"إتنين شاي بنعناع". يسمعها "حبسة" بينما يقف خلف بار عتيق تعلوه أكواب زجاجية لامعة وبرطمانات يستقر فيها بُن وسكر وشاي. بينما يجهز الكوبين يجيب بصوت جهوري: "أيوا جايّ". لا يعلم صاحب "القهوة البلدي" المتواضعة بشارع منصور في وسط البلد، أن هذين الكوبين يدوران في فلك اقتصاد يتمحور حول "الشاي".
قدرت منظمة الأغذية والزراعة (فاو)، أن المصريين سيستهلكون في 2026، نحو 93000 طن من مختلف أنواع الشاي، ويقُدّر استهلاك الفرد بـ 840 جرام سنويًا.
كما برزت مصر في أكبر أسواق استيراد الشاي خلال 2023، بنحو 100000 طن، وفق بيانات لجنة الشاي الدولية، لتكون بذلك في المركز الرابع عالميًا بعد باكستان (236000 طن) وروسيا الاتحادية (129000 طن) والولايات المتحدة (104000 طن)، بينما جاءت المملكة المتحدة (84000 طن) والمغرب (62000 طن) بعد مصر.
وفي 2026، تراجعت واردات مصر من الشاي، إذ سجلت نحو 107.1 مليون دولار، مقارنة بـ 126.9 مليون دولار خلال نفس الفترة من 2025، حسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.
بلغ حجم سوق الشاي في مصر 94.8 مليون دولار في 2025، ومن المتوقع أن تصل إلى 156.3 مليون دولار بحلول 2034، حسب تقرير "إيه إم إيه آر سي جروب" عن الشاي بمصر.
يسقي "حبسة" زبائنه الشاي "سكّر برا" بـ 10 جنيهات للكوب ومعه كوب ماء "من الحنفية"، "أصله مش محتاج فن ولا حرفنة" كما يفسر لـ "مصراوي" تدنى السعر مقارنة بالمقاهي المحيطة التي تبيع نفس الكوب بسعر أعلى، ويتابع: "مفيش فرق في نوع الشاي، بس ممكن طريقة التقديم بتختلف بس".
في محيط "قهوة حبسة" وعلى بعد عشرات الأمتار تقع "قهوة بلدي" بلا اسم في حارة سكة مسكة، ما زالت تقدم كوب الشاي "سكر برا" نظير 6 جنيهات ومعه كوب الماء "من الحنفية"، إلا أن "ليالي الحلمية" القريبة بناصية شارع مجلس الأمة تبيع الكوب بـ 15 جنيهًا.
"مصراوي" أجرى جولة ميدانية، لاستكشاف الفروق السعرية لكوب الشاي بمختلف المناطق وفق نوع المقهى أو الكافيه.
وفي مقاهي زهرة البستان والتكعيبة والخُن والحرية بوسط البلد، يرتفع السعر إلى ما بين 20 و30 جنيهًا، حيث يرتبط السعر بطريقة التقديم، في أكواب زجاجية مع إضافات مثل النعناع البلدي.
وفي الكافيهات التجارية المتوسطة، بالتجمع الخامس وكورنيش النيل والدقي، فقد يصل متوسط سعر كوب الشاي إلى 50–70 جنيهًا، مع انتشار الشاي بالفتلة من علامات مثل أحمد تي وليبتون.
يكشف تحليل "مصراوي" لأسعار كوب الشاي بين شرائح المقاهي المختلفة أن متوسط سعر الكوب يبدأ من نحو 12.5 جنيه بالمقاهي الشعبية، ويرتفع إلى 97.5 جنيه في السلاسل العالمية، بفارق 85 جنيهًا، أو نحو 7.8 ضعف السعر في المقهى الشعبي.
كما تظهر أكبر قفزة عند الانتقال من المقاهي الشعبية إلى الكافيهات التجارية المتوسطة، إذ يرتفع متوسط السعر من 12.5 جنيه إلى 60 جنيهًا، بزيادة تبلغ نحو 380%.
وفي المقاهي التراثية، يرتفع متوسط السعر إلى نحو 32.5 جنيه، مقارنة بـ 12.5 جنيه في المقاهي الشعبية، بزيادة نحو 160%، وتتسع الفجوة إلى أقصى مستوياتها عند مقارنة المقاهي الشعبية بالسلاسل العالمية، إذ يقف متوسط السعر عند نحو 97.5 جنيه، مقابل 12.5 جنيه للكوب الشعبي، وبذلك يصل الفارق إلى 85 جنيهًا، بما يعادل نحو 680% زيادة في السعر، أو ما يقارب 7.8 ضعف.
وإذا انتقلنا من الكافيهات المتوسطة إلى الراقية، يرتفع السعر من 60 إلى 82.5 جنيه، بزيادة 37.5%، بينما ترتفع الأسعار من الراقية إلى السلاسل العالمية من 82.5 إلى 97.5 جنيه، بزيادة تبلغ نحو 18.2% فقط.
سعر كوب الشاي لا يتحدد وفق تكلفة الشاي وحدها، كما يقول عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي الدكتور حازم حسانين، ويضيف لـ "مصراوي": قد يحصل الزبون على كوب شاي بـ 10 جنيهات في القهوة البلدي، لكنه قد يدفع أكثر من 100 جنيه في كافيه مقابل المنتج نفسه تقريبًا، لاختلاف المكان والخدمة وطريقة التقديم والعلامة التجارية، نظير "تكلفة تجربة الجلوس"، وهو ما يعرف افتصاديًا بـ"التسعير التفاضلي" أو "التسعير حسب الشريحة والسياق".
وتكشف جولة "مصراوي" أن متوسط سعر الكوب ينتقل من نحو 12.5 جنيه في المقاهي الشعبية إلى 97.5 جنيه في السلاسل العالمية، بفارق يصل إلى 7.8 ضعف؛ ما يعني أن الجزء الأكبر من الفارق لا تفسره أوراق الشاي والسكر، وإنما ما يحيط بالكوب من إيجار المكان وتجهيزاته وخدمته وموقعه وطبيعة المستهلك المستهدف.
يضع "حبسة" الكوبين أمام الزبونين، ثم يعود إلى البار لإحضار طلب جديد. لا شيء تغير؛ الشاي هو الشاي، والزبون سيعود غدًا ليطلب الكوب نفسه، إلا أن حول هذا الكوب الصغير؛ يدور اقتصاد حول أسعاره وطريقة تقديمه والمكان الذي يُشرب فيه، والمبلغ الذي يستطيع الزبون تركه بقشيشًا دون إعادة حساب يومه.
المصدر:
مصراوي
مصدر الصورة