تتجاوز المواجهة الراهنة بين الحوثيين والسعودية حدود الأزمة اليمنية- السعودية، لتتحول إلى اختبار مركب لبنية الأمن الإقليمى، تتقاطع فيه أربعة مستويات: الصراع المسلح الداخلى فى اليمن، والردع الجماعى الذى تجسده التحالفات الأمنية الناشئة وفى مقدمتها اتفاق مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان، وأمن الملاحة الدولية فى أحد أكثر الممرات المائية حساسية على مستوى العالم، وأخيرا الأمن القومى المصرى الذى يتداخل مع الأزمة اقتصاديا واستراتيجيا.
وتزداد حساسية اللحظة الراهنة مع مرور أسابيع قليلة على توقيع الاتفاق فى 7 أغسطس 2026، بما يجعله أول اختبار عملى يكشف الفارق بين ثلاث مراحل مختلفة: الالتزام السياسى، والجاهزية المؤسسية، والاستجابة العملياتية. ويفرض ذلك ما يمكن تسميته «عتبة التفعيل الرمادية»، وهى المنطقة الفاصلة بين وقوع الهجوم المسلح واتخاذ قرار جماعى بالانخراط العسكرى المباشر، بما يجعل المعضلة الأهم متعلقة بتحديد وظيفة التحالف الثلاثى، ومن يمتلك القدرة على صياغة أولوياته.
ومن ثم، تكمن القيمة الإنذارية لهذه الورقة فى تجاوز الإجابة عن تساؤل: هل تدخل تركيا وباكستان الحرب للدفاع عن السعودية؟ إلى تساؤلات أكثر عمقا تتعلق بكيفية عمل التحالفات الدفاعية الناشئة فى بيئة التهديدات الرمادية، والحد الذى يتحول عنده تكرار الهجمات إلى تفعيل للالتزام الجماعى والانتقال من مرحلة الالتزام السياسى إلى مرحلة التفعيل العملياتى. وهل تمثل الهجمات الحوثية الحالية اختبارا محدودا للاتفاق، أم تدفع تدريجيا إلى إعادة تعريف وظيفته؟ وما المؤشرات التى ينبغى لمصر مراقبتها لاحتمال توسع الدور التركى والباكستانى فى أمن البحر الأحمر؟ وما السيناريوهات المحتملة للصراع الحوثى– السعودى وتأثيره فى الأمن القومى المصرى؟ وهل يمكن أن يتحول التهديد الحوثى من تهديد للأراضى والمنشآت السعودية إلى عامل لإعادة تشكيل أمن البحر الأحمر وباب المندب؟
المؤشرات العسكرية المباشرة وتحول طبيعة الاستهداف
يكشف تتبع وتيرة الهجمات الحوثية على العمق السعودى، من حيث نوعها ومستوى دقتها وأهدافها المختارة، عن انتقال تدريجى من منطق الرسالة الرادعة محدودة الأثر إلى منطق الاستنزاف المتكرر الذى يستهدف تكبيد الخصم كلفة تراكمية بدلا من ضربة حاسمة واحدة. وتحمل محاولتا استهداف الأجواء فوق مكة المكرمة، رغم اعتراضهما، دلالة مضاعفة؛ فمن جهة، تبقيان الهجوم الفعلى دون تحقيق أثر مادى مباشر يستدعى ردا فوريا حاسما، ومن جهة أخرى، تراكم محاولات الاستهداف رصيدا رمزيا من التهديد الوشيك الذى يضغط على صانع القرار السعودى والحلفاء لاتخاذ موقف أكثر حسما. ويعد هذا النمط من التصعيد المحسوب من أدق المؤشرات على أن الجماعة تدرك موقع العتبة الرمادية التى تفصل بين الضغط المقبول والانفجار الشامل، وتتعمد البقاء بالقرب منها دون تجاوزها بصورة قاطعة.
أما على الصعيد الميدانى البرى– الساحلى، فإن التمدد الحوثى من مدينة المخا إلى جزيرتى ميون وحنيش يمثل تحولا نوعيا من السيطرة على مساحات يابسة محدودة الأهمية الاستراتيجية إلى التموضع داخل عقدة جغرافية تتحكم مباشرة فى حركة المرور البحرى الدولى. ويعد هذا المؤشر الأكثر مساسا بالأمن القومى المصري؛ لأن فاعلا مسلحا من غير الدول يكتسب قدرة تحكم فعلية، ولو جزئيا، فى أحد مدخلى البحر الأحمر.
تحولات السلوك الإيرانى
يبقى السلوك الإيرانى، سواء عبر التصريحات الرسمية أو ما تشير إليه التقارير بشأن احتمال نقل تقنيات عسكرية جديدة إلى جماعة الحوثى، متغيرا حاسما فى تحديد مسار الأزمة. فتصعيد إيرانى مباشر، أو حتى تلويح حلفائها بتوسيع دائرة التهديد، من شأنه إحداث قفزة نوعية فى مستوى الخطورة، تنقل الأزمة من نطاق إقليمى محدود إلى نطاق يمس أمن الطاقة العالمى.
وتكمن أهمية هذا المؤشر بالنسبة إلى مصر فى أنه يحدد سقف تصعيد الأزمة وأمدها الزمنى المتوقع، وهما عاملان حاسمان فى أى تخطيط اقتصادى أو أمنى مصرى بديل.
ارتفاع مستوى التهديد من الهجوم المتقطع إلى الضغط التراكمى
يمثل تكرار الهجمات وتنوع أهدافها من أبرز مؤشرات التحول فى طبيعة الأزمة. فقد شهد شهر سبتمبر (أيلول) الجارى تصاعدا فى استهداف الأراضى السعودية والمنشآت الحيوية، إلى جانب تطورات بحرية وجغرافية على الساحل اليمنى. وتنبع أهمية هذا المؤشر من أن التحالفات الدفاعية تختبر بصورة مختلفة أمام الهجوم المنفرد مقارنة بحالة الضغط المتكرر؛ فكل هجوم إضافى يرفع العبء على الدفاع الجوى والاستخبارات والمراقبة وحماية المنشآت، ويزيد الحاجة إلى توزيع الأعباء بين الحلفاء.
ومن المنظور المصرى، يمثل ارتفاع معدل الهجمات مؤشرا أوليا على احتمال انتقال السعودية من إدارة التهديد بقدراتها الذاتية إلى طلب مساهمات أوسع من شركائها. وتزداد أهمية هذا المؤشر عندما يتزامن تكرار الهجمات مع ظهور طلبات سعودية محددة إلى تركيا أو باكستان.
استنزاف منظومات الدفاع
وظهور اقتصاديات الاستنزاف
يعد استهلاك صواريخ الاعتراض وارتفاع الاحتياجات الدفاعية مؤشرا أكثر عمقا من مجرد حساب عدد الهجمات. فقد أفادت وكالة أسوشيتد برس بأن السعودية تواجه ضغوطا على مخزونات الدفاع الصاروخى، وأنها طلبت مساعدة عسكرية من شركاء إقليميين وغربيين، من بينهم باكستان وفرنسا وبريطانيا ومصر. وتكشف هذه التطورات عن معادلة استراتيجية تقوم على إمكانية استخدام وسائل هجومية منخفضة الكلفة نسبيا لفرض كلفة دفاعية أعلى على الطرف المستهدف. ومع امتداد الأزمة زمنيا، يصبح معيار القوة مرتبطا بالقدرة على الحفاظ على الجاهزية الدفاعية، وليس فقط القدرة على اعتراض الهجوم الحالى.
ويرتفع مستوى الإنذار عندما تترافق زيادة استهلاك الذخائر الدفاعية مع طلب سعودى رسمى أو متكرر للحصول على مساهمات خارجية. وفى هذه الحالة، يصبح اتفاق مكة أمام اختبار مباشر يتعلق بتوزيع أعباء الدفاع، ويتجاوز الأمر إعلان التضامن السياسى. وبالنسبة إلى مصر، يكتسب ذلك أهمية مزدوجة؛ فمن جهة، قد يفتح الباب أمام طلبات سعودية للحصول على دعم فى مجال الدفاع الجوى، ومن جهة أخرى، يمكن أن تتصل عمليات الاستنزاف بزيادة الضغط على المنشآت والموانئ الواقعة على البحر الأحمر، وهى بيئة جغرافية تمس الأمن المصرى بصورة مباشرة.
تحول الحوثيين من استهداف السعودية إلى التحكم فى البيئة البحرية المحيطة بها
يمثل انتقال الحوثيين إلى السيطرة على أجزاء واسعة من الساحل الغربى اليمنى تحولا استراتيجيا يفوق فى أهميته زيادة مدى الهجمات. فقد أفادت تقارير استخباراتية حديثة بسيطرة الحوثيين على مواقع ساحلية وموانئ وجزر فى البحر الأحمر، بما فى ذلك مناطق قريبة من باب المندب، فضلا عن احتمال تمدد التهديد الحوثى إلى بنية الأمن والاتصال والطاقة، من كابلات البيانات والقواعد العسكرية الأجنبية إلى منشآت الطاقة. وينقل ذلك التهديد من المجال البرى السعودى إلى المجال البحرى الذى ترتبط به المصالح الإقليمية والدولية.
ويفرض هذا التحول على اتفاق مكة وظيفة أوسع تتمثل فى حماية البيئة الأمنية التى تعتمد عليها الدول الأعضاء. وبمجرد انتقال الوظيفة إلى المجال البحرى، تصبح مصر معنية مباشرة بالتطورات حتى مع بقائها خارج الاتفاق؛ لأن التمدد الحوثى يؤثر فى المصالح المصرية عبر تهديد مسارات كابلات البيانات وتدفقات الطاقة فى البحر الأحمر، بما يضع البنية التحتية الحيوية المصرية ومصادر الإيرادات المرتبطة بالممر البحرى أمام مخاطر متزايدة.
تغير نمط الملاحة فى البحر الأحمر وقناة السويس
يمثل سلوك شركات الشحن والمؤشرات الملاحية أحد أكثر مؤشرات الإنذار المبكر موضوعية؛ لأنه يعكس تقييم الفاعلين الاقتصاديين لمستوى الخطر قبل أن تعلن الحكومات مواقفها. فرغم أن حركة الملاحة عبر قناة السويس سجلت تعافيا خلال أغسطس (آب) 2026، مع 1،232 عملية عبور، بزيادة 28٪ على أساس سنوى، تظهر بيانات الرصد الملاحى تراجعا حادا ومتسارعا فى حركة العبور عبر مضيق باب المندب، حيث سجل مرور نحو ثلاث سفن فقط فى 15 سبتمبر (أيلول) 2026، مقابل خمس سفن فى اليوم السابق، فى مؤشر كمى مباشر على حجم تآكل ثقة قطاع الشحن الدولى فى أمن هذا الممر.
ويتقاطع هذا المؤشر مع حركة الأسعار العالمية للنفط الخام، التى تجاوزت حاجز 100 دولار للبرميل، بوصف ذلك انعكاسا غير مباشر لإدراك الأسواق اضطرابات الإمداد. وتزداد المخاطر مع التقارير المتزامنة عن تراجع مواز فى حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، وهو ما يفتح احتمالا يتمثل فى تشكل جبهتين بحريتين متزامنتين تربكان خطوط إمداد الطاقة العالمية من محورين مختلفين فى آن واحد.
وتكمن أهمية هذا المؤشر لمصر فى أن أمن قناة السويس يرتبط بصورة مباشرة بدرجة ثقة شركات الملاحة فى المسار الممتد من باب المندب إلى البحر الأحمر ثم القناة. وبالتالى، فإن أى عودة واسعة إلى تحويل السفن إلى مسارات بديلة، أو ارتفاع ملحوظ فى تكاليف التأمين، أو تراجع العبور عبر باب المندب، يمثل إنذارا مبكرا بتجدد الضغوط الاقتصادية على قناة السويس.
اختبار فعالية التحالف البحرى الدفاعى الناشئ بقيادة السعودية
يعد ظهور تدريبات بحرية مشتركة، أو آليات لتبادل المعلومات البحرية، أو ترتيبات لحماية الموانئ والسفن، أو نشر قدرات للمراقبة والاستطلاع البحرى فى البحر الأحمر، من أهم مؤشرات الإنذار المبكر التى ينبغى متابعتها. فهذا النوع من التعاون سيعنى انتقال الاتفاق من الدفاع عن الأمن القومى السعودى إلى إدارة مجال أمنى عابر للحدود، وسيكون لذلك أثر مباشر فى التوازنات البحرية فى البحر الأحمر، لا سيما إذا ارتبط التعاون بحماية طرق تصدير النفط السعودية أو تأمين السفن المرتبطة بالمملكة.
وتنبع أهمية المؤشر بالنسبة إلى مصر من احتمال ظهور ترتيبات أمنية بحرية جديدة تتداخل مع الأدوار القائمة فى البحر الأحمر. وكلما اتخذت هذه الترتيبات طابعا مؤسسيا أو دائما، تنامت انعكاساتها على القاهرة.
تقلص الفجوة بين الخطاب السياسى والتفعيل العسكري
يشكل رصد الفارق بين البيانات الرسمية التركية والباكستانية من جهة، والانتشار العسكرى الفعلى على الأرض من جهة أخرى، أحد أدق أدوات قياس مدى اقتراب الأزمة من عتبة التفعيل الكامل لاتفاق مكة. وحتى تاريخ إعداد هذه الورقة، اقتصر الموقف الباكستانى على تصريحات رسمية تؤكد الاستعداد للتفعيل، مقرونة بمسار وساطة لدى إيران يهدف إلى احتواء الأزمة عبر القنوات الدبلوماسية بدلا من اللجوء المباشر إلى الخيار العسكرى.
ويعكس ذلك حذرا مزدوجا لدى إسلام آباد وأنقرة: حذرا من الانجرار إلى التزام عسكرى مفتوح فى مسرح صراع يمنى معقد تاريخيا، وحذرا موازيا من الظهور بمظهر المتنصل من التزام تحالفى حديث التوقيع.
وتسمح هذه الفجوة بين لغة الاستعداد والتنفيذ لجماعة الحوثى بمواصلة استراتيجية الاستنزاف المحسوب دون استدعاء رد جماعى حاسم. وترتبط هذه الفجوة بالحالة المصرية من زاوية غير مباشرة، لكنها بالغة الأهمية؛ فمصر ليست طرفا فى اتفاق مكة الثلاثى، ولا تملك بالتالى أداة مؤسسية للتأثير فى وتيرة تفعيله أو تحديد ما إذا كان سيتحول إلى ترتيب أمنى إقليمى أوسع يشمل ملف أمن البحر الأحمر بأكمله.
طلب رسمى سعودى للمساعدة العسكرية
يمثل الطلب الرسمى السعودى للمساعدة العسكرية نقطة فاصلة فى اختبار الاتفاق، خاصة إذا تضمن قدرات محددة مثل الدفاع الجوى أو الاستخبارات أو حماية المنشآت أو العمليات البحرية. فقد أشارت البيانات الرسمية إلى أن طبيعة الاتفاق وآلية عمله تتركان مساحة لتحديد شكل المساعدة وفق طبيعة الطلب والتشاور بين الأطراف.
ومن ثم، ستكون صيغة الطلب السعودى نفسها مؤشرا بالغ الأهمية. فطلب الذخائر أو قطع الغيار يختلف استراتيجيا عن طلب منظومات دفاع جوى، وكلاهما يختلف عن طلب قوات أو قدرات بحرية. وكلما ارتفع مستوى الطلب، اقترب الاتفاق من اختبار عسكرى مباشر. وينبغى للقاهرة متابعة هذا المؤشر بالتوازى مع الطلبات السعودية الموجهة إليها؛ لأن تقاطع المسارين قد يضع مصر أمام ترتيبات أمنية متداخلة بين التعاون الثنائى مع السعودية وشبكة أوسع تقودها الرياض مع أنقرة وإسلام آباد.
السيناريوهات المحتملة
استنادا إلى قراءة المؤشرات سالفة الذكر وتفاعلاتها المتبادلة، يمكن رسم أربعة مسارات محتملة لتطور الأزمة خلال الأشهر المقبلة، تتفاوت فى احتمالية تحققها وحجم أثرها المتوقع، على النحو التالى:
السيناريو الأول: «الاستنزاف المدار»
يقوم هذا السيناريو الأرجح على مواصلة جماعة الحوثى ضغطها المحسوب عبر تكرار محاولات الاستهداف الرمزى والإبقاء على الحصار الانتقائى، دون الانتقال إلى إعلان إغلاق شامل للمضيق. وفى المقابل، تستمر السعودية فى إدارة التهديد بالاعتماد أساسا على قدراتها الذاتية، مع حصولها على دعم سياسى واستخباراتى وفنى محدود من تركيا وباكستان وشركاء آخرين مثل مصر والولايات المتحدة.
ويظل اتفاق مكة فى إطار الردع السياسى والتشاور الأمنى، مع استخدامه أداة لرفع كلفة أى تصعيد ضد السعودية. ويؤدى تحقق هذا السيناريو إلى استمرار الأزمة ضمن نطاق يمكن احتواؤه نسبيا، وبقاء تأثيرها فى البحر الأحمر عند مستويات قابلة للإدارة.
وبالنسبة إلى مصر، يظل التركيز الأساسى على حماية الملاحة ومراقبة تدفقات التجارة والطاقة، مع استمرار التنسيق السعودى– المصرى دون انتقال الأزمة إلى ترتيبات عسكرية بحرية جديدة. ويصبح هذا السيناريو أقل استقرارا كلما ارتفع معدل الهجمات وطالت فترة الاستنزاف؛ لأن استمرار الضغط قد يدفع تدريجيا نحو السيناريو التالى.
السيناريو الثانى: التفعيل التدريجى لاتفاق مكة
فى هذا السيناريو المرجح، تنتقل الدول الثلاث من المشاورات إلى تقديم دعم عملى متدرج، قد يبدأ بالمعلومات الاستخباراتية والدعم الفنى، ثم الدفاع الجوى والتدريب والمراقبة، وصولا إلى مساهمات عسكرية محدودة.
ويمثل هذا السيناريو الاختبار الأكثر أهمية لفكرة عتبة التفعيل الرمادية، حيث يتوقع أن ينتقل التفعيل من الخطاب إلى الفعل عبر انتشار بطاريات دفاع جوى، وربما مستشارين عسكريين باكستانيين على الأراضى السعودية، بينما تكتفى تركيا بتقديم دعم بالمسيرات والتدريب دون انخراط قتالى مباشر.
وبالنسبة إلى القاهرة، يستدعى هذا المسار مراقبة طبيعة القدرات التى تقدمها تركيا وباكستان، ومكان استخدامها، وما إذا كانت ستمتد إلى البحر الأحمر. فإذا بقيت داخل الأراضى السعودية، ظل التأثير فى مصر محدودا نسبيا، أما إذا انتقلت إلى المجال البحرى، فإن المعادلة ستتغير جذريا.
السيناريو الثالث: التسوية الوظيفية
يفترض هذا السيناريو المحتمل نجاح قنوات الوساطة الباكستانية–الإيرانية والعمانية فى إنتاج تهدئة وظيفية محدودة، تستند إلى تفاهمات مرحلية بين الأطراف، بحيث يتراجع الحوثيون عن استهداف الأراضى والمنشآت الحيوية السعودية، مقابل تخفيف الضغوط العسكرية على الساحل الغربى، وتوسيع التسهيلات الإنسانية، وفتح مساحة للتعامل مع ملف الموانئ والمطارات.
ويدعم هذا المسار مؤشرات تتعلق بنشاط الاتصالات الباكستانية مع إيران، واستمرار القناة العمانية، إلى جانب وجود مصلحة مشتركة فى خفض كلفة الاستنزاف وإعادة ترتيب الأولويات. ويظل هذا المسار أقرب إلى إدارة الصراع وتجميد بعض ساحاته منه إلى تسوية سياسية شاملة، مع احتفاظ الحوثيين بمكاسبهم الميدانية وأوراقهم المرتبطة بالساحل الغربى وباب المندب.
وينعكس ذلك مباشرة على الأمن القومى المصرى، حيث قد تؤدى التهدئة إلى استعادة تدريجية لحركة الملاحة عبر البحر الأحمر وباب المندب، وتحسين بيئة التأمين والنقل، بما يدعم حركة التجارة وقناة السويس. غير أن المكسب الاقتصادى المباشر يقابله تحد استراتيجى يتمثل فى طبيعة الترتيبات التى ستضمن أمن الملاحة.
ففى حال ارتبطت عودة السفن بتفاهمات تمنح الحوثيين قدرة فعلية على تحديد السفن أو التأثير فى حركة المرور، فقد ينشأ استقرار ملاحى هش يرسخ نفوذ فاعل مسلح على أحد أهم الممرات البحرية المرتبطة بالأمن القومى المصرى. ومن ثم، يصبح المؤشر الأهم بالنسبة إلى القاهرة اقتران انخفاض الهجمات بتعافى الملاحة وظهور آلية مستقرة لضمان حرية المرور، مع مراقبة أى توسع للدور التركى أو الباكستانى فى ترتيبات أمن البحر الأحمر خلال مرحلة ما بعد التهدئة.
السيناريو الرابع: تصعيد إقليمى شامل
تتزامن فى هذا السيناريو أزمة باب المندب مع اضطراب مواز فى مضيق هرمز وانخراط إيرانى مباشر أو شبه مباشر، مع إغلاق فعلى أو اضطراب حاد فى المضيقين وارتفاع محتمل لأسعار النفط.
ورغم كونه السيناريو الأقل احتمالا، فإنه الأشد أثرا؛ حيث يؤدى التصعيد الحوثى إلى ظهور ترتيبات أمنية إقليمية متعددة المستويات تجمع الدول ذات المصالح المشتركة فى البحر الأحمر، وتشمل حماية الطاقة والملاحة والموانئ والقواعد العسكرية وكابلات البيانات البحرية.
وتكمن خصوصية هذا السيناريو فى أن اتفاق مكة قد يتحول من تحالف دفاعى بين ثلاث دول إلى نواة لشبكة أمن إقليمى أوسع. وسيكون لهذا التحول تداعيات مباشرة على مصر؛ لأن القاهرة تمتلك مصلحة استراتيجية فى أن تظل ترتيبات أمن البحر الأحمر مرتبطة بالدول المشاطئة وبأمن الملاحة الجماعى، مع الحفاظ على موقع قناة السويس داخل المنظومة الإقليمية، وعدم انتقال مركز إدارة أمن البحر الأحمر إلى ترتيبات خارج الأطر التى تراها القاهرة ملائمة لمصالحها.
الخاتمة
تكشف قراءة تطورات التصعيد الحوثى الراهن ضد السعودية أن الاختبار الحقيقى لاتفاق مكة لا يرتبط فقط بمدى استعداد تركيا وباكستان لإرسال قوات إلى السعودية، وإنما بقدرته على مجابهة نمط تصعيدى محسوب يتحرك بالقرب من العتبة الرمادية الفاصلة بين الردع المعلن والتفعيل الفعلى، دون أن يتجاوزها بصورة قاطعة حتى تاريخ إعداد هذه الورقة.
غير أن هذا التوازن الهش يبقى عرضة للانهيار، سواء بفعل تصعيد حوثى يتجاوز حساباته الدقيقة للمخاطر، أو اتساع السيطرة الحوثية على الساحل اليمنى والجزر والمواقع القريبة من باب المندب، وارتفاع حساسية خطوط الطاقة والملاحة فى البحر الأحمر، أو بفعل تطور مواز فى مضيق هرمز يغير معادلة الكلفة والعائد لدى جميع الأطراف.
وفى كلتا الحالتين، فإن التحول الجارى فى هندسة الملاحة الدولية عبر باب المندب وقناة السويس، من أزمة عابرة إلى فرض واقع جديد من التفادى والانكماش، يستدعى من صانع القرار المصرى التعامل مع هذا الملف باعتباره تحديا استراتيجيا ممتدا يستحق تخصيص أدوات دائمة للرصد والتحليل والاستجابة.
فالخطر الأهم يبدأ قبل أى انتشار عسكرى تركى أو باكستانى داخل اليمن؛ حيث تتبلور مؤشرات الإنذار المبكر مع إعادة تعريف وظيفة الاتفاق وتوسعها تدريجيا من مظلة للدفاع عن أراضى الدول الأعضاء إلى منظومة أمنية متعددة المجالات تشمل الدفاع الجوى، وتبادل الاستخبارات، وتأمين الموانئ والممرات والكابلات البحرية، وحماية منشآت الطاقة، وصولا إلى إعادة تشكيل ترتيبات أمن البحر الأحمر وباب المندب.
ومن ثم، تبقى القدرة على التمييز المبكر بين مؤشرات استمرار الاستنزاف المدار ومؤشرات الانزلاق نحو التصعيد الشامل المعيار الحاسم لفاعلية أى استجابة مصرية مقبلة. ويتطلب ذلك إدارة متزامنة لمسارات الدفاع والملاحة والطاقة والدبلوماسية، مع الحفاظ على موقع مصر المحورى فى أمن البحر الأحمر، وتعظيم قدرتها على التأثير فى أى ترتيبات إقليمية ناشئة، وعدم الاكتفاء بالتعامل مع نتائجها بعد تشكلها.
* باحثة فى جامعة القاهرة، متخصصة فى الشأن الآسيوى
ينشر بالتعاون مع CAES مركز الدراسات العربية الأوراسية
المصدر:
المصري اليوم