صنع البشر المدن، لأنهم زادوا وفاضوا عن الحد الذى جمعتهم فيه العشائر والقبائل والقرى، فوجدوا فى المدينة ما يقيهم من تلصص بآذان عموم الناس وعيونهم، متخففين من علاقة «الوجه للوجه» فى أنماط عيشهم البسيط، ووجدوا فرص عمل مختلفة خارج الصيد فى الغابة، والرعى فى الصحارى، والزراعة فى الوديان، حيث قام التصنيع بسيطًا فى الورش، ثم معقدًا فى المصانع، وانتعشت بأيديهم التجارة، وتوزعت مع الصناعة على دروب شتى، وكانوا بحاجة إلى الترويح فأقاموا الحدائق والمنتزهات والنوادى والمسارح ودور السينما والمقاهى والملاهى والمطاعم، وقادهم الاهتمام بالتعليم إلى إنشاء المدارس والمعاهد والجامعات، ودفعتهم الرغبة فى التعرف على ما يجرى، والتعقيب عليه، إلى إصدار الصحف، وإطلاق محطات الإذاعة والتلفزة ودور نشر الكتب.
لكن هذه المساحة من الحرية التى وجدها الناس فى المدن، حيث لا يعرف الساكن جاره، ولا يختار زميله فى مقاعد الدراسة والعمل، سرعان ما واجهت ما يُضيّقها ويُضايقها، حيث سطوة الإدارة الحكومية، وغلبة المؤسسات، وانتشار أشكال من الجرائم، فضلًا عن التسول، وشح فرص العمل، والتنوع الرهيب للسلع فى الأسواق والمتاجر، الذى جعلهم فى حيرة من أمرهم، وسلطان الحنين إلى البساطة والتلقائية والتعاون التى ظلت قيمًا مهمة فى الحياة الريفية.
وعرفت البشرية مدنًا ذات صيت عبر تاريخها، موزعة على البلدان كافة، سجلها المؤرخون والمهتمون بالاجتماع البشرى، باعتبارها «الحواضر» المميزة عن الأشكال الأولية والمحدودة من التجمعات الإنسانية، وعليها كان التعويل دومًا فى إقامة النهضة، وإطلاق العمران، وتشييد العمارة، حتى صار من المتفق عليه أن تُحال إليها قيام فرص الأخذ بأسباب التقدم، وتقاس لصالحها علامات التطور، وتحسين شروط العيش. وكان من الطبيعى أن تشهد الحضارة الإسلامية وجود مدن، بعضها كان قائمًا قبل الإسلام، وأخرى أقامها المسلمون، وهم ينقلون رسالتهم من مجتمعهم البسيط فى شبه الجزيرة العربية إلى سائر البلدان المفتوحة، وهنا يقول د. خالد عزب فى كتابه «المدينة الإسلامية.. العمارة والعمران» الذى فاز مؤخرًا بجائزة الملك عبد الله الثانى للإبداع إن «المدينة مثلت صورة صادقة للحضارة الإسلامية ما زالت بقاياها قائمة إلى الآن نراها متناثرة فى العديد من المدن من بخارى وسمرقند فى شرق العالم الإسلامى إلى فاس ومراكش فى غربه».
يرصد الكتاب ملامح المدينة الإسلامية منذ عصر الرسول- صلى االله عليه وسلم- ومكوناتها وخصائصها وحاضرها ومستقبلها، لنتبين معه كيف تتعدد أوجه الفكر المعمارى من حيث المعايير الاجتماعية والاقتصادية والسكانية، حيث مسارات الحركة والالتقاء بين ما هو خاص (المسكن) وما تتطلبه الحياة (السوق) وما هو من قبيل المرافق العامة (المسجد).
كانت بداية المدينة الإسلامية مع هجرة رسول الله إلى المدينة المنورة، وهى موطن الاستقرار الذى باشر منه دعوته لنشر الإسلام، وقد قام بتحديد الوظائف الأساسية للمكان الذى اختاره، أو أعاد صياغة المكان بطريقة إسلامية، فكان المسجد هو أول البناءات، ثم جاءت المساكن حول المسجد، وبعدها السوق، لإدراك الرسول أن الاستقرار لا يقوم إلا به، فهو مصدر التكسب والتجارة والحرف، وبعده مصلى العيد فى ساحة فضاء أو خلاء، فدور الضيافة، التى خُصصت لاستقبال الوفود وكان من أهمها دار عبدالرحمن بن عوف الكبرى، وسميت «دار الضيفان» أو «دار الأضياف»، ودار رملة بنت الحارث الأنصارية التى نزلتها وفود غسان، وبنى ثعلبة، وعبد القيس، وبنى فزارة، وعذرة، وبنى حنيفة. وعُنى الرسول بتحصين المدينة وتأمينها عبر خنادق طوقتها.
وهنا يطرح الكتاب سؤالًا مهمًا هو: هل المدينة الإسلامية سهلة الهضم بصريًا، ومتماسكة بما يجعلنا نشعر بحميمية خلال تجوالنا بها؟ ويجيب: نعم، فهى مدينة ديناميكية، كل شىء فيها يتفاعل ويولد الطمأنينة فى نفس سكانها وزائريها، حيث تفاصيل المبانى بروعتها المعمارية والزخرفية.
وكانت المدينة فى الحضارة الإسلامية مستقرًا حضريًا، به والٍ وقاضٍ وسوق وحمام ومنبر أى مسجد جامع، وهذا ما جعل منها مقر السلطة سواء كانت عاصمة لدولة، أو مركزًا حضريًا يتوسط مجموعة من القرى. وهنا وضع المسلمون هدفًا لعلم العمران يرتكز على منظومة من القواعد المتكاملة التى صاغت كل شىء فى الحياة تقدمه المبانى ذات المعانى، وغايته سعادة الإنسان على الأرض وأدواته العلم والعمل، ومكمن تدبيره هو إحياء الموات، أو الأرض الميتة، بزراعتها وإقامة الأبنية فيها.
وكان علماء المسلمين الأوائل مدركين أهمية المجال الحضرى للمدن، فرصدوا إنشاء الكثير منها مثل البصرة والكوفة والمنصورة فى بلاد السند، ومراغة فى بلاد ما بين النهرين، والفسطاط، والقيروان، والهاشمية والعسكر فى مصر، وأضنة فى تركيا، وبغداد، والمحمدية فى بلاد فارس، وهنا يقول عزب «الحضارة الإسلامية أحدثت ثورة حضرية فى تاريخ العالم تستحق أن نرصدها ونحللها، بل صارت هذه المدن تشع بالعلم من نور علمائها، حيث ارتبطت المدارس الفقهية بالمدن، فالمذهب الحنفى فى الكوفة وبغداد، والمذهب المالكى فى المدينة المنورة، والمذهب الشافعى بين بغداد والفسطاط، والمذهب الحنبلى فى بغداد، التى صارت عاصمة الخلافة العباسية.
هذا الكتاب يتمم جزءًا من مشروع مؤلفه قام عليه منذ سنوات الدراسة بكلية الآثار جامعة القاهرة، ومنهجه فيه هو إعادة بناء رؤى للمدن والعمارة الإسلامية، بدءًا من إعادة بناء علم العمران فى كتاب (العمران.. فلسفة الحياة فى الحضارة الإسلامية) إلى كتاب (فقة العمران) ثم كتاب (المجتمع والعمران.. نفوذ الناس فى المجتمع الإسلامى) وكذلك كتاب (هندسة التراث العمرانى).
المصدر:
المصري اليوم