آخر الأخبار

هل تتنفس الإسكندرية؟

شارك

لسنوات طويلة وأنا أتحاشى وأتجنب وأبذل قصارى الجهد حتى لا أزور الإسكندرية، مدينتى المفضلة منذ الطفولة. حفاظًا على الذكريات، وصونًا للتاريخ المحفور فى قلبى، حيث البحر، والرمل، والشواطئ، ونظافة الشوارع، ورائحة بهجة الصيف، وإثارة قضاء اليوم على البحر، ورائحة أطعمة الشارع المعروفة فى كل مصر، ولكن بنكهة سكندرية مميزة، وبقايا ثقافات وجنسيات مختلفة تضيف بهاء على البهاء الطبيعى للمدينة الساحرة، نصحنى عقلى الباطن لسنوات مضت بألا أذهب إلى المدينة، وذلك فى أعقاب زيارة سريعة قبل نحو عقدين بعد فترة انقطاع لأجد المدينة غارقة فى فوضى عارمة.

مبانٍ عشوائية مكدسة، تلال قمامة فى كل مكان، شواطئ متقلصة، وعصابات تسيطر عليها، والتأجير الإجبارى للمقاعد والمظلات، وملامح التطرف الدينى التى لا تخطئها عين، واختفاء مريع للعمارات التاريخية ذات المعمار المدهش بتفاصيل رائعة الجمال، وتبخر كل مظاهر التعددية والاختلاف الذى ظل يثرى المدينة، ويساهم فى استدامة سحرها وغيرها مما أصاب عروس البحر المتوسط أبقانى بعيدة تقليصًا لهوامش الحزن والحسرة.

ثم كان حزن من نوع جديد، وحسرة إضافية حين فوجئت أثناء زيارة سريعة قبل سنوات بغزوة جديدة، حيث انتشرت الأكشاك القبيحة والمقاهى العجيبة وكميات مذهلة من الخرسانة التى أمعنت فى توسيع قاعدة القبح.

اليوم، ألمح بعض التغيير الإيجابى. الزيارة ليست طويلة بالقدر الذى يجعل ملاحظاتى صحيحة، وإن كنت أتمنى من كل قلبى أن تكون ولو صحيحة جزئيًا، فقد طال غياب الإسكندرية.

بدأت معالم البحر تظهر مجددًا فى مناطق عدة، وهى الملامح التى طمسها زحف لمحلات وأكشاك وأشياء جعلت من الكورنيش الرائع البهى استنساخًا لـ«عزبة الصفيح». وبدلًا من الهواء «الذى يرد الروح» والمشهد البديع، تحول إلى شىء قبيح ثقيل يتحاشاه الناس. وأذكر مرة أننى فوجئت بهذه «العشش» التى تسمى نفسها «كافيهات» وقد تكدست أعلى كوبرى يشرف عليه الفندق، وظللت أسأل: من العاقل الذى ينزل من بيته ليرتاد مقهى مقاعده فى مطلع كوبرى؟

على أى حال، لست من أنصار مبدأ «اللى فات مات»، بمعنى ما فات لا يموت، ولا ينتهى أثره، إلا بفهمه. من الذى سمح بهذا القبح الرهيب، لا سيما أنه كان قد أصبح سمة للمدينة، وليس مجرد مخالفة أو تعدٍّ هنا أو هناك؟ ومن الذى تجاهل أنين أهل الإسكندرية طيلة سنوات هذا القبح؟ ومن الذى تظاهر بعدم السمع أو النظر أو حتى الرد على ما أثاره عشاق الإسكندرية من معارضة لهذا التشويه، والسؤال عن أسبابه؟

إعادة البناء على «مياه بيضا» تتطلب توافر ضمانات لعدم تكرار المأساة. ويا سلام لو نجرب مبدأ «إعطاء العيش لخبازه»، والاستعانة بمتخصصين لإعادة البهاء للإسكندرية بناء على ذوق راقٍ وتصميم جميل. أخشى ما أخشاه أن تتم عمليات إعادة البهاء بناء على رؤية مقاول (مع الاحترام للمقاولين)، لا فنان أو متخصص دارس أو مصمم راقٍ.

شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا