في وقت تتجه فيه مصر إلى التوسع في التشجير بتوجيهات رئاسية، وتستعد لاستضافة الدورة الـ18 لمؤتمر الأطراف لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر (UNCCD COP18) في شرم الشيخ عام 2028، أثارت ممارسات قطع الأشجار وتجريف المساحات الخضراء في عدد من المحافظات حالة من الغضب على مواقع التواصل الاجتماعي.
ومع تصاعد الجدل والغضب، أعاد متابعون تداول بيانات الجمارك المصرية المدرجة في قاعدة بيانات البنك الدولي "حلول التجارة العالمية - WITS"، خلال السنوات الماضية والتي تشير إلى ارتفاع صادرات مصر من الفحم الخشبي النباتي، ما فتح تساؤلات حول حجم هذه الصادرات وعلاقتها بالطلب على الأخشاب ومعدلات قطع الأشجار.
كما أظهرت بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء ارتفاع صادرات الفحم المصري بنسبة 4.6% خلال النصف الأول من 2026، مع تصديره إلى أكثر من 35 دولة، من أبرزها السعودية وتركيا والعراق والأردن وسوريا وفلسطين وإسرائيل وليبيا والكويت والإمارات، إضافة إلى ارتفاع الطلب عليه من دول الخليج بعد إغلاق مضيق هرمز وتصاعد التوترات الجيوسياسية، بالتزامن مع ارتفاع سعر طن الفحم بنسبة 82% منذ بداية العام، ليسجل نحو 31 ألف جنيه.
-ما هي عقوبة قطع الأشجار في مصر؟
تختلف الأحكام والعقوبات المتعلقة بقطع الأشجار في مصر بحسب موقع الشجرة وطبيعتها والجهة المختصة بالإشراف عليها، إذ تتوزع القواعد المنظمة بين أكثر من تشريع.
فعلى سبيل المثال، ينص قانون العقوبات رقم 58 لسنة 1937، في المادة 367، على معاقبة من يقطع أو يتلف زرعًا غير محصود أو شجرًا نابتا خِلقة أو مغروسًا، وكذلك من يقتلع شجرة أو نباتًا أو يقطع منه أو يقشره لإهلاكه، بالحبس مع الشغل.
كما تناولت المادة 162 من قانون العقوبات قطع أو إتلاف الأشجار المغروسة في الأماكن المعدة للعبادة أو الشوارع أو المتنزهات أو الأسواق أو الميادين العامة، وقررت العقوبة بالحبس وبغرامة لا تقل عن 100 جنيه ولا تزيد على 500 جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين، مع إلزام المتسبب بدفع قيمة الأشياء التي أتلفها أو قطعها.
وتتضمن كذلك أحكام قانون البيئة رقم 4 لسنة 1994 وتعديلاته حماية للنباتات في الحالات التي تدخل ضمن نطاق تطبيق القانون، إذ تحظر المادة 28، في الحالات المحددة بها، قطع أو إتلاف النباتات أو حيازتها أو نقلها أو استيرادها أو تصديرها أو الاتجار فيها، كلها أو أجزاء منها أو مشتقاتها أو منتجاتها، فضلًا عن بعض الأفعال التي من شأنها تدمير موائلها الطبيعية أو تغيير خصائصها.
ويضاف إلى ذلك قانون الموارد المائية والري رقم 147 لسنة 2021، الذي وضع ضوابط خاصة للتعامل مع الأشجار والنخيل الموجودة في الأملاك العامة ذات الصلة بالموارد المائية والري، إذ لا يجوز قطعها أو قلعها إلا بترخيص من الإدارة العامة المختصة، وفقًا للضوابط التي حددها القانون ولائحته التنفيذية.
ولكن رغم تعدد القوانين والعقوبات، إلا أنه تختلف عقوبة قطع الأشجار في مصر حسب موقع الشجرة، وطبيعتها، والجهة الإدارية التابعة لها، ولا يوجد قانون موحد يغطي جميع الحالات، بل تتوزع المسئولية بين عدة تشريعات.
-هل غياب القوانين السبب؟ ومطالب بقانون موحد
علق الدكتور عمرو ربيع، أستاذ ورئيس قسم الأشجار الخشبية والغابات بمعهد بحوث البساتين بمركز البحوث الزراعية، على أزمة قطع الأشجار الحالية، قائلا: قطع الأشجار في مصر مجرم وهناك بالفعل قوانين عديدة، من بينها قانون الزراعة رقم 53 لسنة 1966، إلى جانب تشريعات مرتبطة بوزارتي البيئة والري، مشيرًا إلى قانون 98 لسنة 2021 وتشريعات أخرى سابقة، لكن المشكلة، بحسب قوله، ليست في غياب القوانين للردع، وإنما في تعدد الجهات المسئولة عن الأشجار، فمثلا الأشجار الموجودة على المجاري المائية تتبع وزارة الري، والأشجار على الطرق التابعة للدولة تدخل ضمن اختصاص الجهة المسئولة عن الطريق، بينما الأشجار داخل المدن تتبع الإدارة المحلية، إلى جانب الأشجار التي تُزرع ضمن مشروعات تابعة لوزارات أو جهات مختلفة؛ لذا يصعب تحديد الجهة المنوطة بالمحاسبة.
وطالب ربيع بوضع قانون موحد للتشجير وتحديد جهة مسئولة بوضوح عن زراعة الأشجار وخدمتها ومتابعتها وقرار قطعها، مؤكدًا أن تعدد الاختصاصات قد يؤدي إلى تداخل المسئوليات، بينما تحديد جهة واحدة أو وضع آلية واضحة لتكامل الجهات سيجعل من السهل تحديد المسئول عن أي مخالفة ومحاسبته، مشددا على عدم انتهاء المسئولية عند زراعة الشجرة فقط، وإنما تمتد إلى رعايتها والحفاظ عليها، حتى لا تتكرر المبادرات التي تعلن عن زراعة أعداد كبيرة من الأشجار ثم تختفي آثارها بعد فترة، دون رعاية أو متابعة، وتنتهي بها إلى المصير نفسه.
وأشار ربيع إلى أحد الجوانب الإيجابية التي كشفت عنها أزمة قطع الأشجار، هو ارتفاع مستوى الوعي المجتمعي والتفاعل الكبير مع القضية، موضحًا أن هذا التفاعل يعكس نجاح الجهود العلمية التي جرى العمل عليها خلال السنوات الماضية من خلال الندوات والمؤتمرات العلمية في رفع درجة الوعي بأهمية الأشجار والبيئة.
-قطع الأشجار له عائد اقتصادي.. لكن ليس على حساب البيئة
علق الدكتور نادر نور الدين، أستاذ الزراعة بجامعة القاهرة، على الحديث عن العائد الاقتصادي من قطع الأشجار، قائلًا إنه يتفهم أن هناك أشجارًا يتم قطعها للاستفادة من أخشابها في إنتاج الفحم النباتي، خاصة أن الفحم له سوق وعائد اقتصادي، وقد يحقق ملايين الدولارات من التصدير، لكن هذا الأمر لا يصح أن يكون على حساب البيئة أو صحة المواطنين، وفق قوله.
وأوضح أن الاستفادة الاقتصادية من الأخشاب أمر يمكن تفهمه، لكن لا بد أن يكون هناك مقابل بيئي وبعيدا عن الأشجار المعمرة التي استغرق نموها عشرات السنين وتمثل قيمة بيئية وتاريخية كبيرة، مشيرا إلى أن إزالة هذه الأشجار ثم محاولة تعويضها لاحقًا قد تكلف الدولة مبالغ أكبر من بيعها في صورة فحم، لذا نصح بالتفكير في العائد الاقتصادي إلى جانب تكلفة الخسارة البيئية وزيادة استهلاك الكهرباء، وإعادة التشجير مرة أخرى.
-تحركات عاجلة لمواجهة الأزمة والنيابة تفتح تحقيقا
وبخلاف التوجهات الرئاسية المستمرة للتوسع في التشجير وزيادة المساحات الخضراء، وعلى رأسها مبادرة "100 مليون شجرة" ومشروع "تخضير القاهرة"، شهد ملف الأشجار خلال الأيام الأخيرة تحركات عاجلة.
على الفور، وجه رئيس الوزراء مصطفى مدبولي بالإسراع في تشجير الطرق والمحاور الرئيسية، مع الالتزام بعدم قطع الأشجار. كما أعلنت محافظة القاهرة عدم السماح بقطع أي أشجار أخرى، والتوسع في المساحات الخضراء.
وأصدرت وزارة التنمية المحلية بالتعاون مع البيئة الكتاب الدوري رقم 245 لسنة 2026، الذي شدد على عدم قطع أو اقتلاع الأشجار إلا بعد موافقة المحافظ واستيفاء رأي جهاز شئون البيئة، وأيضا وجهت وزارة الإسكان رؤساء أجهزة المدن الجديدة بالحفاظ على الأشجار ومنع قطعها، بينما بدأت النيابة العامة تحقيقات بشأن وقائع قطع الأشجار في عدد من المناطق.
المصدر:
الشروق