لم تكن أسرته تدرى أن صوت محرك «التوك توك» بعد صلاة الفجر سيكون الأخير ولن يسمعوه مجددًا، حين انطلق «خالد» بحثًا عن الرزق فى شوارع بولاق الدكرور بالجيزة ومجاوراتها، بينما ودعته زوجته وأولاده بالدعاء: «ربنا يكفيك ولاد الحرام»، منتظرين عودته آخر النهار بما جاد به سعيه؛ لكنهم اصطدموا بفجيعة لم تكن فى الحسبان، إذ خدعه زبون بتوصيله إلى منطقة الشوربجى، وهناك أمره بالتوقف قائلًا: «اقف هنا يا أسطى.. دول هيركبوا معايا»، قاصدًا شخصين آخرين كانا فى انتظاره، وما إن صعدا حتى فاجآ السائق الخمسينى بـ«انزل.. وامشى على رجلك سليم»، وحين رفض، «خلصوا عليه بـ3 طعنات فى الصدر والظهر»، لتنقلب رحلة الرزق إلى مأتم، وفق زوجته التى تبكيه: «كان سابلهم حتة الحديدة ورجع لى بالدنيا وما فيها»، إذ تقول إن المجنى عليه قبل 15 عامًا «اتسرق منه (توك توك) بنفس الطريقة.. وده اللى خلاه ندمان إنه فرط فيه.. وفى المرة الأخيرة تشبث به حد الموت».
بالملابس السوداء، ووسط أولادها الثلاثة، أصغرهم 15 عامًا، جلست زوجة «خالد» تسرد تفاصيل يوم لن تنساه طوال حياتها، وفق قولها، حين جاء اثنان من الجيران ليناديا ابنها الأكبر «إسلام»: «انزل تعالى.. أبوك متعور عند الشوربجى»، فردت حينها بقلب يملؤه الخوف: «خير اللهم اجعله خير.. ده لسه خارج يدوب على أكل عيشه»، فبينما كانت الساعة تشير إلى الـ 8 صباحًا، وطلاب المدارس والموظفون يتحركون فى الشوارع: «دى ساعة رزق»، هكذا طمأنت نفسها بادئ الأمر محاولة كبح الهواجس: «الجو نهار والناس فى الشوارع بالكوم، مش معقول يجرى حاجة وحشة»، لكن سرعان ما تمكن القلق من قلبها، فلم تملك إلا أن «نزلت جرى ورا ابنى وأخو جوزى على الشارع».
ما إن وصلت زوجة «خالد» حتى وجدت جسده ملقى على الأرض وحوله دماء غزيرة: «منظرها يخض من بعيد»، بينما استقر «التوك توك» إلى جواره، للوهلة الأولى، تصورت أنه «يمكن اتخانق مع حد وضربه»، وحدثت نفسها، رغم أنها لا تصدق عقلها، قائلة: «عمره ما عمل مشكلة مع بنى آدم»، وفيما كان الأمل يداعبها بأنه «لسه عايش»، فإذا بابنها «إسلام» يفجعها: «أبويا مات.. مات يا أمى»، وقبل أن تسأله بذهول: «إيه اللى حصل؟»، كان ضابط المباحث يتقدم ليؤكد لها: «حقه راجع.. وفى ناس ركبوا معاه وحاولوا يسرقوا التوك توك، وضربوه بمطواة وخلصوا عليه».
منعت الشرطة زوجة سائق «التوك توك» من الاقتراب ناحيته: «ما كنتش حاسة بنفسى.. كنت عايزة أحضنه.. أقوله: ليه ماسيبتلهمش حتة الحديدة.. ورجعتلنا بألف سلامة»، تتذكر تلك اللحظات، بينما ينقل لها الأهالى ممن شاهدوا الجريمة «اللى حصل قدامهم»: «واحد ركب مع جوزك الأول.. ويا دوب اتحرك بيه مسافة بسيطة.. قاله: يا أسطى الاتنين دول معايا.. وشاور له على شخصين.. ويا دوب وقفلهم، قالوله: سيب التوك توك وامشى أحسن لك.. ولما تمسك به راحوا ضربوه وقطعوا جسمه.. وخافوا وجريوا من المكان لما الناس اتلمت»، ولم تتمالك نفسها فصرخت: «يا حبيبى.. كنت فديت روحك».
«حقه.. لازم يرجع»، كانت ترددها زوجة المجنى عليه باختناق، قبل أن يقترب منها المقدم أيمن السمكورى، رئيس مباحث قسم شرطة بولاق الدكرور، ليعدها قائلاً: «ساعات واللى عملوا كده هيكون مقبوض عليهم»، وتستعيد هى اللحظة متأثرة: «حقيقى ده حصل.. قبضوا على اللى قتلوا جوزى.. وده طمأننى شويه.. بس اللى هيطفئ نار قلبى أشوفهم متعلقين على حبل المشنقة.. جوزى كان طالع على أكل عيشه بالحلال.. قتلوه وساب لى 3 عيال.. كانوا فى حاجة لأبوهم وهو العائل الوحيد ليهم».
وتعود زوجة «خالد» بذاكرتها إلى الوراء، وتحديدًا قبل 15 عامًا، حين ترك زوجها العمل فى المعمار: «علشان نظره ضعيف.. وأجرى جراحات فى العين.. والدكاترة قالوا: ما ينفعش تشيل حاجات تقيلة ولا تعمل مجهود.. وممكن لو حاجات دخلت فى عينك يحصلك مشاكل تؤدى إلى العمى»، موضحة سبب تحوله للعمل على «التوك توك»، لتكشف أن بداية تجربته معه انتهت بكارثة هى الأخرى: «طلع عليه واحد وحط على رقبته سكينة.. وجوزى سابهوله ومشى.. وحس بندم لأنه عمل كده.. كان بيقولى: كان لازم أموت عليه»، وتتذكر أنها لم تشعر بحزن رغم أنه اشتراه بالتقسيط: «فداك.. رجعتلنا بالدنيا وما فيها».
ولذا كان طبيعيًا أن «يموت خالد نفسه على التوك توك، ولا يسيبه لحد ياخده منه»، تقول زوجة المجنى عليه: «علشان إحنا فضلنا ندفع قسط التوك توك الأولانى المسروق سنين مع شراء واحد جديد.. ووسطنا اتقطم وبقينا على الحديدة مع مصاريف الولاد»، وتدمع عيناها مرددة: «جوزى شهيد لقمة عيش.. وكل اللى عايزاه حقه يرجع بالقانون وأقصى عقوبة زى ما طالبت».
وتصاب الزوجة بنوبة ألم حادة فى صدرها يخشى من حولها أن تتحول إلى جلطة، وهم يرددون بقلق: «طول اليوم على كده.. كل ما تفتكر اللى حصل».
ويختصر «سعيد»، شقيق المجنى عليه، حزنه فى أن «خالد كان أبويا مش أخويا الكبير.. وراح منى»، كما تقول «هدى»، الشقيقة الثانية لسائق «التوك توك» والعاملة بأحد المستشفيات: «ده الحنين.. اللى كان بيسأل عنى.. بيعدى عليا يوصلنى لشغلى ويطمن على أحوالى صباح كل يوم»، ويقول الشقيقان إن المجنى عليه «تشبث بالتوك توك حد الموت ندمًا على سرقة الأول قبل 15 عامًا.. وعايزين نشوف المتهمين متعلقين على حبل المشنقة».
بدورها، قررت النيابة العامة حبس المتهمين الثلاثة 4 أيام على ذمة التحقيقات، بعد أن وجهت إليهم ارتكاب جريمتى القتل العمد المقترن بالسرقة بالإكراه، وحيازة سلاح أبيض.
كما أصدرت النيابة قرارًا بتكليف الطب الشرعى بتشريح جثة المجنى عليه «خالد»، لبيان سبب الوفاة وإعداد التقرير الفنى المفصل حول الطعنات الثلاث التى استقرت فى الصدر والظهر وأودت بحياته، مع سرعة استخراج تصريح الدفن عقب انتهاء التشريح لتسليم الجثمان إلى ذويه ليوارى الثرى.
وفى السياق ذاته، طلبت النيابة سرعة تحريات أجهزة الأمن حول الواقعة، والتحفظ على كاميرات المراقبة المحيطة بموقع الجريمة بمنطقة الشوربجى لتفريغها وفحصها، فضلاً عن استدعاء شهود العيان وزوجة المجنى عليه لاستكمال أقوالهم وضمها إلى ملف القضية.
المصدر:
المصري اليوم