وضوحًا: ماذا يحدث خلف النافذة الصغيرة التي يظهر فيها مترجم لغة الإشارة على شاشة التلفزيون؟ كيف يستعد المترجم قبل الهواء؟ وماذا يفعل عندما يتغير الكلام فجأة أو يظهر خبر عاجل لم يكن موجودًا في النص؟
د. بسنت سيد، المتخصصة في الإعاقة السمعية ومترجمة لغة الإشارة بالتلفزيون المصري، تعرف هذه التفاصيل من موقعها أمام الكاميرا. بالنسبة إليها، لا تبدأ الترجمة لحظة ظهورها على الشاشة، وإنما قبل ذلك بوقت، حين تبدأ في التعرف على طبيعة الحلقة والموضوعات التي ستُطرح، ومراجعة الأسماء والمصطلحات المهمة، خاصة إذا كانت أمام نشرة إخبارية أو موضوع متخصص.
تقول بسنت: "الاستعداد يبدأ قبل الهواء بوقت"، موضحة أنها تحاول معرفة طبيعة الحلقة والموضوعات التي ستتناولها، وتراجع المصطلحات والأسماء التي تتوقع ظهورها. لكن الاستعداد لا يعني أن كل شيء سيكون معروفًا مسبقًا، فالتلفزيون لا يمنح المترجم دائمًا نصًا كاملًا يمكن الاعتماد عليه.
"لو متاح، طبعًا بيكون شيء مهم جدًا ويساعدني في التحضير"، تقول بسنت عن الحصول على نص الحلقة أو النشرة، قبل أن تضيف أن كل شيء في التلفزيون "مش دايمًا" يكون مكتوبًا أو متاحًا مسبقًا.
وهنا تبدأ المساحة الأصعب في عملها: الترجمة الفورية.
فالمترجم لا يملك رفاهية انتظار الجملة كاملة ثم التفكير في أفضل طريقة لنقلها. عليه أن يستمع، ويفهم، ويتابع الصورة، ويراقب المذيع، ويحوّل المعنى إلى لغة إشارة، وكل ذلك في الوقت نفسه.
وتشرح بسنت، في حديثها لـ"الشروق": "لازم أكون مستعدة إني أترجم بشكل فوري، حتى لو الكلام جديد بالنسبة لي".
خبر عاجل يظهر فجأة، أو المذيع يغير صياغة الجملة، أو ينتقل إلى معلومة لم تكن موجودة في النص. في هذه اللحظة، لا تستطيع المترجمة التوقف لمراجعة ما ستقوله، ولا يمكنها انتظار إعادة الجملة.
"هنا بيظهر دور المترجم الحقيقي"، تقول بسنت، موضحة أنها في هذه المواقف لا تعتمد على النص وحده، وإنما تتابع المذيع والصورة والمعلومات في الوقت نفسه، وإذا ظهر خبر عاجل، تترجم المعلومة الأساسية "بدقة وسرعة"، مع الحفاظ على المعنى "من غير ما أضيف أي معلومة من عندي".
وتزداد صعوبة المهمة عندما تكون الأخبار نفسها محملة بالمصطلحات السياسية أو الاقتصادية أو الطبية أو القانونية. فليست كل كلمة في اللغة المنطوقة لها إشارة جاهزة، كما أن ترجمة المصطلح لا تعني بالضرورة البحث عن حركة تقابله حرفيًا.
توضح بسنت أن المترجم قد يلجأ، بحسب السياق، إلى تهجئة الاسم باستخدام الأبجدية الإشارية، أو استخدام إشارة متعارف عليها، أو شرح المعنى بطريقة واضحة.
والأهم بالنسبة إليها أن "الشخص الأصم يفهم المعلومة نفسها وليس مجرد ترجمة الكلمات حرفيًا".
حتى الأسماء التي تتكرر في نشرات الأخبار تحتاج إلى إعداد مسبق. فإذا كان اسم شخصية أو دولة يتكرر كثيرًا، تحرص على أن تكون لديها طريقة ثابتة وواضحة للإشارة إليه، لأن ذلك يختصر الوقت ويساعد المشاهد على متابعة الموضوع بسهولة.
ولا تتوقف الاختلافات عند المصطلحات والأسماء؛ فلغة الإشارة نفسها قد تختلف من شخص إلى آخر.
توضح بسنت أن لغة الإشارة تضم لهجات واختلافات بين الأشخاص والمجتمعات، وأن المفهوم الواحد يمكن أن تكون له أكثر من إشارة. كما أن مستوى الأشخاص في استخدام اللغة يختلف، ولذلك يحتاج المترجم إلى قدر من المرونة ومعرفة جمهوره، حتى لا تصبح الإشارة التي يستخدمها صحيحة من الناحية اللغوية لكنها غير مفهومة للمشاهد.
ولهذا أيضًا، لا تشبه ترجمة نشرة الأخبار ترجمة برنامج حواري أو مؤتمر صحفي. "أكيد، والفرق كبير"، تقول بسنت.
فالنشرة الإخبارية تحتاج إلى سرعة وتركيز شديدين، لأن المعلومات غالبًا ما تأتي متتابعة وكثيفة. أما البرنامج الحواري، فيحمل مفاجآت من نوع آخر؛ مقاطعات وأسئلة وتغييرات في مسار الحديث. بينما يمثل المؤتمر الصحفي تحديًا مختلفًا، لأن المتحدث قد يطيل في الإجابة، أو يستخدم مصطلحات متخصصة، أو ينتقل من موضوع إلى آخر.
ولهذا، عندما تُسأل عن أصعب ما يمكن أن تواجهه على الهواء، لا تختار بسنت موقفًا بعينه، وإنما تشير إلى "كل ما هو غير متوقع".
متحدث سريع جدًا، جملة تتغير في اللحظة الأخيرة، أو خبر عاجل يظهر فجأة؛ كلها مواقف تضع المترجم أمام اختبار حقيقي.
"لأنكِ في اللحظة دي معندكيش رفاهية إنك توقفي وتفكري طويلًا؛ لازم تتصرفي فورًا وتحافظي على دقة الرسالة"، تقولها بسنت ببساطة، لكنها تختصر جانبًا كبيرًا من طبيعة المهنة التي لا تمنح صاحبها وقتًا لإعادة المحاولة.
حتى الخطأ وارد.
فالمترجم، كما تقول بسنت، "في النهاية إنسان". وقد تكون هناك كلمة لم تفهمها بسبب سرعة الكلام، أو طريقة نطق المتحدث، أو وجود صوت في الخلفية. لكن التعامل مع الخطأ لا يكون بالتوقف؛ تحاول أن تستفيد من السياق لفهم المعنى وتواصل الترجمة، وإذا احتاج الأمر إلى توضيح، تستخدم طريقة تحافظ على المعنى الأساسي.
وهنا تفرق بسنت بين الترجمة الحرفية وبين نقل الرسالة. فالمطلوب ليس أن تترجم كل كلمة كما نطقت، وإنما أن تنقل المعنى والمعلومات الأساسية بدقة. وقد تحتوي اللغة المنطوقة على تكرار أو عبارات تمهيدية يمكن صياغتها بطريقة تناسب لغة الإشارة، لكن من دون حذف معلومة مهمة أو تغيير مضمون الكلام.
وأحيانًا تواجه مصطلحًا أو تعبيرًا لا توجد له إشارة متداولة من الأساس.
"ده جزء أساسي من شغل المترجم"، تقول بسنت، موضحة أن المصطلح الجديد أو التعبير المجازي أو المفهوم المتخصص قد يحتاج إلى التهجئة أو الوصف أو استخدام أكثر من إشارة معًا، للوصول إلى الفكرة التي يريد المتحدث إيصالها.
وبالنسبة إليها، فإن هذه التفاصيل تحديدًا هي التي تجعل ترجمة لغة الإشارة أبعد من مجرد تحويل كلمات إلى حركات.
ومن هنا يصل الحديث إلى الذكاء الاصطناعي، الذي بدأ يدخل تدريجيًا في مجالات متعددة.
وترى بسنت أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون "أداة مساعدة قوية جدًا" في مجال لغة الإشارة، سواء من خلال التعرف على الإشارات أو تقديم خدمات مساعدة للصم، لكنها لا ترى أن تطور التكنولوجيا يعني بالضرورة الاستغناء عن المترجم البشري.
وتفسر ذلك بأن الترجمة، في رأيها، لا تتعلق فقط بالحركة المقابلة للكلمة، وإنما بفهم السياق ونبرة المتحدث والموقف والثقافة والتعبير، إلى جانب التعامل مع الأخطاء والمفاجآت والتغييرات اللحظية.
لذلك تقول بسنت إنها مع تطور التكنولوجيا، لكنها تتمنى أن يكون اتجاهها نحو "تمكين المترجم وتسهيل عمله وزيادة إتاحة المعلومات للصم، وليس إلغاء دور الإنسان".
في اليوم العالمي للغات الإشارة، لا يتعلق الأمر إذن بمجرد وجود مترجم في مساحة صغيرة من شاشة التلفزيون. وراء هذه المساحة عمل يبدأ قبل الهواء، واستعداد للمصطلحات والأسماء، وقدرة على التعامل مع خبر لم يكن في النص، وقرارات تُتخذ في ثوانٍ حتى تصل المعلومة إلى المشاهد الأصم في وقتها وبمعناها.
وفي النهاية، ربما تختصر بسنت طبيعة هذه المهمة كلها في فكرة واحدة: "المترجم لا يترجم الكلمات فقط، وإنما يبحث عن المعنى الذي يجب أن يصل".
المصدر:
الشروق