لم تكن الأهمية الحقيقية فى حديث وزير الموارد المائية والرى المصرى، الدكتور هانى سويلم، كامنة فى ارتفاع نبرة صوته، ولا فى العبارات الحادة التى التقطتها وسائل الإعلام ومواقع التواصل. الأهم أنه أعاد تعريف المواجهة نفسها، فالقضية لم تعد خلافا فنيا طويلا حول سد اكتمل بناؤه، وإنما صراع على القاعدة التى ستحكم النيل الأزرق فى العقود المقبلة، هل تدار مياهه بالتعاون والقانون وتبادل البيانات، أم بإرادة الدولة التى تمسك بوابات السدود فى أعلى النهر؟
بهذا المعنى، بدا حديث سويلم بداية متأخرة، لكنها صحيحة وضرورية.. وأن تأتى هذه اللغة الآن خير من ألا تأتى أبداً.
اختار الوزير منبرا له دلالته؛ فقد عرض الموقف المصرى أمام أكثر من ثمانين مراسلا يمثلون نحو خمس وأربعين وسيلة إعلام أجنبية، فى لقاء نظمته الهيئة العامة للاستعلامات. لم يكن الخطاب موجها إلى جمهور داخلى يحتاج إلى الطمأنة فقط، بل إلى دوائر دولية ظلت طويلاً تتلقى رواية إثيوبية بسيطة وجذابة: إثيوبيا تريد التنمية والكهرباء، ومصر تتمسك بامتيازات الماضى.
الجديد أن القاهرة بدأت تفكك هذه الرواية أمام العالم بالأرقام والمشروعات والقانون، لا بمجرد الشكوى من تعثر التفاوض.
قدم سويلم صورة واضحة لبلد يعيش بالفعل عند الحد الأقصى من الندرة. فموارد مصر المائية المتجددة تقدر بنحو ٥٦.٨ مليار متر مكعب سنوياً، فى حين تتجاوز احتياجاتها ١٢٣ ملياراً، ويبلغ نصيب الفرد نحو ٤٧٢ متراً مكعباً فى السنة، أى أقل من حد الفقر المائى المطلق. وتعوض الدولة جانبا من الفجوة بإعادة استخدام نحو ٢٣.٢ مليار متر مكعب، ومعالجة مياه الصرف الزراعى، والتوسع فى التحلية، وتطوير نظم الرصد والتنبؤ وتشغيل السد العالى.
وفى المقابل، نقل الوزير النقاش من سؤال: «هل يحق لإثيوبيا أن تنمو؟» إلى سؤال أدق: «هل تتطلب التنمية الإثيوبية السيطرة المنفردة على النيل الأزرق؟». فبحسب البيانات التى عرضها، تستقبل إثيوبيا كميات هائلة من الأمطار، وتمتلك مساحات زراعية وموارد مائية متعددة تفوق كثيراً ما لدى مصر. والمغزى ليس إنكار حقها فى استخدام مواردها، بل رفض اختزال التنمية فى سلسلة سدود كبرى على نهر دولى من دون قواعد ملزمة تحمى دولتى المصب.
كان هذا التحول ضرورياً لأن اللغة الإثيوبية نفسها تغيرت. وزير المياه والطاقة الإثيوبى تحدث علناً عن ضرورة «التحكم» فى المياه وتنظيمها، وربط السدود بالتنمية من خلال هذه السيطرة. وقد أوضح الجانب الإثيوبى أن المقصود هو التخزين والتنظيم لتوليد الكهرباء، لا منع المياه عن دولتى المصب. وهذه الإضافة ينبغى ألا تُحذف من العرض المنصف.. لكن الكلمة تكتسب خطورتها من السياق، تشغيل أحادى لسد ضخم، ورفض لاتفاق ملزم، وإعلان نية بناء سدود أخرى، وخطاب سياسى متصاعد يطالب مصر والسودان بقبول «واقع جديد»، بل يطرح أحياناً أفكاراً عن التعويض المالى مقابل حماية منابع النهر.
وللحديث بقية..
المصدر:
المصري اليوم