آخر الأخبار

مريم مايدي تكتب: استهداف المنشآت الحيوية في المنطقة العربية

شارك

أخذ الصراع الذى انفجر فى الشرق الأوسط خلال عام ٢٠٢٦ يتحول تدريجيا إلى حرب واسعة على البنية التحتية الحيوية والاقتصاد ومسارات الطاقة والملاحة الإقليمية والعالمية، بما يجعل استهداف منشأة نفطية أو ميناء غاز أو خط أنابيب حدثا يتجاوز أثره المباشر. وفى هذا السياق، تبدو سلسلة الهجمات التى طالت منشآت فى السعودية ومصر وغيرها جديرة بالقراءة ضمن إطار أوسع من مجرد تبادل الضربات بين إيران وحلفائها من جهة، والكيان الصهيونى والولايات المتحدة وحلفائهما من جهة أخرى.

وتكتسب حقيقة تورط الكيان الصهيونى فى هذه العمليات أهمية خاصة إذا جرى النظر إليها من زاوية مفهوم «العملية تحت راية كاذبة»، أى تنفيذ هجوم بطريقة تسمح بتوجيه الاتهام إلى طرف آخر، بما يخلق مبررا سياسيا وأمنيا لتوسيع الحرب. وقد ظهرت بالفعل اتهامات إيرانية صريحة بأن بعض الهجمات على منشآت خليجية ومصرية قد تكون عمليات إسرائيلية تهدف إلى إلصاق المسؤولية بإيران. ففى هجوم أرامكو فى مارس (آذار) ٢٠٢٦، اتهم مصدر عسكرى إيرانى الكيان الصهيونى بتنفيذ عملية تحت راية كاذبة، بينما كانت الرواية السعودية تنسب الهجوم إلى إيران. وبدت هذه الاستراتيجية، وفق هذا التصور، مخططا إسرائيليا لتوسيع دائرة العداء لإيران وحلفائها. ومن هذه الزاوية، يمكن فهم ما يحدث باعتباره محاولة لإنتاج بيئة إقليمية مضطربة يصبح فيها كل طرف عربى مضطرا إلى النظر إلى جاره الإيرانى باعتباره مصدرا دائما للتهديد.

الحرب على إيران وانتقال الصراع إلى مرحلة الفوضى الإقليمية

منذ الثورة الإسلامية الإيرانية، خاض الكيان الصهيونى صراعا طويل الأمد مع إيران. فبالإضافة إلى محاولة إضعاف قدراتها العسكرية، يطمح أيضا إلى تقليص شبكة نفوذ طهران فى المنطقة. وبحسب هذا التصور، كلما أمكن تصوير إيران باعتبارها قوة تهدد منشآت الطاقة والموانئ العربية، زادت احتمالات تحول الخلاف العربى- الإيرانى إلى مواجهة أمنية مفتوحة.

وجاءت الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران فى ٢٠٢٦ لتفتح مرحلة مختلفة جذريا فى توازنات الشرق الأوسط. فبدلا من بقاء الصراع محصورا فى جبهات أطراف النزاع، اتسعت تداعياته لتشمل دول الخليج والبحر الأحمر والعراق واليمن ولبنان وممرات الطاقة الدولية. وتشير التطورات الأخيرة إلى أن الحرب باتت تؤثر بصورة مباشرة فى مضيق هرمز وباب المندب ومسارات تصدير النفط السعودية، بما يحول الجغرافيا الاقتصادية للمنطقة إلى امتداد مباشر لساحة الحرب.

وفى مثل هذه البيئة، تصبح المنشآت الحيوية أهدافا ذات قيمة استراتيجية للكيان الصهيونى، ومن هنا يتجلى مفهوم «الفوضى الخلاقة» باعتباره إنتاج حالة من عدم الاستقرار، ومحاولة دفع الدول العربية فى نهاية المطاف إلى الاصطفاف فى مواجهة إيران.

منشآت شركة أرامكو السعودية نموذجا

كان استهداف منشآت شركة أرامكو السعودية فى مارس (آذار) ٢٠٢٦ من أبرز الأحداث التى كشفت حساسية البنية التحتية النفطية الخليجية فى ظل الحرب. فقد تعرضت مصفاة رأس تنورة لهجوم بطائرات مسيرة، وأعلنت السلطات السعودية اعتراض الطائرات، مع تسبب الحطام فى اندلاع حريق وأضرار محدودة، بينما أدت المخاوف الأمنية إلى توقف مؤقت فى العمليات.

لكن أهمية حادثة أرامكو لا تتوقف عند الأضرار المادية. ففى الوقت الذى ارتبطت فيه الرواية السعودية باتهام إيران، ظهرت فى المقابل رواية إيرانية تقول إن الكيان الصهيونى يقف وراء الهجوم بهدف دفع الرياض إلى الاعتقاد بأن طهران تستهدف منشآتها النفطية.

خط النفط السعودى وتحويل البنية التحتية إلى سلاح جيوسياسي

تتضح خطورة هذا المسار بصورة أكبر مع الهجوم الذى أدى فى سبتمبر (أيلول) ٢٠٢٦ إلى إغلاق خط أنابيب النفط السعودى الممتد من الشرق إلى الغرب. وقد أعلنت السعودية وقف الخط الحيوى مؤقتا بعد هجوم بطائرات مسيرة نُسب إلى جهات مرتبطة بإيران انطلقت من الأراضى العراقية، فى حين نفت إيران هذه الاتهامات.

ويكتسب الخط أهمية استثنائية لأنه يوفر للسعودية مسارا بديلا لتصدير النفط بعيدا عن مضيق هرمز، فيما تبلغ طاقته نحو ٤ إلى ٥ ملايين برميل يوميا. ومن ثم، فإن استهداف هذه المنشآت يحقق هدفا مركبا يتمثل فى إضعاف الاقتصادات العربية، وإثارة الخوف من إيران، وإجبار الدول الخليجية على زيادة اعتمادها على المظلة الأمنية الأمريكية، فى مواجهة ما يصوره الكيان باعتباره «الخطر الإيرانى».

ميناء دمياط... الحلقة الأكثر إثارة للشكوك

يكتسب هجوم ميناء دمياط المصرى أهمية مختلفة، لأنه نقل دائرة الاستهداف إلى دولة عربية لم تكن أبدا فى قلب المواجهة العسكرية مع إيران. ففى ٢٨ يوليو (تموز) ٢٠٢٦، أصابت طائرة مسيرة سفينتين للغاز فى ميناء دمياط، إحداهما وحدة تخزين وإعادة تغويز مملوكة لشركة أمريكية، ما أدى إلى اندلاع حريق قبل السيطرة عليه، من دون تسجيل خسائر بشرية.

ولم تعلن أى جهة مسؤوليتها عن الهجوم. واللافت أن إيران نفت مسؤوليتها، ونفت جماعة أنصار الله الحوثية أى دور لها، بينما حذرت طهران فى أعقاب الهجوم من احتمال تنفيذ إسرائيل عمليات تحت راية كاذبة تستهدف جر مصر إلى الصراع.

وبناء على ذلك، تصبح فرضية «الفوضى الخلاقة» أكثر قابلية للنقاش، لأن ضرب منشأة غاز مصرية لا يخدم فقط هدفا اقتصاديا محدودا، بل يحمل إمكانية سياسية أكبر، تتمثل فى إدخال القاهرة إلى دائرة الاستهداف المباشر، ودفعها إلى اتخاذ موقف أكثر تشددا تجاه إيران، وإثارة مخاوفها من امتداد الحرب إلى منشآتها الاستراتيجية.

لبنان.. تصعيد مستمر وخرق للاتفاقيات

لا يمكن فصل هذه التطورات عن التصعيد الصهيونى فى لبنان. فبعد الحرب الأمريكية- الإسرائيلية على إيران، دخلت الجبهة اللبنانية مرحلة جديدة من المواجهة، واستمرت إسرائيل فى عمليات الإبادة وفرض حصار خانق على جنوب لبنان، رغم التفاهمات التى أُعلن عنها فى يونيو (حزيران).

وفى سبتمبر (أيلول) ٢٠٢٦، أعلن الاحتلال تدمير بنية تحتية تحت الأرض لحزب الله فى منطقة على الطاهر جنوب لبنان، فى وقت تصاعدت فيه المخاوف اللبنانية من عملية برية واسعة للاحتلال الصهيونى.

وبهذه الصورة المعقدة، تدور حرب عقائدية استراتيجية بالغة الحساسية فى منطقة مضطربة؛ فإيران فى مواجهة مباشرة مع التحالف الأمريكي-الصهيونى، والسعودية ودول الخليج تواجه تهديدات لمنشآتها النفطية، بينما تحول اليمن إلى ساحة ضغط على الملاحة والطاقة، ودخل العراق دائرة الاستهداف والاتهام. فى المقابل، يواجه الشعبان اللبنانى والفلسطينى تصعيدا إسرائيليا متواصلا.

خاتمة

فى ضوء ما تشهده المنطقة، يواصل الاحتلال عدوانه على الشعب الفلسطينى، بما يحمله ذلك من قتل وتهجير وتدمير ممنهج، بالتوازى مع التصعيد فى لبنان من خلال الاعتداءات المتكررة ومحاولات فرض وقائع ميدانية جديدة، فى وقت تتسع فيه دائرة الاستهداف والاضطراب لتطال دولا ومنشآت حيوية عربية.

وفى هذا السياق، لا تبدو عمليات استهداف البنية التحتية والمنشآت الحيوية مجرد أحداث معزولة عن المشهد الإقليمى، بل تأتى ضمن بيئة صراعية يجرى فيها توظيف الخوف والاتهامات المتبادلة لدفع المنطقة نحو مزيد من الاستقطاب والانقسام. وكلما اتسعت دائرة الفوضى، أصبح من الأسهل إنهاك الدول العربية واستنزاف قدراتها وإبعادها عن مواجهة أصل المشكلة المتمثلة فى الاحتلال والعدوان، وتحويل اهتمامها نحو حماية أمنها الداخلى ومصالحها الاقتصادية المهددة.

مصدر الصورة

* كاتبة صحفية جزائرية متخصصة فى الوثائقيات البحثية والتحليلية ذات الطابع السياسى

مصدر الصورة

ينشر بالتعاون مع CAES مركز الدراسات العربية الأوراسية

شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا