آخر الأخبار

إبراهيم المعلم «زعيم الناشرين»

شارك

ربما تكون الصورة الأكثر دلالة فى حكاية الناشر الكبير إبراهيم المعلم بعيدة تمامًا عن المطابع الكبرى، وعن معارض الكتب، وعن الجوائز الدولية التى ستأتى بعد ذلك بعقود، فالصورة تبدأ بامرأة أنهت سنوات عملها ناظرةً فى التعليم، ثم تحولت مكافأة نهاية خدمتها إلى جزء من رأس مال مغامرة عائلية جديدة اسمها «دار الشروق».

المرأة هى والدة إبراهيم المعلم، أما الأب فهو محمد المعلم، الناشر الذى سبقت تجربته مع «دار القلم» تأسيس «الشروق»، ويروى إبراهيم المعلم فى حواره المطول مع الإعلامى على الظفيرى فى برنامج «المقابلة» نهاية عام ٢٠٢٥، والمنشور نصه فى يناير ٢٠٢٦، أن الأسرة بدأت عام ١٩٦٨ «تقريبًا من الصفر»، بعد انتهاء تجربتها السابقة فى النشر، وأن مكافأة والدته كانت من المال الذى بدأوا به الدار الجديدة.

فى ذلك البيت لم يكن إبراهيم المعلم وريثًا لمؤسسة مكتملة بقدر ما كان ابنًا يتعلم المهنة إلى جوار أبيه، وحين سُئل عن دوره فى البدايات، اختار فى الحوار نفسه وصفًا شديد البساطة: الأب كان «القائد والزعيم ورئيس مجلس الإدارة»، وكان هو وشقيقه «اثنين عساكر»، ولم تكن هناك حدود صارمة بين الوظائف؛ اختيار المخطوطات، ومراجعة التصحيح، ومتابعة الطباعة، وعرض الكتب وتوزيعها، كلها كانت أجزاء من يوم العمل نفسه، وهذه التفاصيل مهمة لأنها تفسر جانبًا من شخصية الناشر الذى سيظهر لاحقًا: رجل يرى الكتاب سلسلة متصلة تبدأ من النص ولا تنتهى إلا عندما يصل إلى يد القارئ.

إبراهيم المعلم

مهندس دخل عالم الكتب

لم يأت إبراهيم المعلم إلى النشر من دراسة الأدب، بل درس الهندسة، ويقول فى حواره مع مع الاتحاد الدولى للناشرين IPA، إن تخصصه ارتبط بالإنتاج والتخطيط ورفع الكفاءة؛ أى بذلك النوع من التفكير الذى يفكك أى مشروع إلى مراحل، ويحاول أن يجعل كل مرحلة أكثر انتظامًا وفاعلية، ولعل من السهل، بعد ستة عقود تقريبًا، أن نرى أثر هذه الخلفية فى المسار الذى اتخذته الشروق، حيث لم تبق دارًا تستقبل المخطوط ثم تسلمه إلى مطبعة، وإنما اتسعت دائرتها تدريجيًا إلى الطباعة والتوزيع والمكتبات والإنتاج الإعلامى والنشر التعليمى والرقمى.

إبراهيم المعلم

تأسست دار «الشروق» فى القاهرة سنة ١٩٦٨، ثم امتد النشاط إلى بيروت فى ١٩٦٩، قبل إنشاء «مطابع الشروق» فى القاهرة سنة ١٩٧٨، وتقول المجموعة على موقعها الرسمى إن المعلم بدأ منذ السبعينيات الاهتمام بشراء حقوق الأعمال الأجنبية قبل ترجمتها ونشرها، فى مرحلة لم يكن فيها التعامل المنظم مع حقوق الترجمة ممارسة راسخة فى جزء كبير من سوق الكتاب العربى. هذه المعلومة الأخيرة مصدرها المؤسسة نفسها، ولذلك لا يصح تقديمها باعتبارها حكمًا مستقلاً على الصناعة، لكنها تكشف على الأقل كيف تعرّف «الشروق» مبكرًا مفهومها لدور الناشر.

إبراهيم المعلم

فأن يشترى الناشر حق ترجمة كتاب قبل طبعه قد يبدو اليوم أمرًا طبيعيًا؛ لكنه يختصر تحولًا جوهريًا فى مفهوم المهنة نفسها، فالكتاب ليس مجرد ورق يدخل المطبعة، وإنما ملكية فكرية لها صاحب، وعقد، وحقوق، وأسواق مختلفة، ومن هنا يمكن فهم لماذا أصبحت قضية حقوق المؤلف ومقاومة القرصنة واحدة من أكثر القضايا التصاقًا باسم إبراهيم المعلم فى نشاطه المهنى اللاحق.

إبراهيم المعلم

حين تحولت حقوق المؤلف إلى معركة مهنية

فى يناير ٢٠٠٧ اجتمعت فى القاهرة المنظمة العالمية للملكية الفكرية WIPO والاتحاد الدولى للناشرين واتحاد الناشرين العرب فى مؤتمر دولى بعنوان «حق المؤلف والتنمية: من التنوع الثقافى إلى الازدهار الاجتماعى»، وتسجل WIPO فى بيان رسمى صدر بتاريخ ٣٠ يناير ٢٠٠٧، أن إبراهيم المعلم كان يومها رئيسًا لاتحاد الناشرين العرب، وأنه عقد مباحثات مع مديرها العام كامل إدريس حول تعزيز دور حقوق المؤلف فى تطوير الصناعات الإبداعية، وبصورة خاصة صناعة النشر.

إبراهيم المعلم

وفى تقرير خاص أصدره الاتحاد الدولى للناشرين بتاريخ ٨ يوليو ٢٠١٥ عن العلاقة بين حقوق النشر وحقوق الإنسان، تحدث الروائى علاء الأسوانى عن مشكلة ضعف حماية حقوق المؤلف، ثم قال إنه كان محظوظًا بوجود ناشر وصفه بالأمين، وسمّى إبراهيم المعلم، مشيرًا إلى أنه يدفع لمؤلفيه حقوقهم حتى حين لا يجبره النظام القائم على ذلك.

ويقدم نجيب محفوظ مثالًا آخر على أن العلاقة بين المؤلف والناشر فى تجربة المعلم لم تكن منفصلة عن سؤال الحقوق، ففى ٣١ يناير ٢٠٠٦ نشرت «المصرى اليوم» خبرًا معاصرًا للواقعة وصف دار الشروق بأنها صاحبة حقوق نشر أعمال محفوظ، ونقلت عن إبراهيم المعلم أنه ينتظر موافقة الكاتب الرسمية قبل إصدار «أولاد حارتنا» داخل مصر، والدلالة هنا ليست فى الجدل التاريخى المحيط بالرواية وحده، بل فى أن صاحب الحق الأدبى ظل حتى فى حالة أديب بحجم محفوظــ هو مركز القرار بشأن النشر.

إبراهيم المعلم

من مكتب الناشر إلى المؤسسات الدولية

ففى التسعينيات أخذ نشاط المعلم مسارًا يتجاوز دار الشروق نفسها، ووفق سجل مرصد ملكية وسائل الإعلام Media Ownership Monitor، انتُخب عام ١٩٩٦ كأول عربى عضوًا فى اللجنة التنفيذية ولجنة حرية النشر التابعة للاتحاد الدولى للناشرين، بعد نشاطه فى اتحاد الناشرين المصريين، كما تولى رئاسة اتحاد الناشرين العرب، ثم أصبح فى أكتوبر ٢٠٠٨ نائبًا لرئيس الاتحاد الدولى للناشرين، وهى ليست مجرد مناصب شرفية فى سيرة شخصية فقط؛ فالوجود فى هذه المؤسسات وضع ناشرًا عربيًا داخل النقاش الدولى المتعلق بحرية النشر والملكية الفكرية وأسواق الكتاب.

إبراهيم المعلم

وفى روايته الشخصية لهذه المرحلة، يقول المعلم فى الجزء الثانى من حواره مع «المقابلة»، إنه تولى رئاسة اتحاد الناشرين المصريين عام ١٩٩٦، وإن الملفات الأساسية أمامهم كانت استقلال الناشر وكرامته، وحرية النشر، ثم التزوير والاعتداء على حقوق الملكية الفكرية، ويروى أنهم عملوا أيضًا على إعادة إحياء اتحاد الناشرين العرب وتوسيع التعاون بين اتحادات النشر فى المنطقة.

من اجتماع ناشرين إلى «البوكر العربية»

ربما تكون واحدة من أكثر الوقائع دلالة على أثر إبراهيم المعلم خارج مؤسسته هى علاقته ببداية الجائزة العالمية للرواية العربية «البوكر»، فالموقع الرسمى للجائزة نفسها يجيب عن سؤال: «من بدأ المشروع؟» بالقول إن الفكرة نشأت فى اجتماع جمع ناشرين من الشرق والغرب، وإن إبراهيم المعلم، وكان وقتها رئيسًا لاتحاد الناشرين العرب، ناقش مع شخصية بارزة فى النشر البريطانى قلة الروايات العربية المعاصرة عالية الجودة التى تجد طريقها إلى اللغات الغربية الكبرى. أما المعلم نفسه فيروى بتفصيل أكبر أن النقاش جرى خلال لقاء فى برلين مع ناشرين بريطانى وألمانى، وأنه طرح مشكلة أن الكتب العربية الأكثر أهمية ليست بالضرورة هى التى تصل إلى الناشرين الغربيين، واقترح إنشاء جائزة للرواية العربية تساعد على إبراز الأعمال التى تستحق الترجمة، ولا يعنى ذلك بالطبع أن الجائزة هى «مشروع شخص واحد»؛ فقد تطورت مؤسسيًا بعد ذلك عبر شركاء وهيئات عدة، لكن ثمة فارقًا بين الادعاء الشخصى وبين وجود مصدر رسمى للجائزة يؤكد وجود المعلم عند لحظة ولادة الفكرة، واللافت أن الصلة بين المعلم والجائزة لم تبق عند لحظة الفكرة؛ فأول روايتين فازتا بها خرجتا أيضا من دار الشروق.

إبراهيم المعلم

«واحة الغروب».. من القاهرة إلى قوائم العالم

نشرت دار الشروق رواية بهاء طاهر «واحة الغروب» سنة ٢٠٠٧، وهو ما يثبته السجل الببليوجرافى للكتاب على موقع الدار، وفى ٢٠٠٨ أصبحت الرواية أول عمل يفوز بالجائزة العالمية للرواية العربية.

ثم بدأت حياة أخرى للرواية خارج اللغة العربية، فتُرجمت إلى الإنجليزية على يد همفرى ديفيز، ودخلت القائمة الطويلة لجائزة الإندبندنت للرواية الأجنبية (Independent Foreign Fiction Prize) لعام ٢٠١٠، ثم حصلت الترجمة على مركز الوصيف فى جائزة سيف غباش بانيبال للترجمة الأدبية العربية، وبعد ذلك رُشحت لجائزة دبلن الأدبية الدولية إمباك (International IMPAC Dublin Literary Award) لعام ٢٠١١، بترشيح من المكتبة المركزية فى زيورخ، وهنا يمكن قياس أحد أشكال أثر الناشر: كتاب عربى يبدأ حياته فى القاهرة ثم يدخل، عبر الترجمة، دوائر قراءة وتحكيم دولية لا ترتبط بالسوق العربية.

«عزازيل».. كتاب آخر يعبر اللغة

وتكرر المسار مع «عزازيل» ليوسف زيدان، الصادرة عن دار الشروق، كما يسجل سجل جوائز الدار حصولها على الجائزة العالمية للرواية العربية عام ٢٠٠٩، والأهم أن تلك الجائزة لم تكن المحطة الدولية الأخيرة للعمل؛ ففى عام ٢٠١٣ اختارت لجنة جائزة سيف غباش بانيبال للترجمة الأدبية العربية (Saif Ghobash Banipal Prize for Arabic Literary Translation) المترجم جوناثان رايت فائزًا مناصفةً بالجائزة عن ترجمته الإنجليزية لـ«عزازيل»، وتذكر مؤسسة بانيبال صراحة أن النص العربى الأصلى كان قد فاز بالجائزة العالمية للرواية العربية عام ٢٠٠٩، وهكذا خرج الكتاب من دائرة نجاحه العربية إلى تقدير مستقل لنسخته المترجمة، فى واحدة من أبرز الجوائز المتخصصة فى ترجمة الأدب العربى إلى اللغة الإنجليزية.

كتاب الطفل ليس هامشًا

ثمة زاوية أخرى لا تقل أهمية فى تجربة «الشروق» وهى كتاب الطفل، فسجل جوائز الدار يظهر حضورًا دوليًا يعود إلى التسعينيات، من بينها اختيار كتاب «لغة بدون كلمات» سنة ١٩٩٦ ضمن أجمل عشرة إصدارات فى العالم فى فعالية مرتبطة بمعرض فرانكفورت، ثم فوز «حياة محمد فى عشرين قصة» بجائزة آفاق جديدة (New Horizons) عام ٢٠٠٠، إلى جانب جوائز أخرى فى التصميم والنشر الموجه للصغار.

وفى عام ٢٠١٠ فاز كتاب وليد طاهر «النقطة السوداء»، الصادر عن دار الشروق، بجائزة اتصالات لكتاب الطفل، وفق ما أورده المجلس الدولى لكتب اليافعين (IBBY)، وبعد ستة عشر عامًا، عاد اسم الكتاب إلى دائرة دولية أوسع، حين وصل وليد طاهر إلى القائمة القصيرة لجائزة هانز كريستيان أندرسن لعام ٢٠٢٦، وهى من أبرز الجوائز العالمية فى أدب الأطفال واليافعين، وفى ملف ترشحه، أدرج المجلس الدولى لكتب اليافعين كتاب «النقطة السوداء» ضمن خمسة أعمال اختيرت لتمثيل تجربته الإبداعية أمام لجنة الجائزة، كما أشار إلى أن أعماله تُرجمت إلى عدد من اللغات.

هذه الأمثلة تكشف وظيفة قد تكون أكثر أهمية من أن يمتلك الناشر «كاتبًا مشهورًا»، فالناشر لا يصنع موهبة بهاء طاهر أو يوسف زيدان أو وليد طاهر، ولا يستطيع أن يضمن جائزة لكتاب؛ لكنه يستطيع أن يوفر للعُنوان حياة أطول من لحظة صدوره: طبعة جيدة، حقوقًا واضحة، استمرارًا فى السوق، فرصة للترجمة، اتصالًا بالمعارض وشبكات الناشرين، ثم نافذة يدخل منها الكتاب إلى قارئ لم يكن يتحدثلغة مؤلفه.

ماذا تقول الأرقام؟

عندما يتحدث إبراهيم المعلم عن حجم ما صنعته دار الشروق، فإنه يقدم أرقامًا كبيرة: أكثر من ١٠ آلاف عنوان خلال مسيرته، وما بين ٦٠ و٨٠ مليون نسخة وصلت إلى القراء، إضافة إلى ما لا يقل، بحسب تصريحاته، فى مقابلة لـ«المصرى أفندى» فى فبراير ٢٠٢٦، وكذلك حواره مع «المقابلة»ــ عن ٣٠٠ مليون نسخة طبعتها المؤسسة لنفسها ولناشرين آخرين ولوزارات تعليم من كتب عامة ودراسية.

أما رقم آخر فيأتى من خارج المؤسسة، فالاتحاد الدولى للناشرين، الذى ذكر فى تعريفه بإبراهيم المعلم عند منحه جائزة بطل الاتحاد الدولى للناشرين عام ٢٠٢٤، أن مجموعة الشروق تضم شركات تعمل فى النشر والتوزيع والإنتاج الإعلامى والطباعة والتغليف وصناعة الورق، وأن قوة العمل فيها تتجاوز ٣٥٠٠ موظف.

وتقدم دار الشروق نفسها عبر موقعها الرسمى أرقامًا أخرى تكشف امتداد نشاطها التعليمي؛ إذ تقول إنها حصلت على أكثر من ٢٢ جائزة دولية، وإنها كانت أول دار نشر مصرية تشارك فى معرضى فرانكفورت وبولونيا للكتاب، كما أقامت شراكات تعليمية مع مطبعة جامعة أكسفورد وماكميلان للتعليم، وتقول أيضًا إن «مشروع الكتاب القومى للمدارس» وفر نحو ١٩ مليون نسخة من ٩٤٠ عنوانًا لأكثر من ٤٠ ألف مدرسة فى مصر.

الناشر بوصفه صانع بنية

هنا ربما نصل إلى جوهر تجربة إبراهيم المعلم، فنجاح دار نشر لا يقاس فقط بعدد الروايات التى تصدرت قوائم البيع، فالمؤسسة التى تعيش نصف قرن تحتاج إلى شيء أقل بريقًا وأكثر صعوبة، وأولها مطابع تعمل حين لا توجد جائزة فى الأفق، ومحررون ومصححون ورسّامون، وعقود حقوق، ومخازن، موزعون، مكتبات، وخسائر كتب لم تحقق الرهان الذى انعقد عليها، فالكتاب الناجح يساعد الناشر؛ لكن الصناعة لا تبنى على الكتاب الناجح وحده.

المعلم نفسه يرفض فكرة أن يكون عنوان واحد قد صنع نجاح دار الشروق، وحين سُئل فى ٢٠٢٦ عن «الكتاب الذى كان فتحة خير» على الدار، أجاب فى تصريحاته لبرنامج «المصرى أفندى»، فبراير ٢٠٢٦، باستدعاء العشرة آلاف عنوان وعشرات الملايين من النسخ، مؤكدًا أن النجاح الكبير لا يصنعه كتاب واحد، ربما تكون تلك الإجابة أكثر تعبيرًا عن منطقه المهنى من قائمة الجوائز كلها، فالنشر عنده تراكم، لا ضربة حظ.

جائزة من زملاء المهنة

فى ٤ ديسمبر ٢٠٢٤، وخلال المؤتمر الرابع والثلاثين للاتحاد الدولى للناشرين فى مدينة غوادالاخارا بالمكسيك، تسلّم إبراهيم المعلم جائزة بطل الاتحاد الدولى للناشرين، ويعرّف الاتحاد هذه الجائزة بأنها تكريم لشخص تجاوز، على امتداد مسيرته المهنية، الدور المعتاد فى خدمة أهداف الاتحاد وصناعة النشر، وفى تقديمه للمعلم، أشار الاتحاد إلى مسيرة امتدت لما يقرب من ستين عامًا فى عالم النشر، وإلى ارتباطه بالاتحاد الدولى للناشرين والعمل فى مؤسساته لنحو ثلاثة عقود.

وفى كلمته عند تسلم الجائزة، لخص المعلم ما يعتبره الأسس التى لا تستطيع صناعة النشر أن تزدهر بدونها فى أربعة محاور، وهى: الاستقلال والكرامة، حرية النشر، الملكية الفكرية، والانفتاح والتفاعل مع عالم النشر والثقافات الأخرى. وهى ليست عناوين منفصلة عن سيرته؛ فمن يتتبع مساره يجدها تقريبًا الخيط الذى يربط نشاطه فى الاتحادات الدولية بشراء حقوق الترجمة، وبقضية القرصنة، وبالرهان على وصول المؤلف العربى إلى الخارج.

ما وراء العشرة آلاف عنوان

ومع ذلك، فإن اختزال إبراهيم المعلم فى أرقام الكتب أو عدد الجوائز سيكون تفويتًا لجزء من الحكاية، فثمة فارق بين أن تنجح دار نشر فى بيع الكتب، وبين أن يصبح صاحبها مشاركًا فى النقاش حول كيف يجب أن تعمل صناعة الكتاب العربية نفسها: ما حقوق المؤلف؟ كيف تحمى الكتب من القرصنة؟ كيف يدخل الناشر العربى الاتحادات الدولية؟ كيف يجد الأدب العربى طريقه إلى الترجمة؟ وكيف يصبح كتاب الطفل منتجًا ثقافيًا قادرًا على المنافسة فى بولونيا وفرانكفورت لا سلعة هامشية فى نهايةقائمة النشر؟

فيمكن الاعتراض على خيارات أى ناشر، ويمكن أيضا أن تختلف الأذواق فى تقييم قائمته أو سياساته التجارية والثقافية، لكن الوقائع القابلة للتوثيق تضع إبراهيم المعلم فى أكثر من مساحة فى آن واحد: دار نشر استمرت منذ ١٩٦٨، حضور مبكر فى ملف الحقوق والترجمة، رئاسة اتحادات مهنية عربية، منصب قيادى فى الاتحاد الدولى، مشاركة موثقة فى البدايات الفكرية للجائزة العالمية للرواية العربية، ثم كتب خرجت من الشروق ووصلت إلى جوائز وقوائم دولية فى الرواية والترجمةوكتاب الطفل.

وفى النهاية ربما تعود الحكاية كلها إلى المشهد الأول: أسرة خرجت من تجربة نشر انتهت، وأم وضعت مكافأة نهاية خدمتها فى مشروع جديد، وأب بدأ مرة أخرى، وابنان يتعلمان التصحيح والطباعة والتوزيع من الداخل، وبعد أكثر من نصف قرن، أصبحت الكتب التى خرجت من ذلك المشروع تظهر فى قوائم دبلن وبانيبال وهانز كريستيان أندرسن، وأصبح أحد الابنين يتسلم فى المكسيك جائزة يمنحها الاتحاد الدولى للناشرين لمسيرة تجاوزت حدود مؤسسته.

تلك المسافة بين مكافأة نهاية خدمة ناظرة مدرسة وبين منصة الاتحاد الدولى للناشرين ربما تكون هى الصورة الأكثر صدقًا للمسيرة، ليس لأنها قصة صعود فردى فقط، وإنما لأنها تحكى شيئًا عن المهنة نفسها، فالكتاب قد يبدأ مخطوطًا على مكتب صغير، لكنه يحتاج إلى مؤسسة تؤمن بأنه يستحق عمرًا أطول من يوم طباعته، وربما كان هذا هو الرهان الذى لازم إبراهيم المعلم طويلًا: ألا يكون دور الناشر أن يضع اسمًا على ظهر الكتاب، وإنما أن يصنع له الطريق من المؤلف إلى المطبعة، ومن المطبعة إلى القارئ، ومن العربية، حين يستحق، إلى العالم.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا