آخر الأخبار

إنتاج الطوب من البلاستيك.. ابتكار مصري يحل أزمة النفايات ويدعم الاقتصاد الأخضر - الوطن

شارك

كان «مصطفى مسعد وفتحي أيمن وجابر تامر» يجلسون أمام كلية الهندسة بجامعة منوف، حيث يدرسون، وكان اليأس مُسيطراً عليهم، فهم حريصون على المشاركة في مسابقات علمية تقدم ابتكارات، وكانت هذه هي المرة الثالثة التي يتقدمون فيها لمسابقة ولا يتم قبول مشروعهم. ظل «مصطفى» يقلب في فيديوهات اليوتيوب وهو سارح بخياله، لأنه يريد هو وأصحابه تحقيق حلمهم الذي طالما حلموا به وهم في المرحلة الثانوية، الدراسة بكلية هندسة والتوصل لابتكار علمي بيئي يساهم في تقليل التلوث ويحافظ على البيئة، يستفيد منه الناس في تيسير سبل معيشتهم.

المشروع حصل على المركز الثاني في مسابقة مركز البيئة والتنمية للإقليم العربي وأوروبا «سيداري»

فجأة صرخ «مصطفى» على طريقة العالم اليوناني الشهير «أرشميدس» قائلاً: «وجدتها»، وأشار إلى فيديو يشاهده عن تجارب على إمكانية إعادة تدوير النفايات البلاستيكية واستخدامها في صناعة مواد البناء، وعلى مدار عامين انطلق الشباب الثلاثة، الذين لم يتجاوز عمر كل منهم 25 عاماً، في تجارب، تكللت بالنجاح بعد فوزهم بالمركز الثاني في مسابقة التميز البيئي 2026، التي أطلقها مركز البيئة والتنمية للإقليم العربي وأوروبا «سيداري» بالتعاون مع اتحاد الجامعات العربية، والتي شهدت مشاركة 273 مشاركاً من 15 دولة عربية، واستهدفت تنمية الابتكار والوعي البيئي لدى الشباب العربي، من خلال ابتكار نوعين من الطوب الصديق للبيئة، الأول طوب إنشائي يُعد بديلاً للطوب التقليدي، والثاني بلاط تزيين واجهات للمنازل بديل للرخام والحجر الفرعوني.

3 شباب يبتكرون مشروعاً لإعادة تدوير البلاستيك واستخدامه في صناعة الطوب

مشروع الشباب الثلاثة «فتحي ومصطفى وجابر»، طلاب هندسة منوف، واحد من اجتهادات كثيرة تهدف للتخلص من النفايات البلاستيكية، باعتبارها خطراً حقيقياً يُهدد مستقبل كوكب الأرض، من خلال إعادة تدويرها واستخدامها في صناعة مواد البناء، وحاولت الكثير من الدراسات العلمية الاشتباك مع إمكانية استخدام نفايات البلاستيك في مواد البناء، باعتبار ذلك حلاً أكثر ابتكاراً وحداثة، واتجاهاً تزايد الاهتمام به عالمياً خلال السنوات الأخيرة.

«فتحي»: أصعب الفترات كانت إقناع أصحاب ورش التصنيع باستخدام أدواتهم

ويتماشى اتساع نطاق الدراسات والتجارب الساعية إلى تحويل البلاستيك من عبء بيئي إلى مادة خام تدخل مجدداً في دورة الإنتاج، مع حقيقة وصول حجم النفايات البلاستيكية في العالم إلى رقم ضخم، وصل إلى 400 مليون طن من النفايات البلاستيكية سنوياً، حسب آخر تقرير صادر عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة عام 2024، بينما قدرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية حجم النفايات البلاستيكية عالمياً بحوالي 353 مليون طن عام 2019، وتوقع التقرير أن يصل حجم النفايات البلاستيكية في العالم إلى 1.014 مليار طن في 2060، أما في مصر فيصل حجم النفايات البلاستيكية إلى 2.5 مليون طن حسب تقرير صادر عن وزارة البيئة المصرية عام 2023 بعنوان «التلوث البلاستيكي وتعزيز البدائل المستدامة». وأكد تقرير صادر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عام 2022، أن 9% فقط من النفايات البلاستيكية تتم إعادة تدويرها، و19% يتم حرقها، و50% تذهب إلى مدافن النفايات، والنسبة المتبقية 22% تُدار بطرق غير سليمة صحياً وتتسرب إلى البيئة.

الإلهام من قلب المحنة

«كنا مثل أي شباب في المرحلة الثانوية نبحث عن عمل، ولكننا لم نكن نرغب في الخضوع لقوانين سوق العمل الرأسمالي والتي تدور حول الوظيفة العادية ذات المرتب الثابت، بل رغبنا أن يكون لنا مشروع خاص باسمنا وابتكار لا تقتصر فائدته أو تأثيره علينا وحدنا، وإنما تمتد للمجتمع والدولة ككل»، بهذه الكلمات تحدث مصطفى مسعد لـ«الوطن» عن بداية فكرة مشروعه الفائز في «مسابقة التميز البيئي 2026»، ليُثبت أن الإلهام قد يأتي من قلب المحنة.

وقال «مصطفى» إن رغبتهم في الاستفادة من النفايات البلاستيكية وإعادة تدويرها في صناعة مواد البناء لم تبدأ في الجامعة بل بدأت خلال دراستهم في المرحلة الثانوية، عندما جلس الثلاثة يُخططون لمستقبلهم معاً، دون أن يكون لديهم مال أو مكان لبدء تجارب أو فكرة واضحة عن كيفية تحويل تلك الأفكار إلى واقع، وتابع: «من الأسباب الأخرى التي دفعتنا للتفكير في هذا المشروع حتى قبل الالتحاق بالكلية كانت محنة وباء كورونا، وما رأيناه كشباب من الاستغلال الذي تعرض له المواطن العادي على يد مصنعي الكمامات والكحول وأدوات التعقيم والنظافة، لذا فكرنا في ابتكار طوب صديق للبيئة، لكسر الاستغلال في عمليات البناء، وبدأنا نعمل على ابتكار طوبة ليست تقليدية تحل مشكلات المواطنين».

بعد دخول «فتحي ومصطفى وجابر» الكلية بدأوا العمل بهمة ونشاط، واختاروا مجال الطاقة والمناخ ليبحثوا فيه، خصوصاً بعد تأثرهم بمادة دراسية تتحدث عن أهمية الحفاظ على البيئة وإيجاد حلول مبتكرة للاحتباس الحراري، وقال «فتحي»: «بدأنا نقرأ بتمعن أكثر في فكرة الطاقة والمناخ وعرفنا أن مصر للأسف تعاني لأسباب مختلفة من ارتفاع نسبة الملوثات الكربونية، لذلك تبنت تنفيذ أهداف التنمية المستدامة لعام 2030 التي وضعتها الأمم المتحدة، والتي يُعد الهدف الـ13 فيها العمل المناخي والاهتمام به ومن هنا كانت البداية».

لا تراجع ولا استسلام

انطلق الشباب في تقديم ابتكارات مختلفة والدخول في مسابقات خلال الأعوام التالية في الجامعة، ولكن الفشل كان من نصيبهم في أكثر من مرة، لكن وكما يحدث في الأفلام السينمائية، في إحدى المرات، وبعد شعورهم باليأس، وقع نظرهم على فيديو يتحدث عن «طوبة صديقة للبيئة»، أو ما يسمى «طوب الإنترلوك»، وانطلق الشباب بالفعل لمركز بحوث الإسكان والبناء ليسألوا عن إمكانية تطبيق الفكرة ولكن على طوب المنازل، ووجدوا أن هذه الفكرة في مصر ما زالت في بدايتها، فقرروا أن يكون ذلك هو مشروعهم الجديد.

خطر النفايات البلاستيكية

ويتماشى تفكير «مصطفى وجابر وفتحي» في إعادة تدوير النفايات البلاستيكية واستخدامها في صناعة مواد البناء، مع الاتجاه العالمي الذي يسعى للحد من خطر النفايات البلاستيكية، خصوصاً أن التكاليف الاجتماعية والبيئية الناجمة عن التلوث البلاستيكي تتراوح بين 300 و600 مليار دولار سنوياً، وفق تقرير «Turning off the Tap» الصادر عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة عام 2023.

وبسبب هذه الكلفة البيئية والاجتماعية الضخمة، لجأ العالم إلى فكرة إعادة تدوير النفايات البلاستيكية واستخدامها في صناعة مواد البناء، مثل الطوب والبلاط والخرسانة والأسفلت ومواد البناء المُركبة، وإعادة التدوير تعني استبدال جزء من المواد التقليدية ببلاستيك مُعاد تدويره، بحيث تتحول النفايات من عبء بيئي إلى مادة لها قيمة اقتصادية، وهي منهجية ضمن مفهوم الاقتصاد الدائري، الذي يقوم على أن علاج زيادة انتشار النفايات البلاستيكية من خلال الأسباب التي تؤدي إليها وعدم الاقتصار على معالجة آثار الظاهرة.

أحلام عريضة وإمكانيات محدودة

الأحلام العريضة والكبيرة للشباب الثلاثة كانت تقابلها إمكانيات محدودة وظروف صعبة، وقال «فتحي»: «عملنا دراسات صغيرة، في البداية واخترنا صناعة طوبة من الأكياس البلاستيكية السوداء، باعتبارها أكثر أنواع البلاستيك تدميراً للبيئة وخصوصاً الحيوانات البحرية التي تموت بسبب ابتلاعها، وهي أول فائدة لمشروعنا، وبعد معرفة المواصفات القياسية لبناء الطوبة بدأنا التجارب التي وصلت إلى 60 تجربة، مررنا فيها بظروف أصعب ما تكون؛ فصباحاً نحن ندرس في الكلية وليلاً نعمل لتوفير الأموال التي تُمكننا من تنفيذ تجاربنا، وفي الإجازة نقوم بالتجارب على الطوبة، وكانت أصعب الفترات هي محاولات إقناع أصحاب ورش التصنيع باستخدام بعض أدواتهم، لأن هذه الأدوات صعب توافرها أو شراؤها، فكنا حرفياً لا ننام حتى نجحنا في ابتكار الطوبة المطلوبة».

«نيفين»: نبحث عن التطبيق الفعلي لتتحول المشروعات الفائزة إلى حلول حقيقية

ومن مميزات الطوبة التي ابتكرها الشباب الثلاثة والتي يسعون إلى تسجيل براءة اختراع لها لدى مكتب براءات الاختراع المصري، ويؤكدون أنها تعزل الحرارة بنسبة 30% مقارنة بأنواع الطوب الأخرى المنتشرة في السوق، بعد استخدام 50% من مكونات الطوبة من البلاستيك بجانب المكونات الأخرى مثل الرمل والزلط والمياه.

وأضاف «فتحي»: «بحسبة بسيطة لو انتشر استخدام هذا النوع من الطوب فسيساهم في تقليل نسبة النفايات البلاستيكية في مصر، فمثلاً لو أنتجنا 2000 طوبة، فنحن وقتها سنستهلك طناً من النفايات البلاستيكية، ومع زيادة إنتاج الطوب سيقل حجم النفايات».

تكللت جهود الشباب الثلاثة بالنجاح بعد الوصول إلى المركز الثاني في المسابقة، التي أقامها مركز البيئة والتنمية للإقليم العربي وأوروبا «سيداري»، بابتكار نوع من الطوب يتميز بمتانة تفوق الطوب التقليدي، مع توفير عزل حراري يصل إلى 30%، ما يسهم في خفض استهلاك الطاقة وتقليل فواتير الكهرباء، كما يتمتع الطوب الجديد بمقاومة عالية للرطوبة والعوامل الجوية، ولا يتطلب استخدام طبقات المحارة أو المعجون، فضلاً عن إمكانية إعادة تدويره وإعادة تشكيله عدة مرات، حسب تأكيد الشباب الثلاثة الذين أعلنوا أنه بمجرد تخرجهم فإنهم سيبدأون بناء مصنع لإنتاج ابتكارهم من الطوب صديق البيئة.

وقال «جابر»: «كل ما نتمناه أن يخرج مشروعنا للنور، وأن نقدم نموذجاً للشباب ليدركوا من خلاله أن الحل ليس انتظار الوظيفة الثابتة أو التعيين الحكومي بل أن نفكر ونبتكر».

مشروع سهل التنفيذ

«هذا المشروع من المشروعات الجيدة وسهلة التنفيذ، وبتكاليف استثمارية بسيطة، ومن الممكن أن يساهم في حل مشكلة كبيرة تتعلق بالبلاستيكات أحادية الاستخدام، كما سيكون المشروع مساهماً في خفض كميات المواد الخام الرئيسية المستخدمة في مواد البناء»، بهذه الكلمات تحدث الدكتور خالد الفرا، المستشار الفني الإقليمي ورئيس مجموعة عمل التحول إلى الاقتصاد الأخضر «سيداري»، عن فوز المشروع الخاص بإنتاج طوب صديق للبيئة، مؤكداً أن أهمية المشروع تكمن في أن المخلفات البلاستيكية من أصعب المخلفات في التعامل معها، كونها تتجزأ وتتفتت وتتحلل على فترات زمنية طويلة جداً، وبالتالي تحتاج إلى تكاليف طائلة للجمع والتخلص النهائي الآمن منها.

وأشار إلى أن التكاملية في إدارة منظومة التخلص من النفايات البلاستيكية من الواجب أن تخضع للرقابة والرصد، من خلال تشريعات مُفعلة في مسألة التطبيق، لأن كافة التكنولوجيات متاحة عالمياً ومحلياً للمعالجة والاستفادة من المخلفات من خلال إعادة التدوير، وتابع: «منظومة إعادة تدوير النفايات البلاستيكية لا ينقصها سوى التحفيز المالي، إلى جانب إتاحة التمويل الميسر لمن يرغب في العمل في هذا المجال، ومن خلال هذه الإتاحة يمكن إعادة هيكلة منظومة الجمع والفرز، والتحفيز على الفرز من المصدر، لتأمين هذه المدخلات البلاستيكية في عمليات التدوير أو إعادة الاستخدام».

وأضاف «الفرا» أن مشروع إعادة تدوير النفايات البلاستيكية لتصنيع مواد البناء، الذي أنتجه الشباب الثلاثة هو التطبيق الحقيقي لمفهوم الاقتصاد الدائري الذي تتبناه مؤسسة مركز البيئة والتنمية للإقليم العربي وأوروبا «سيداري»، الذي يعني استغلال الموارد الطبيعية المتاحة وهي المواد التي توفرها الطبيعة وتدخل في عمليات الإنتاج، مثل المياه والأخشاب والمعادن والنفط كمدخل في عمليات التصنيع وإنتاج المنتجات، مع العمل على إعادة استخدام المواد وتدويرها وتقليل استخدام المواد الخام الجديدة، وخفض المخلفات النهائية المطلوب التخلص منها بشكل آمن.

الاقتصاد الدائري

وأظهر تقرير «Turning off the Tap» الصادر عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة لعام 2023 فإن مفهوم الاقتصاد الدائري يعني التخلي عن النموذج الحالي الذي يُعرف باسم الاقتصاد الخطي، والذي يعتمد على فكرة إنتاج البلاستيك واستخدامه ثم التخلص منه، إلى شكل آخر من أشكال الاقتصاد الذي يحافظ على المواد والموارد داخل دورة إنتاج البلاستيك لأطول فترة ممكنة، بعدة خطوات أولاً من خلال تقليل الاستخدام غير الضروري لمنتجات البلاستيك، ثم إعادة استخدام المنتجات إن إمكن، ثم إعادة تدوير المخلفات وتحويلها إلى مواد خام ثانوية، وبهذا تتحول النفايات البلاستيكية من عبء بيئي إلى مورد اقتصادي، والمقصود بـ«المواد الخام الثانوية» هي مواد يتم الحصول عليها من مخلفات أو منتجات مستعملة بعد جمعها وفرزها ومعالجتها، ثم استخدامها مرة أخرى كمدخلات في تصنيع منتجات جديدة، بدلاً من الاعتماد على مواد خام مستخرجة حديثاً من الطبيعة.

ريادة مصر

وفي مصر على عكس المتوقع، لا يعد الاقتصاد الدائري مفهوماً حديثاً بل بحسب الدراسات الحكومية، فمصر تعد من أوائل الدول العربية التي تطبق هذا المفهوم منذ عام 1960، من خلال تسجيل 46 منشأة تقوم بإعادة التدوير.

«ملوك»: هناك تجارب كثيرة في مجال إعادة تدوير النفايات

وأكد تقرير الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء الصادر عام 2018، أن عدد المنشآت التي تعمل في مجال جمع ومعالجة وإعادة تدوير النفايات وصل إلى 5992 منشأة، ومؤخراً قررت الدولة تبني هذا المفهوم بشكل رسمي، وليس مجرد منشآت متفرقة تعمل دون تنسيق، فأطلقت وزارة البيئة وبالتحديد عام 2024 الاستراتيجية الوطنية للاقتصاد الدائري ليتم تطبيقها في 8 قطاعات. وشرح «الفرا» تأثير الاقتصاد الدائري على ملف البيئة وإعادة تدوير النفايات البلاستيكية في أنه يساهم في توفير المزيد من فرص العمل، وبتكلفة استثمارية أقل لكل فرصة عمل، من خلال الاعتماد على الشركات الصغيرة والمتوسطة في عمليات إعادة التدوير، والشركات الناشئة ومجموعات العمل من الشباب الواعد التي تدرس التكنولوجيات القائمة وتعمل على تطويرها بما يتوافق مع الواقع العملي قائلاً: «من خلال خفض استهلاك الموارد والحفاظ عليها وإدارتها بصورة سليمة، يمكن تحقيق خفض في الملوثات البيئية، سواء في الهواء أو المياه أو التربة».

جائزة التميز البيئي

وأكدت نيفين طلعت، مدير إدارة التواصل الإقليمي وأمانة مجلس الأمناء في مؤسسة سيداري، أن إطلاق جائزة التميز البيئي لعام 2026 من جانب المؤسسة جاء انطلاقاً من دوره في دعم الابتكار البيئي وتمكين الشباب، ورغبته في اكتشاف حلول مبتكرة تستجيب للتحديات البيئية والتنموية الأكثر إلحاحاً في المنطقة العربية، والجائزة صُممت لتشجيع الأفكار التي يمكن أن تنتقل من الابتكار إلى التطبيق، وليس فقط الاحتفاء بالأفكار الجديدة.

وقالت «نيفين»: «الجائزة رسالة قوية على وجود طاقات شبابية عربية واعدة لديها أفكار وحلول مبتكرة للتحديات البيئية التي تواجه المنطقة، ونحن لا نبحث فقط عن فكرة مبتكرة ولكن نبحث عن التطبيق الفعلي، وأن تتحول المشروعات الفائزة إلى حلول حقيقية، لذا نريد أن تكون الجائزة نقطة انطلاق للشباب، وليس نقطة نهاية من خلال ربط هؤلاء المبتكرين بالقطاع الخاص، لأن انتقال الفكرة من النموذج الأولي إلى منتج أو حل قابل للتطبيق يحتاج إلى خبرات وشراكات وتمويل وفرص حقيقية للوصول إلى السوق. وبالتالي، نطمح أن تكون الجائزة منصة تجمع بين الابتكار والشراكة والتطبيق».

«الفرا»: «المشروع يسهم في حل مشكلة كبيرة تتعلق بالبلاستيكات أحادية الاستخدام

وأضافت أن ما لفت انتباه لجنة تحكيم الجائزة في مشروع إعادة تدوير النفايات البلاستيكية أحادية الاستخدام، وتحويلها إلى مواد بناء مستدامة، هو أنه يجمع بين معالجة مشكلة بيئية وتحويلها إلى استخدام عملي؛ فهو لا يكتفي بإعادة تدوير البلاستيك، وإنما يقدمه في صورة مواد يمكن استخدامها في قطاع البناء، مع خصائص إضافية أشار إليها فريق المشروع، مثل العزل الحراري ومقاومة الرطوبة وإمكانية إعادة التدوير وإعادة التشكيل.

الوجه الآخر للابتكار

«هناك تجارب كثيرة حالياً في مجال إعادة تدوير النفايات البلاستيكية، لكن هناك أسساً وقواعد لا بد من مراعاتها، لأنه كما أن هناك فوائد وإيجابيات للتجربة، هناك سلبيات لا بد من الحذر منها» بهذه الكلمات بدأ الدكتور أيمن ملوك، الخبير المعماري المتخصص في العمارة البيئية الخضراء، حديثه لـ«الوطن» عن فكرة إعادة تدوير النفايات البلاستيكية واستخدامها في صناعة مواد البناء. وقال: «أول الأسس التي يجب مراعاتها قبل البدء بعملية التدوير هو نوع البلاستيك المستخدم، فهناك أنواع لا يمكن إعادة تدويرها، وكميات الطاقة المستهلكة خلال عملية التدوير، وكميات الانبعاثات الكربونية التي تصدر خلال عملية إعادة التدوير، وتأثير عملية إعادة التدوير على البيئة، سواء كانت زراعية أو مائية، وطريقة نقل المواد التي تتم إعادة تدويرها، وهل هي ضارة بالبيئة أم لا، وتابع: «كل تلك الأسس وغيرها تجعلنا نفكر جيداً قبل أن نقول إعادة تدوير النفايات البلاستيكية واستخدامها في صناعة طوب هي بمثابة إنتاج طوب صديق للبيئة».

واعتبر «أيمن» أن التحمس لمشروعات إعادة تدوير النفايات البلاستيكية واستخدامها في صناعة الطوب الذي يمثل طوباً صديقاً للبيئة، أمر جيد، ولكن قبل التحمس لا بد من التفكير في مبدأ «الغاية لا تبرر الوسيلة».

وضرب «أيمن» مثالاً بصناعة السيارة الكهربائية التي تعد صديقة للبيئة، ولكن ما لا يعلمه البعض أن تصنيع البطارية الخاصة بذلك النوع من السيارات يستهلك الكثير من الطاقة، كما أنها يصدر عنها انبعاثات كربونية مكثفة قد تصل إلى درجة السمية. وتابع: «أنا أقصده أن الهدف هنا نبيل هو تقليل حجم النفايات البلاستيكية قدر الإمكان، وإنتاج منتجات صديقة للبيئة، لكننا يجب أن ننظر إلى الطريقة التي نحقق بها الهدف وهي طريقة التصنيع، ونسأل سؤالاً هاماً لأي مبتكر هل طريقة التصنيع تضر البيئة أم لا؟».

واعتبر مؤلف كتاب «البناء بمادة تربة الأرض» أن الابتكار في منتجات صديقة للبيئة أمر جيد وهام، مع مراعاة الاشتراطات والأسس التي تحافظ على البيئة خلال عملية التصنيع، حتى لا تصبح تلك المشروعات بلا جدوى، لكن الأفضل من وجهة نظره هو العودة إلى أسس البناء المتعارف عليها لدى المصريين، لأن كل مجتمع له طبيعة وبنية تختلف عن غيره من المجتمعات، وطبيعة الصحراء المصرية تنتج الكثير من المواد الخام التي يمكن استخدامها في صناعة المواد الخام بتكلفة مناسبة وتناسب الظروف المناخية الموجودة، دون أن يشعر المواطن بالحرارة الشديدة خلال فصل الصيف أو البرودة القاتلة في فصل الشتاء.

وقال: «نحن مجتمع لدينا كثير من الصحاري والجبال التي توفر خامات أصلية للبناء تعد صديقة للبيئة، استخدمها الفراعنة في بناء آثار ما زالت تعيش إلى يومنا هذا، لذا نشجع الابتكار ولا نرفضه ولكن بالتوازي نطلب من المجتمع أن يتعافى ويعود إلى الطبيعة وأصولها في البناء، ولنا في تجربة المعماري حسن فتحي مثال».

إعادة تدوير النفايات البلاستيكية واستخدامها في صناعة مواد البناء لم تغب عن الدراسات الأكاديمية التي تناولت الفكرة بالتمحيص، ومنها دراسة حديثة تحدثت عن الآثار البيئية لاستخدام النفايات البلاستيكية في صناعة مواد البناء وخصوصاً الطوب، بعنوان «تقييم الآثار البيئية لإنتاج الطوب من النفايات البلاستيكية» وتم نشرها ضمن أعمال المؤتمر الثاني والخمسين لأبحاث التصنيع بأمريكا الشمالية عام 2024، وحاولت الدراسة الإجابة عن سؤال هل تحويل النفايات البلاستيكية إلى طوب يمكن أن يكون أقل ضرراً على البيئة من مواد البناء التقليدية؟ وبالفعل أشارت الدراسة إلى أنه يمكن أن يخفض عدداً من التأثيرات البيئية مقارنة بأنشطة البناء التقليدية؛ إذ سجلت الدراسة انخفاضاً قدره 26% في استهلاك المياه، و59% في السمية البيئية البرية، و81% في استنزاف الموارد المعدنية، و99% في استخدام الأراضي.

وأشارت دراسة مصرية حديثة بعنوان «تصنيع طوب شبيه بقطع الليجو باستخدام مخلفات البولي إيثيلين المعاد تدويرها» صادرة عن كلية الهندسة، الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري، القاهرة، ونشرت في مجلة Sustainability، عام 2024، إلى إمكانية تحويل مخلفات الأكياس والزجاجات البلاستيكية إلى طوب يحقق مقاومة ضغط مرتفعة وامتصاصاً شبه معدوم للمياه، كما سجل انبعاثات كربونية أقل من الطوب التقليدي أثناء التصنيع، إلا أن تأثيره البيئي على المدى الطويل ما زال يحتاج لمزيد من الدراسة.

مصدر الصورة

*
*
*
*
الوطن المصدر: الوطن
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا