فى حياة المصيّفين الـ"أونرز" من الطبقة الوسطى لحظتان غير ممتعتين بالمرة، لحظة فتح شاليه المصيف ولحظة تقفيله. نبدأ بلحظة الفتح العظيم التى تنفتح على كل الاحتمالات الممكنة: أجهزة كهربائية معطّلة بسبب عدم التشغيل لشهور طويلة، تساقط طلاء السقف والجدران بسبب الرطوبة، انقطاع الماء أو الكهرباء أو الاثنين معا لأسباب مختلفة، توقّف التلڤزيون لحين تجديد اشتراك الكابل، أما أنبوبة البوتاجاز الفارغة وطبقات الغبار المتراكمة والجُعل السنوى وبعض السرقات الخفيفة كسرقة لوحة أهلا وسهلًا إن نسيتها على باب الخروج، فهذه كلها تعتبر مسائل بسيطة.
تحتاج هذه اللحظة بالضرورة إلى معاوَنَة لإصلاح ما أفسده عام من النسيان، والذين يعاونون صارت أسعارهم نار الله الموقدة مثل كل شئ. فبالنسبة لهم لا يوجد فرق بين طبقة وسطى وطبقة عليا كله يصيّف وكله يمتلك رفاهية الهروب من حر القاهرة، وبالتالى حق على هؤلاء أن يدفعوا دم قلبهم للاستمتاع بنسيم البحر.
تسعيرة المعاون لتنظيف شاليه صغير من غرفتين أو ثلاث غرف فى إحدى قرى الساحل الطيب تصل إلى ألف وخمسمائة جنيه بالتمام والكمال، وفى بعض قرى الساحل الشرير ترتفع التسعيرة لأكثر من ذلك بكثير خصوصًا عندما يأتى فريق للتنظيف من بضعة أشخاص ينتشرون فى الشاليه ويجعلون العين وسط الرأس بالمعنى الحرفى للكلمة. هذا المشهد بالتحديد يشبه مشهدًا مشهورًا فى مسرحية "شاهد ما شافش حاجة"، عندما أمر المحقق أحمد عبدالسلام المخبرين المرافقين له بأن ينتشروا فى شقة البطل سرحان عبدالبصير للتفتيش عن أى أثر لجريمة قتل الراقصة عنايات. المهم أنه أخيرًا جدًا يتّم فتح الشاليه على خير وجه، ويدور موتور الثلاجة ويستقر داخلها الزاد والزوّاد بسلام، فيتنفّس الكل الصعداء وفى خلفية المشهد تزغرد أغنية "دقوا الشماسى ع البلاچ دقوا الشماسي".
• • •
أما لحظة تقفيل شاليه المصيف فإنها تكون أسوأ بكثير، فالموضوع فيه مبيدات طاردة للزواحف يحتاج الواحد منّا لشهادة خلّو من الموانع حتى يحتمل روائحها النفّاذة، وفيه تقمّص شخصية المفتّش كولومبو للتأكد التام من خلّو الشاليه من بقايا الطعام حتى لا نضطر للعودة من منتصف الطريق لمجرد أننا نسينا باكو من البسكويت، كما أن الموضوع فيه تشوين للمقاعد والموائد البلاستيكية فوق الأسّرة بعد تغطيتها للحماية، وفيه طبعًا التتميم على فصل الكهرباء وغلق المحابس ماذا وإلا…. عموما سيظل المخ يعمل دون توقّف على طول الطريق من الساحل إلى القاهرة وسوف يمسح هذا المخ الشاليه شبرًا شبرًا لمزيد من الاطمئنان، فالمسألة قد تكون أخطر من مجرد نسيان باكو من البسكويت.
• • •
قبل أن يحدث لنا حراك اجتماعى ينقلنا من فئة الجيستس لفئة الأونرز كنّا نقضى الصيف فى سيدى بشر أو المعمورة أو سان استفانو أو فى أى حى آخر من أحياء الإسكندرية الجميلة، فالمسألة كانت تتوقَف على العمارات التى يخصصها المصرف لموظفيه، ومنهم أخى، فى كل عام. كان التصييف أسهل بكثير وأمتع بكثير. نستلم الشاليه نظيفًا مرتبًا بأجهزة سليمة تعمل على مدار الساعة، بحيث لم يكن الأمر يتطلّب منّا إلا أن نضفى عليه بعض لمساتنا الخاصة حتى نشعر أن البيت بيتنا. وعندما كانت تنتهى فترة الأسبوعين لم يكن يدخل ضمن مسئولياتنا التتميم على الغلق والرَش وخلافه، كانت هذه مهمة الأونر، أما مسئوليتنا فكانت تقف عند حدود تسليم مفتاح الشاليه.. ودى وصفة سهلة.
• • •
الآن أشعر أن أسرتى الصغيرة تعرضّت لأكبر عملية خداع استراتيچى فى تاريخها تحت إغراء الرغبة فى الحراك الاجتماعى، فالمصيف صار مرهقًا جدًا بالمعنىين الجسدى والنفسى، أما إرهاقه المادى فلنضعه على جنب. فقط لغلق القوس حول هذه النقطة الأخيرة يجدر التنويه إلى أن زجاجة المياه المعدنية الصغيرة يصل سعرها فى بعض القرى الشريرة إلى مائة جنيه.. يا بلاش. الأونر يحمل همّ الفتح والتقفيل.. الجست لا. الأونر يعانى من الوسواس القهرى قلقًا مما ينتظره قبل أن يشّد الرحال للمصيف، ثم قلقًا مما قد ينساه عند العودة.. الجست لا. الأونر معرّض جدًا للإصابة بأمراض الحساسية.. الجست لا. ومع ذلك فإن صّك الملكية يبدو لبعض الناس "غير إشي" كما يقول أهلنا فى الشام.
• • •
فى حكاية «على بابا والأربعين حرامى»، وقف الحطّاب الفقير على بابا أمام باب المغارة وصاح صيحته المدوّية "افتح يا سمسم" فإذا بالباب الكبير ينفتح أمامه بكل سهولة ودون حاجة لكل الإجراءات المعقدة المطلوبة لفتح شاليه المصيف. ليس هذا فقط، الأهم والأهم جدًا هو أن على بابا كان يغترف من داخل المغارة ذهبًا وياقوتًا يحملهم بين ذراعيه ويطير بهم إلى معاونته المخلصة مرجانة، وهو شئ لا علاقة له بشاليهات الساحل حتى لو كان شريرًا أو حتى شديد الشر، فالشاليه يأخذ ولا يعطى. وحتى عندما علم قاسم الأخ الخبيث المتآمر بحكاية المغارة المكتنزة فتسلّل إليها وصاح كما صاح على بابا "افتح يا سمسم"، انفتح له الباب هو الآخر دون أى مشاكل. وما يصدق على الدخول يصدق على الخروج، فالظاهر أن حكاية "على بابا والأربعين حرامي" تبعث على الشك فى المثل الشعبى الذى يقول إن دخول الحمام مش زى خروجه، لأن الخروج من المغارة كان بنفس سهولة الدخول إليها وكل المطلوب كان هو صيحة "اقفل يا سمسم" دون مبيدات ولا زواحف ولا بسكويت ولا فصل كهرباء ولا أى شئ… فلماذا لا يوجد إذن سمسم ننادى عليه فى الساحل؟
المصدر:
الشروق