لم تعد تبرعات الخارج مجرد دعم للأنشطة الدعوية لجماعة الإخوان، بل تحولت إلى ورقة صراع بين أجنحتها، فمع تعدد مصادر التمويل من اشتراكات وصدقات واستثمارات ومراكز إسلامية بأوروبا، تفجرت خلافات مالية حادة بين جبهتي لندن وتركيا على إدارة إمبراطورية الجماعة الضخمة.
قال الدكتور عمرو فاروق، الباحث في شؤون الجماعة الإرهابية ، إن مسألة تمويلات الإخوان لها مصادر متعددة، موضحًا أن منها ما يتفق مع اللائحة الداخلية للتنظيم الدولي وهي فكرة الاشتراكات، وهذا جزء من الموضوع، وأن الموضوع يختلف باختلاف الطبقات على المستوى المادي، لأن في الإخوان رجال أعمال سواء في التنظيم الدولي أو في المنطقة العربية والشرق الأوسط.
وأضاف خلال حديثه لـ«الوطن»، أن البند الأهم هو مصادر التبرعات والصدقات، لأن الإخوان سواء في المنطقة العربية والشرق الأوسط أو حتى في أوروبا سيطروا على مصادر الصدقات والتبرعات لأنهم قدموا أنفسهم في الغرب على أنهم يمثلون المسلمين، وكانوا أول من بدأ في بناء المراكز الإسلامية الموجودة أو توسعوا في بنائها وعملوا الجمعيات التي اشتغلوا من خلالها على الأرض، وبالتالي كانوا يعيدون تشغيل هذه الأموال مرة أخرى في مؤسسات اقتصادية، بما يعني وجود إمبراطورية مالية قائمة على الأرض.
وأوضح أن هذا كان موجودًا في مصر أيضًا، فالإخوان كان لديهم مجموعة كبيرة جدًا من المدارس الخاصة، وحجم تجارة التجزئة الغذائية كان منتشرًا، ومحلات الملابس وكل هذه الأمور كانت ملك الجماعة، وهم يجيدون فكرة اختيار العناصر التي تدير هذه المشاريع من الباطن ويبدأون في توزيع عناصر الجماعة فيها، وبالتالي نحن أمام مشروع ضخم جدًا ماليًا منتشر أكثر في أوروبا.
وأشار إلى أن هذا المشروع أو الخطوط المالية لها أشخاص معينة كانت مسئولة عنها، مثل محمود عزت باعتباره نائب المرشد أو القائم بأعمال المرشد فيما بعد، وإبراهيم الزيات ويوسف ندا، وربما إبراهيم الزيات من العناصر التي أطلق عليها وزير مالية الإخوان، ويقال في الفترة الأخيرة إنه تم إقالته من الملف وفق بعض التغيرات الحاصلة.
واستطرد أنه من الطبيعي جدًا أن يكون على مصادر التمويل صراع لأنها أموال ضخمة جدًا وفي ظل الانقسامات الداخلية، معربًا عن اعتقاده بأن الخلافات الداخلية الموجودة ما بين جبهة لندن وجبهة تركيا هي في جزء منها خلاف مالي، لكن هذه الشخصيات ليست هي التي تدير المؤسسات المالية، لأن التنظيم الدولي له هيكل وله شخصيات مؤثرة يتم إدارتها من خلال مجموعة مكتب الإرشاد، وهي الأقرب إلى مجموعة لندن لأن مجموعة لندن تمثل إبراهيم منير ويوسف ندا ومحمود عزت.
وأضاف أن مجموعة محمود حسين لديها مصادر خاصة استولت عليها، سواء بعض المؤسسات الموجودة، لأن محمود حسين كان له رجال موجودون في التنظيم الدولي، ويقال إن هناك مجموعة من المؤسسات الموجودة في إفريقيا مفاتيح تمويلها أو إدارتها مع محمود حسين، وبالتالي نحن أمام بعض الجبهات التي كل جبهة استولت على جزء من أموال التنظيم وتديره لصالحها.
وأكد الباحث في شؤون الجماعة الإرهابية، أن هذه الأموال والمصادر المالية جزء مهم جدًا في بقاء التنظيم وقدرته على التواصل والمواجهة، لأن المؤسسات الإعلامية التي يصدرونها ضد الدولة المصرية أو المؤتمرات مثل المؤتمر الأخير الذي تم الإعلان عنه تحت مسمى المؤتمر الوطني الأول وتمت إقامته في هولندا، يحتاج تمويلًا ضخمًا، لأن هناك أشخاصًا محجوز لها فنادق وطيران وإقامة قادمة من دول أوروبية مختلفة، وهذا يؤكد أن التنظيم الدولي هو الذي يدير المشهد وما زال لديه مؤسسات مالية ضخمة جدًا.
وتابع أن بعض الدول الأوروبية اتخذت مجموعة من القرارات في الفترة الأخيرة للتحجيم، إلا أنه لا يوجد شيء اسمه إخوان مسلمين في أوروبا لأنهم يعملون تحت لافتات مدنية مختلفة ومتنوعة وتحت مظلة اتحاد المراكز الإسلامية، لكن مصادر التمويل أو المؤسسات الاقتصادية تجدها واخدة دوائر مستقلة، ومسألة التتبع المالي للأجهزة الأمنية الأوروبية تكون صعبة لأن جزءًا من هذه الأموال صدقات وتبرعات.
وأوضح أن بعض التقارير الأمنية الغربية تحدثت عن عدم قدرتهم على تحديد مسارات الأموال من بدايتها لنهايتها وفكرة انتقالها من دولة إلى دولة، فالمسألة معقدة جدًا وأحيانًا يعملون مؤسسات داخل مؤسسات، فممكن مثلًا شركة اقتصادية تابعة للإخوان في أوروبا تدي تمويل لمركز إسلامي في دولة معينة، والفلوس تدخل المركز الإسلامي اسمًا وتنطلق إلى شركة أخرى موجودة في نفس الدولة لتمويلها، وهذا يدخل في تنوع مصادر التمويل، والإخوان دارسون القانون الأوروبي جيدًا ليتجنبوا فكرة أي مصادرة مالية أو أي تتبع مالي، لأن لديهم بيوت خبرة قانونية وإعلامية.
وقال الباحث في شؤون الجماعة، إن الإخوان لا يعملون بشكل عشوائي، فهم يعتمدون وخصوصًا إخوان أوروبا على بيوت الخبرة في إعادة تقديم الجماعة مرة أخرى للرأي العام، أو في مسألة الحفاظ على مصادر التمويل وعدم الوقوع تحت طائلة القانون، أو فكرة التعامل مع المجتمع الغربي والخطاب الذي يتم توجيهه للمجتمع الغربي، وكل هذه الأمور يتم دراستها، ومن ضمنها الجانب المالي لأنه ملف مهم جدًا وهو عصب التنظيم.
وحول تأثير ذلك على الوضع في مصر، قال إن الوضع غير متصدر بشكل كبير، وإن كان يقال إن هناك انقسامًا في المكاتب الموجودة في مصر أو بعض الشخصيات، فلا يوجد تنظيم على الأرض لكن هناك تقسيمة تنظيمية موجودة تعمل من خلال السوشيال ميديا واجتماعاتها أونلاين وعلاقاتها مع الخارج أونلاين، لأن فكرة العمل من على الأرض انتهت، وكل منصات التأثير في الرأي العام تعمل من خلال السوشيال ميديا الآن، سواء الأكاديميات الفكرية أو صناعة النخب والمؤثرين الجدد، أو من خلال المؤسسات الإعلامية والحقوقية التي تعمل ضد الدولة المصرية، أو من خلال المواقع والمنصات الإلكترونية التي تعمل على تفنيد وتحليل بيانات المؤسسات الرسمية المصرية.
وأضاف أن الجماعة حصل لها هزة وتحديدًا داخل الدولة المصرية، فهناك تفكيك للتنظيم على الأرض وارتباك فكري موجود وتمرد على مبدأ الانصياع لأوامر القيادات أو مبدأ السمع والطاعة، ورغم أن الإخوان شغالون إلا أنهم فاقدون القدرة على التأثير والسيطرة، فهو يعمل ويبني أكاديميات ومؤتمرات ويصرف أموالًا، لكن تأثير ذلك على الشارع ضعيف جدًا، وخطابه قد يؤثر في الدوائر التي ما زالت مؤمنة بمشروع الإسلام السياسي.
وأكد أن 30 يونيو أحدثت مفصلة ومفرقة ما بين المجتمعات العربية والإسلام السياسي وليس على مستوى المجتمع المصري فقط، لأنها كشفت الوجه الحقيقي لجماعة الإخوان وأكدت ما كان يقال على مدار التاريخ المعاصر منذ بداية نشأة الجماعة وحتى الألفية الجديدة حول مسألة العنف وتورطهم في العنف وأدبيات العنف، وما كان يقال إن الإعلام يضخم الموضوع أو إنها أكاذيب رجال عبد الناصر والسادات حول عنف الأربعينات والخمسينات والستينات، تمت ترجمته وتأكيده على الأرض من 2013 بموجات العنف والطعن في مؤسسات الدولة وظهر على الشاشة.
واختتم بأن الصراع على قيادة الجماعة له تأثيره لأنه يعمل على تجفيف منابع التجنيد أو الاستقطاب، وإن كان يعمل استقطابًا فكريًا فقط للتأثير في العقل الجمعي، لكن فكرة أن يضم عناصر للتنظيم صعبة جدًا وهي مرحلة وانتهت، فالتنظيم عبء على المشروع ولن يتجه لبناء تنظيم جديد، وسيدير بمن يعملون معه ويبدأ في صناعة الأدوات، وهذه الأدوات ليس شرطًا أن يكون من يحركها تنظيميين لكن يجب أن يكونوا مؤمنين فكريًا بالمشروع، وهو يريد أن يعمل بنمط التيار السلفي الذي هو عبارة عن تكتلات فكرية وليست تنظيمية، وفي النهاية هي تكتلات هلامية ليس لها معالم تنظيمية أو حركية لكنها موجودة على الأرض ومؤثرة ومدارس متنوعة ومختلفة وهذا يربك الدولة ومؤسساتها لأنه ليست هناك مدرسة معينة هي التي تعمل على الأرض فتستطيع تحجيمها والسيطرة عليها وعمل مواجهة فكرية لها.
المصدر:
الوطن