آخر الأخبار

إطلاق جنيه رقمي.. هل تستطيع مصر أن تعيش بلا ورقة نقدية؟ | مصراوي

شارك
مصدر الصورة

هل تستطيع السوق المصرية الاستغناء عن الكاش تمامًا؟ سؤال يطرحه مصراوي وسط خطة البنك المركزي لإطلاق جنيه رقمي لأول مرة لتحقيق رؤية مصر 2030 ميكنة المدفوعات.
كان تقرير سابق صادر للبنك المركزي المصري كشف عن دراسة لإصدار "الجنيه الرقمي" بالتعاون مع صندوق النقد والبنك الدوليين، في إطار سعيه لتعزيز التحول إلى الاقتصاد الرقمي وتوسيع نطاق المدفوعات الإلكترونية الفورية بين الأفراد والشركات دون الحاجة للوساطة.

العملات الرقمية للبنوك المركزية (CBDCs)، مثل "الجنيه الرقمي"، هي نسخ رقمية من النقود الورقية التي تصدرها البنوك المركزية وتنظم العمل بها، وليست متقلبة مثل العملات المشفرة.
يتزامن ذلك مع قطع مصر خطوات متسارعة في ميكنة المدفعوعات حيث قفزت قيمة المدفوعات الرقمية نحو 45% خلال 2025 إلى 38 تريليون جنيه بجميع قنواتها "محافظ ذكية وإنستاباي وبطاقات مصرفية".

قال أحمد شوقي الخبير الاقتصادي إن نمو المدفوعات الرقمية لم يصاحبه اختفاء موازٍ للنقد الورقي، فالمصريون يستخدمون الحسابات والمحافظ والتطبيقات الرقمية، لكنهم في الوقت نفسه يحتفظون بجزء معتبر من أموالهم خارج الجهاز المصرفي.

وأضاف لـ مصراوي أن هذا يعني أن التحول الرقمي لا يسير حتى الآن على نموذج استبدال الكاش، وإنما أقرب إلى إضافة طبقة رقمية فوق اقتصاد ما زال النقد جزءًا أساسيًا منه.
وتكشف بيانات الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات عن السرعة التي تتحرك بها مصر نحو اقتصاد أقل اعتمادًا على النقد، إذ بلغ عدد المحافظ الإلكترونية للهاتف المحمول 57.01 مليون محفظة خلال النصف الأول من 2026، مقابل 46.33 مليونًا في الفترة المقابلة من 2025، بزيادة 23%.

وخلال الفترة نفسها، نفذت المحافظ 2.22 مليار عملية مالية مقابل 1.37 مليار عملية في النصف الأول من 2025، بنمو 62%، بينما ارتفعت قيمة المعاملات إلى 2.96 تريليون جنيه مقابل 1.90 تريليون جنيه، بزيادة 56%.

واستحوذت التحويلات من محفظة إلى أخرى على 54% من عدد العمليات و67% من قيمتها، بينما مثلت عمليات السحب 4% من عدد المعاملات و12% من قيمتها.
علقت شيماء وجيه الخبيرة المصرفية والاقتصادية لـ مصراوي بأن المحافظ لم تعد مجرد وسيلة لشحن الرصيد أو سداد فاتورة، وإنما أصبحت قناة فعلية لتحريك الأموال بين الأفراد.
تكشف بيانات المحافظ أن إنستاباي أصبح قناة رئيسية لتغذية المحافظ؛ إذ جاءت 78% من معاملات الإيداع عبر الحساب البنكي للمحفظة من خلال إنستاباي، وبلغت حصتها 58% من قيمة الأموال المودعة.

وأضافت شيماء وجيه، أن التحول الرقمي هنا لا يعني فقط أن المواطن يدفع من هاتفه بدلًا من إخراج ورقة نقدية، وإنما يعني أيضًا أن مسار انتقال الأموال نفسه أصبح أسرع وأكثر قابلية للتتبع داخل النظام المالي.

وتابعت أن ضخامة الأرقام لا ينبغي أن تسوغ القول بأن امتلاك محفظة إلكترونية يعني الاستغناء عن النقد، فالمواطن يمكن أن يدخل النظام الرقمي بالأموال ويحركها إلكترونيًا ثم يعود في النهاية إلى الكاش، فالرقمنة لم تلغِ النقد بل جعلت العلاقة بين الاثنين أكثر تعقيدًا.
بيانات النصف الأول من 2026 تظهر أن 12% من قيمة الأموال المصروفة عبر المحافظ ذهبت إلى عمليات السحب النقدي، بينما شكل السحب 75% من قيمة المبالغ المصروفة وفق توزيع القيم النقدية لعمليات الصرف.

الكاش له وظيفة لا يوفرها الهاتف

قال وليد جاب الله الخبير عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي، إن اختفاء النقد بالكامل لا يعني فقط تغيير طريقة دفع ثمن السلع والخدمات، وإنما يعني إزالة وسيلة دفع تستطيع العمل دون حساب مصرفي أو اتصال دائم بالإنترنت.
وأضاف لـ مصراوي أن القدرة على إجراء بعض المعاملات دون اتصال بالإنترنت تظل عنصرًا مهمًا في الانتقال الرقمي، وقد أتاح الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات بالفعل استخدام الأكواد المختصرة لبعض خدمات المحافظ وإجراء معاملات أساسية دون الحاجة إلى الإنترنت، كما أتاح شحن كروت الكهرباء مسبقة الدفع من خلال المحافظ الإلكترونية.
تلقى الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات 141224 شكوى خلال النصف الأول من 2026، منها 60144 شكوى تخص خدمات الهاتف المحمول و44181 تخص الإنترنت الثابت. ولا تعني أن المدفوعات الرقمية غير موثوقة، لكنها تذكر بأن الاقتصاد الرقمي يظل مرتبطًا ببنية تحتية يمكن أن تتعرض للأعطال أو الانقطاع، وهو ما يجعل الكاش وسيلة احتياطية ببعض الظروف.

التاجر أمام معادلة جديدة

قال أحمد شوقي أن التاجر يقل احتياجه إلى تخزين الأموال ونقلها وإيداعها عند استخدام الدفع الإلكتروني، وتتراجع مخاطر فقدان النقد أو أخطاء الحساب، كما تصبح الإيرادات المسجلة إلكترونيًا أكثر وضوحًا ويمكن أن تساعد في بناء سجل مالي للنشاط.
ويرى أن المعاملة النقدية تترك أثرًا ماليًا محدودًا خارج أطرافها المباشرة، بينما تخلق المعاملة الإلكترونية سجلًا يمكن ربطه بالحساب أو المحفظة أو التاجر.

وهذا يتسق مع الاتجاه المصري إلى رقمنة المنظومة الضريبية، فقد تجاوز عدد الوثائق المسجلة على منظومة الفاتورة الإلكترونية 1.4 مليار وثيقة في بداية 2025، قبل أن تتجاوز الفواتير الإلكترونية والإيصالات الإلكترونية 1.6 مليار وثيقة لكل منهما في سبتمبر من العام نفسه، وفق بيانات مصلحة الضرائب المصرية.
وذكر شوقي أن اختفاء الكاش إذا حدث يومًا لن يكون مجرد تحول مصرفي، بل سيغير أيضًا قدرة الدولة على رؤية جزء أكبر من النشاط الاقتصادي وتتبعه ضريبيًا، لكن هذا لا يعني تلقائيًا أن كل جنيه ينتقل إلى النظام الرقمي يتحول إلى إيراد ضريبي إضافي؛ فذلك يتوقف على التسجيل المحاسبي وطبيعة النشاط والالتزام الضريبي وقدرة أجهزة الدولة على تحليل البيانات وربطها.
وتشير بيانات الشمول المالي إلى وصول نسبة المواطنين الذين يمتلكون حسابات أو منتجات مالية نشطة إلى نحو 79%، وهو تقدم كبير في السنوات الأخيرة، لذلك فإن اختفاء الكاش قبل اكتمال الوصول المالي والرقمي قد يحول وسيلة الدفع من أداة متاحة للجميع إلى شرط مسبق للمشاركة في الاقتصاد.

ماذا سيكسب الاقتصاد إذا اختفى الكاش؟

سيكسب النظام الاقتصادي سرعة أكبر في انتقال الأموال، وتقليلًا في الاعتماد على تداول الأوراق النقدية ونقلها وتأمينها وإيداعها، كما ستصبح حركة الأموال أكثر قابلية للتتبع، حسب وليد جاب الله، كما سيستفيد التجار من سرعة التسوية وتقليل الحاجة إلى الاحتفاظ بالنقد، بينما يستطيع الأفراد تنفيذ التحويلات ودفع الخدمات على مدار الساعة دون الحاجة إلى زيارة فرع أو ماكينة صراف آلي.
وأضاف أحمد شوقي أن الاعتماد الكامل على البنية التكنولوجية ومخاطر الاحتيال والهجمات السيبرانية ورسوم قبول بعض أدوات الدفع والحاجة إلى أجهزة وهواتف واتصال مستمر، والأهم أن المجتمع سيفقد آخر وسيلة دفع لا تحتاج إلى وسيط إلكتروني لكي تعمل.

مصراوي المصدر: مصراوي
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا