تتصاعد الدعوات البيئية والسياحية لحماية الشروم والخلجان الطبيعية فى البحر الأحمر، التى تُعد من أغنى المواطن البحرية وتستضيف كائنات نادرة مثل السلاحف وعرائس البحر إلى جانب الشعاب المرجانية، غير أن هذه المواقع تواجه مخاطر متزايدة بسبب الضغط السياحى غير المنظم ومطاردة الكائنات والرسو العشوائى.
ويؤكد خبراء البيئة البحرية ضرورة وضع طاقة استيعابية واضحة، وتنظيم حركة اللنشات، وتطبيق سياحة بيئية مستدامة تحقق التوازن بين النشاط السياحى والحفاظ على الموارد الطبيعية للأجيال القادمة، لضمان استمرار هذه الكنوز البيئية دون إضرار.
وتمثل الخلجان والمراسى والشروم واحدًا من أغنى المواطن الطبيعية فى البحر الأحمر، حيث تتردد عليها السلاحف البحرية وعرائس البحر بانتظام للتغذية على الأعشاب البحرية، ما جعلها مقصدًا مميزًا للسياح والغواصين من مختلف أنحاء العالم. وتكمن أهميتها فى كونها كنزًا بيئيًا نادرًا وموئلًا طبيعيًا لكائنات مهددة بالانقراض، غير أن هذه المواقع الفريدة تواجه مخاطر متزايدة نتيجة الضغط السياحى غير المنظم والتصرفات البشرية غير المسؤولة، خصوصًا فى مطاردة السلاحف وعرائس البحر.
وأكد الدكتور الدوشى مهدى، الخبير البيئى بقسم علوم البحار بكلية العلوم جامعة الأزهر بأسيوط، أن أهمية عدد من الخلجان والمناطق الساحلية بالبحر الأحمر من بينها مرسى مبارك وطرمبى وشونى وأبودباب وكلاوى وشرم الناقة وشرم العرب، تبرز باعتبارها من المواقع البحرية التى تتمتع بخصائص بيئية وطبيعية مميزة، وتجمع بين الشواطئ والخلجان والشعاب المرجانية والمواطن البحرية للكائنات المختلفة من السلاحف وعرائس البحر، بما يجعل الحفاظ عليها جزءًا أساسيًا من حماية الموارد الطبيعية للبحر الأحمر.
وأوضح «مهدى» أن حماية هذه المناطق الساحلية لا تعنى وقف الأنشطة السياحية أو البحرية، وإنما تستهدف تحقيق التوازن بين النشاط السياحى والحفاظ على البيئة، من خلال إخضاع أى نشاط داخل الخلجان لضوابط بيئية واضحة، ومنع زيادة الضغوط على المواقع الحساسة، مع الحفاظ على حق الأجيال المقبلة فى الاستفادة من هذه الموارد الطبيعية.
ولفت المتخصص فى البيئة البحرية إلى أن التعامل مع الشروم والخلجان الطبيعية بالبحر الأحمر باعتبارها مجرد مساحات صالحة للتنمية أو الاستثمار دون تقييم دقيق لطبيعتها البيئية قد يؤدى إلى ضغوط متزايدة على الشعاب المرجانية والكائنات البحرية، خصوصًا مع ارتفاع أعداد الرحلات البحرية والغوص والسنوركلينج فى المناطق الأكثر جذبًا للسياح.
وتبرز هنا أهمية وضع طاقة استيعابية بيئية واضحة لكل خليج وموقع بحرى، بحيث يتم تحديد الحد الأقصى لعدد اللنشات والمراكب التى يمكن أن تتواجد فى الموقع فى الوقت نفسه، وفقًا لطبيعة كل منطقة وقدرتها على تحمل النشاط البشرى، مع إعادة تقييم هذه الطاقة بصورة دورية بناءً على نتائج الرصد البيئى.
وأكد الدكتور محمود حنفى، أستاذ البيئة البحرية بجامعة قناة السويس، أنه من بين الإجراءات البيئية المقترحة لحماية الخلجان والمراسى الطبيعية بالبحر الأحمر تنظيم حركة اللنشات وعددها اليومى وتحديد أماكن الرسو والاقتراب من الشاطئ، ومنع الرسو فوق الشعاب المرجانية، وإلزام المراكب باستخدام نقاط الرسو المخصصة، إلى جانب تحديد مسارات الحركة داخل الخلجان، ووضع ضوابط للغوص والسنوركلينج والأنشطة البحرية، خصوصًا فى المواقع التى تتواجد بها السلاحف أو عرائس البحر أو غيرها من الكائنات الحساسة. وأن تسبق أى مشروعات أو أعمال تطوير داخل هذه الخلجان دراسات بيئية متخصصة ومتعمقة تحدد طبيعة النظام البيئى وقيمته وقدرته على استيعاب الأنشطة المختلفة، مع ضرورة الاعتماد على نتائج الرصد والمتابعة وليس فقط على التقييمات النظرية السابقة.
وتشمل الحماية المطلوبة كذلك استمرار برامج الرصد للشعاب المرجانية، ومتابعة حالة السلاحف وعرائس البحر والكائنات البحرية الأخرى، وتسجيل معدلات التردد على المواقع، وأعداد اللنشات والغواصين والزائرين، وربط هذه البيانات بقرارات الإدارة البيئية والسياحية.
وتكتسب هذه المطالب أهمية خاصة فى ظل المكانة السياحية التى يتمتع بها البحر الأحمر، حيث تمثل الشعاب المرجانية والحياة البحرية أحد أهم عناصر الجذب للسائحين، وبالتالى فإن حماية البيئة البحرية ليست قضية بيئية فقط، وإنما ترتبط بصورة مباشرة باستدامة النشاط السياحى والحفاظ على المقومات التى تجذب السياح من مختلف دول العالم.
وطرح أيمن طاهر، الخبير البيئى، مفهوم السياحة البيئية المستدامة باعتباره الطريق للحفاظ على هذه المناطق الساحلية المتميزة، من خلال السماح بالأنشطة التى لا تتجاوز القدرة البيئية للموقع، مع تطبيق نظام واضح للرقابة، وتحديد أعداد الزوار والمراكب، وإغلاق أى موقع بصورة مؤقتة عند ظهور مؤشرات على تعرض النظام البيئى لضغوط أو تدهور.
كما دعا إلى تشجيع استخدام القوارب الصديقة للبيئة التى تعتمد على محركات أقل إزعاجًا أو طاقة نظيفة، وإلزام المراكب بوجود مرشد بيئى يوجه السياح إلى طرق مشاهدة الكائنات دون إزعاج، مؤكدًا أن المحركات تمثل تهديدًا مباشرًا لحياة السلاحف والأطوم «عروس البحر» التى تتردد على الخليج للغذاء والتكاثر، وأوضح أن هذه الكائنات بطيئة الحركة وحساسة للغاية تجاه الضوضاء والملوثات، ما يجعلها أكثر عرضة للإصابة أو النفوق، وفقدان هذه الكائنات من الخليج لن يكون مجرد خسارة بيئية، بل خسارة اقتصادية وسياحية كبرى، إذ يعد وجودها عنصر الجذب الأول للسياح والغواصين.
وأكد الدكتور أشرف صديق، المتخصص فى البيئة البحرية بمعهد علوم البحار بالغردقة، أن حماية الخلجان والشروم الطبيعية المنتشرة بساحل البحر الأحمر فى مرسى مبارك وطرمبى وشونى وأبو دباب وكلاوى وشرم الناقة وشرم العرب وغيرها من الخلجان الطبيعية مسؤولية مشتركة بين أجهزة الدولة والجهات البيئية والقطاع السياحى والعاملين فى الأنشطة البحرية والمجتمع المحلى، بما يضمن استمرار الاستفادة السياحية من هذه المواقع دون الإضرار بقيمتها الطبيعية.
وشدد على أن الحفاظ على الخلجان الطبيعية والتنمية السياحية لا يتعارض مع حماية البيئة، وإنما يحتاج إلى إدارة بيئية رشيدة تحدد أين يمكن السماح بالنشاط، ومتى يجب تقليل أعداد المراكب والزوار، وأين ينبغى منح الطبيعة مساحة للتعافى، بما يحافظ على الشعاب المرجانية والكائنات البحرية ويضمن استمرار المقومات الطبيعية للبحر الأحمر لعقود مقبلة.
وأوضح صديق أن حماية الخلجان والمراسى الطبيعية تمثل أولوية قصوى ضمن خطة الحفاظ على المواطن الطبيعية النادرة للكائنات البحرية فى البحر الأحمر، مشيرًا إلى أن الخلجان والمراسى تعد موطنًا رئيسيًا للسلاحف البحرية والأطوم، وهما من الكائنات المهددة بالانقراض عالميًا، ووضع ضوابط صارمة تضمن استمرار النشاط السياحى دون الإضرار بالكائنات البحرية أو بيئتها الطبيعية. كما شدد على أن تعاون مراكز الغوص والعاملين بالأنشطة البحرية مع الجهات الرسمية هو الضمان الحقيقى لنجاح جهود الحماية والحفاظ على مكانة مرسى مبارك كأحد أهم مواقع السياحة البيئية فى مصر والعالم.
المصدر:
المصري اليوم